عمر عزيز

February 18, 2013
By

عمر عزيز، تذكروا هذا الاسم، اسألوا عنه، لاحقوه، اعرفوا في أيدي من وقع، أي مخابرات اعتقلته وبأي تهمة، اعرفوا أين صار اليوم وفي أي معتقل.
أعرف عمر عزيز، أعرفه صديقا لأصدقاء، لكن سرعان ما صار صديقا لي. مثل عمر عزيز لا نحتاج إلى وقت لنغدو أصدقاء له، مثله إذا التقينا به وجدنا ان ثمة أواصر صنعها الزمن بيننا، أواصر صنعتها القراءة، أواصر صنعتها القيم والمثل المشتركة، أواصر صنعتها القضايا والمواقف. مثل عمر عزيز لا تحتاج إلى مقدمات كثيرة لتغدو بينكما صلة، فأنتما من مكانين متباعدين واجهتما ذات المسائل وربما بذات النبض وذات الانفعال وذات النهايات وذات الانعكاس. أنتما معاً انتميتما إلى الجيل نفسه، جيل الهزائم وجيل الحيرة وجيل التحولات السريعة وجيل اليسار المنكفئ وجيل الانعطافات الكاسرة، أنتما معاً بدون ان تلتقيا قرأتما، ربما، ذات الكتب، وأنتما معاً عشتما ذات اللحظات، لحظات الانكسار الكبرى، وانتما معا ندمتما لأنكما عييتما وانكفأتما وتركتما الساحة بل الساحات، وربما شعرتما معا في يوم انكما اذنبتما من غير ذنب، وأنكما خذلتما قومكما من غير خذلان، وانكما تشتتما وَضِعتُما من غير حيرة او بحيرة. وانكما ابتعدتما أكثر فأكثر عن أحلام المهد واشراقات المراهقة وهتاف الشباب. حتى إذا التقيتما ذات يوم، ذات يوم في ذيل السنين والعقود، التقيتما وقد خطوتما في الستين، اكتشفتما، كل من جهته، انه يسمع من الآخر صوت ضميره وأنه يسمع من الآخر صدى تجربته، وانه والآخر توأمان، وشبههما ليس أي شبه وإنما هو فوق آصرة العقل يرقى إلى الحس والذوق والسلوك.
عمر عزيز الذي التقيته منذ سنوات، وجدت فيه رقة آسرة وحميمية ولطفاً، وجدت فيه ستينيا تحول العمر معه إلى حنان وإلى رأفة وإلى شاعرية ضمنية وإلى ثقافة وإلى أحلام كبيرة وإلى إحساس رفيع. التقينا مرات قليلة، لكنني من المرة الأولى أحببت صوته ونظرته ورقته وكبر قلبه، من المرة الأولى منحته ماضي ومنحني ماضيه، من المرة الأولى استعرته لنفسي واستعارني لنفسه، أعلم بعد وقت ان الرجل الذي عاد إلى بلده بعد غربة تعد بالعقود في السعودية قد وقع بين أيدي المخابرات، حملوه من بيته في دمشق واختفى من ذلك الحين. اختفى عمر عزيز في زحمة الأحداث التي تملأ سوريا، الأحداث التي تملأ دمشق. لم أسمع صوته وهو يساق إلى المعتقل، إذا بقي له صوت، الأحداث الرهيبة تعلو فوق كل الأصوات، ومن الممكن ان يختفي شخص تحتها إلى الأبد. هذا مصدر رعبي، لذا تذكروا هذا الاسم، لاحقوه، اسألوا عنه، اعرفوا في أي معتقل هو. رعبي ان يكون اختفى واحتبس صوته إلى الأبد.
عمر عزيز أستاذ الاقتصاد، المجاز من فرنسا، المثقف الكبير، لستَ وحيداً في سجنك، لستَ وحيداً في عزلتك. لستَ وحيداً، جيل وأحلام وتجربة تُحاكم معك.

Tags: , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • من طهران الى غروزني الى دمشق

    ذكّرني الحوار الذي اجرته قناة ‘الدنيا’ السورية مع بشار الأسد، بالمقولة التي أطلقها مؤسس حزب الكتائب بيار الجميل في بداية الحرب الأهلية اللبنانية الطويلة. يومها وفي مواجهة الخطاب الاصلاحي الذي […]

  • هل يوجد في سوريا جيش شعاره وطن , شرف , اخلاص ؟

    نيسرين عبود,  جورج بنا : ألا يحق للمواطن السوري أن يسأل الجيش الذي يكلف أكثر من تلثي الموازنة العامة عن منجزاته ثم مقارنة هذه المنجزات مع تكاليفه , وبالنهاية يحكم […]

  • رياض متقلون يكتب “قصة ليست سورية! ”

    رياض متقلون يكتب :”قصة ليست سورية! ” نقلا عن جريدة الوطن السورية. في الوقت الذي يتقاتل الصوماليون فيما بينهم تضرب المجاعة البلاد بشدة ويموت يومياً مئات وربما أكثر من المئات من الصوماليين […]

  • بين شرعية الدولة وشرعية السلطة

    بقلم :عبدو قطريب المعلم قال : زايدوا عليكم بالديموقراطية  فمارستوها  بأرقى صورها ” ,  هذه العبارة  توحي بأن  الحكم في سوريا الأسد يمثل  أرقى أشكال الديموقراطية , والأسد هو  من […]

  • “مؤامرة”؟ “شو هل الحكي؟”

    (انفجار عين المريسة | في 18 نيسان 1983 تعرّضت السفارة الأميركية في بيروت بمنطقة عين المريسة لهجوم انتحاري أدى إلى سقوط 63 قتيلاً أميركياً و100 جريح. اللافت أنّ من بين […]