الوعي الطائفي وطائفية الوعي
السلطة السورية تحاول تبرير وجودها بحماية الأقليات , وذلك عن طريق نظام سياسي يعتمد في أساسه على ترويج طائفية الوعي , أي على الادراك الطائفي المتعاظم ,السوري أصبح يعرف نفسه بأنه علوي أو سني أو غير ذلك , وطريقة التعريف هذه لم تكن معروفة في الخمسينات من القرن الماضي , لقد كان المواطن سوري أولا , وفي هذا الجو الصحي في الخمسيبنات نال الاخوان المسلمين في انتخابات حرة وديموقراتطية أقل من 10% من الأصوات , والحزب الشيوعي نال تقريبا كالاخوان.
الوضع تطور تحت سيطرة البعثية -الأسدية وأصبح المواطن يعرف نفسه بطائفته أولا , والمسؤول عن سوريا في هذه الحقبة كانت عائلة الأسد , وفي هذه الحقبة هرب أو هاجر نصف افراد الطائفة المسيحية يحثا عن حياة أفضل من الحياة مع المخابرات الأسدية ومع التمييز الطائفي الأسدي , المسيحي في مزرعة الأسد هو مواطن من الدرجة الثانية مقارنة بالعلوي , المسيحي هو انسان المهن الحرة , ذلك لأن الوظيفة هي أولا للعلوي , خاصة الوظائف “الدسمة” كالجمارك , المسيحي هو الموظف “الشكلي” كالمرحوم وزير الدفاع السابق , الذي لايستطيع أن يأمر جندي واحد, المسيحي هو الانسان السوري , الذي يلعق فضلات العلوي من المزبلة , وكم من مسيحي عاد وهاجرمرة أخرى الى جامعته التي كان استاذا بها ..ان كانت السوربون أو غيرها من الجامعات المرموقة , بعد أن وظفه الأسد تحت امرة علوي اتي من جامعة كازاخستان أو لومومبا أو جامعة عند شاوشيسكو في رومانيا , حيث لم ينال أصلا أي شهادة معترف بها , وكيف يصبح مثلا بسام أبو عبد الله رئيسا لقسم في الجامعة السورية , وهل درس بسام أبو عبد الله في كازاخستان أي فرع ؟ ومن أين شهادة الدكتوراه عند بهجت سليمان أو عند جميل الأسد أو رفعت الأسد , ومن أين أتى معد محمد بشهادته الجامعية مع أنه لم يحصل على الشهادة الثانوية , وهل يوجد موفد واحد مسيحي على نفقة الدولة في الخارج ؟؟, المسيحي هو في سوريا فائض يشري , وعليه بالفضلات , ولو لم يكن كذلك لما هاجر وترك البلاد , اذ لاتستقيم حماية الأقليات مع اندثار المكون المسيحي الى النصف تحت اشراف القيادة الحكيمة, التي تحاول جاهدة تحويل المسيحيين في سوريا الى “طائفة” لكي تحارب طوائف أخرى , فالمسيحي بقي في معظم الحالات مواطن سوري اولا , ولم يتحول الى مواطن مسيحي أولا ,فالأقلية تحمي نفسها بشكل عام عن طريق تبعثرها وذوبانها في المجتمع , وليس عن طريق تراصها , والأقلية تحمي نفسها عن طريق الديموقراطية , التي تسمح لأي انسان أن يكون في وقت ما من الأكثرية سياسيا , المسيحي هو الشيوعي أو القومي السوري أو البعثي أو الناصري والطريق الوحيد الذي يمكن أي انسان من أن ينتمي الى الأكثرية هو الطريق الديموقراطي المدني , وليس الطريق الأسدي الدوغماتيكي الأصولي .
الطائفة العلوية تضررت بشكل أساسي من الأسد , اذ احدث الأسد شرخا كبيرا بين الطائفة العلوية والسنية , تطور الى حد القتل على الهوية , والأسد لم يقم بحماية الطوائف كما يدعي وانما هو الذي عمق طائفية الوعي , وهو الذي يحتمي باتلطائفة والطائفية.
الوضع السوري كان أفضل من مثيله اللبناني , والوضع انقلب الآن ليصبح الوضع اللبناني أفضل بكثير من الوضع السوري , هناك في لبنان تطييف للوعي , أي ان اللبناني يقول على أنه شيعي أو ماروني أولا ثم لبناني ثانيا ’, لبنان ابتكر من أجل تحجيم طائفية الوعي مايسمى الوعي الطائفي , أي انه ابتكر سبلا دستورية معروفة لعلاج مرض معروف (طائفية الوعي لعلاج الوعي الطائفي), وبذلك تقدم لبنان بتنظيم طائفيته وطوائفه على سوريا , التي لم تجد لحد الآن منطومة تقيد انفلات الوعي الطائفي , وسوف لن تجد , لأن نسبة الطوائف في سوريا ليست متوازية ومتوازنة كما الحال في لبنان , مشكلة السيد بشار الأسد هي الغباء وثم فقدان الحس بمظالم البشر , ولو كان بشار الأسد مدركا للحالة الاجتماعية السورية ومهتما بمصير الوطن أكثر من اهتمامه بسرقاته وملياراته , لما خرب حبكة اجتماعية فعالة وتقدمية ولما جازف بتطييف مجتمع لايستطيع التعامل مع هذا التطييف لأن نسب الطوائف لاتسمح بأي توازن بينها ,هناك السنة بحوالي 70% والباقي كل منهم بحدود 10% بينما يوجد في لبنان ثلاثة طوائف رئيسية وكل منهم يشكل حوالي 30% من المجموع العام, قدم المساواة ممكن في لبنان ومستحيل في سوريةا , ومن أبسط مهمات رئيس للجمهورية هي ادراك هذه الاشكالية وفهمها, لم يدرك الاشكالية ولم يفهمها .
بغض النظر عن ذلك وعن احتماء الرئيس بالطائفة بدلا من حماية الطالئفة , فقد أجرمت العائلة الأسدية بحق الطائفة العلوية بطرق عدة , اولها تحويل المكون العلوي الى” طائفة” والى هوية سياسية ,ولم يفهم بشار الأسد ولا أبو بشار على ان تحويل السوري الى علوي ضار بالعلوي وقد يقضي عليه , لم تفهم العائلة على أن “تراص” أقلية يهدد هذه الأقلية ويعرضها لمخاطر عدة , وأن “الذوبان ” في مجتمع الانتماء السياسي هو الذي يحمي الفرد أيا كان اتجاهه وانتمائه .
استغلال الأسد للطائفة العلوية سيلحق بهذه الطائفة أضرارا بالغة , بعد ان كلف هذه الطائفة عشرات الألوف من حياة شبابها وابنائها , وبعد أن جلب لهذه الطائفة الكره ورفض الآخر لها , انها “متهمة” الآن بالاجرام الجماعي ,والمجرم هو بشار الأسد وليس الطائفة , لقد حول الكثير من ابناء الطائفة الى فئة لاتتمكن من ممارسة حياة طبيعية , وما هي المهنة الشرعية والطبيعية التي يمكن للشبيح ان يمارسها في سوريا الجديدة ورجل المخابرات أيضا , وكيف يمكن لحياة ضابط ابتز وسرق ولا يزال يسرق أن تكون طبيعية في المستقبل الديموقراطي , كيف لهذا الانسان أن يعيش حياة شعبيةنظيفة براتبه فقط , وراتبه الآن لايغطي 5% من مصاريفه , والكثير من مستهلكاته بدون مقابل , فهو لايشتري ساعة مرصعة بالألماس لزوجته , وانما يقدمها لها أحد المتواسطين , وهو لايدفع للخدم , هناك المجندين , وهو لايشتلري ويسكي من الماركة الزرقاء , فصناديق الويسكي مكدسة في الممر والمطبخ وغرفة الاستقبال , وحتى الفيلا التي يسكنها اتته من متعهد لطيف جدا , وسيارته كانت بدون نمرة , والآن صحح أوضاعها (كانت مسروقة ) , هذا اضافة الى سيارات الدولة الموضوعة تحت تصرفه ..الخ , لقد شوه الأسد حياة الناس عن طريق الفساد , وأصبح مستقبل هؤلاء بدون أفق , وبالتحصيل فانه يجبرهم الآن على الاستماتة في الدفاع عنه وفي ارسال ابنائهم الى الحرب الأهلية ومنهم حوالي 20000 عادوا جثثا هامدة , ومن يفكر بوضع اليتامى والأرامل منهم يصاب بصدمة ..هل تستحق المكاسب التي نالها حيز صغير من الطائفة (حوالي3% ) , وهل يستحق بشار الأسد أن يموت من أجله حتى الجرذون ناهيكم عن الشباب , وهل يموت بشار الأسد من أجل أحد ؟؟,
قد يطرح احد السؤال التالي , اذا كان , اذا كان أمر المحاصصة في اطار وعي طائفي غير ممكن في سوريا , لأن التوازن العددي بين الطوائف غير موجود , فما هو الحل ؟ الحل هو الغاء الطائفية وتطبيق الديموقراطية المدنية!.
لكل انسان الحق في أن يسخر من هذا الجواب المتورم والمنتفخ , وكأنه يمكن الغاء الطائفية بفرمان وزاري , وكأن الديموقراطية موضوع قرار أو مرسوم , الأمر ليس بتلك السهولة لأسباب كثيرة جدا , منها المقاومة التي نتوقعها من الجهات المستفبدة من الأسدية . حيث سيكون مصير هذه الجهات بعد رحيل الأسد ورحيل الفساد صعب جدا , لايستطيع هؤلاء القيام بأي عمل خارج مستنقع الفساد , وتأهيلهم لأعمال أخرى مستحيل , ولا يوجد تعاطف شعبي معهم , بل كره ورفض ورغبة بالانتقام , منها أيضا التغيرات التي حصلت في وجدان الانسان السوري , الانسان السوري أصبح ديكتاتوريا في مسلكيته وطبائعه , لايجيد النقاش , ذو قيم أسدية كارثية ..مثلا تقييم الرشوة , الشاطر هو الذي يرتشي , حضارة العمل تغيرت , الانسان السوري يعمل نصف ساعة يوميا فقط , نهب المرافق العامة حلال !, والانسان السوري يعنقد على أنه لايمكن لمؤسسة تجارية او صناعية أن تنجح الا عن طريق الفساد والسرقة , لذا فانه مثبط لايقوم بأي مبادرة جريئة , لأنه سيفشل اذا لم يمارس الفساد , وممارسة الفساد على المدى المتوسط والبعيد ستكون صعبة في سوريا الجديدة .
بالرغم من الصعوبات والعثرات المتوقعة , لابديل للديموقراطية والحرية والشفافية والعدالة الاجتماعية , وعلينا جميعا التفكير في سبل التخلص من الأسدية نفسيا وماديا وبناء سوريا الجديدة , وأظن على أن بحث هذا الموضوع بشكل منفصل أكثر فائدة , لذا فان لهذا البحث تتمة
Post Views: 544