المسيحيون العرب واستراتيجيات الخوف والتقوقع

لا يكاد يمر يوم في لبنان وسوريا إلا ويصدر عن رجالات الكنائس السريانية والأرثوذكسية تصريح أو أكثر يعبر عن التأييد لحكم الرئيس بشار الأسد، والخوف والتوجس من المستقبل. وقد انفرد البطريرك الماروني بشارة الراعي بالإضافة إلى دعم النظام السوري، بالقول إن الأكثرية الثائرة في سوريا إن انتصرت على حكم الرئيس الأسد، فسيثير ذلك اعتزاز أهل السنة بلبنان، ويزيد من إمكانيات استهداف المسيحيين من جانب الأصوليين منهم! وقد أثارت تلك التصريحات انزعاج نخب من المسلمين والمسيحيين، فهبوا للرد على رجال الدين المسيحيين الخائفين والمتوجسين بشتى الأشكال. وجاءت أبلغ الردود من اجتماع مسيحي انعقد بدير بجبل لبنان اسمه دير سيدة الجبل، أصدر بيانا أعلن فيه تضامن الشبان المسيحيين مع ثورات الربيع العربي الداعية للحرية والكرامة والمواطنة، ورفض رهن مستقبل المسيحيين بالأنظمة الطغيانية القائمة.

ليس من المعروف بالضبط لماذا أثارت الثورات مخاوف المسيحيين اللبنانيين والسوريين على الخصوص. إذ المعروف أن الأقباط المصريين انضموا للثورة هناك منذ البداية، وهم مستمرون على ذلك رغم أحداث ماسبيرو التي سقط فيها عشرات القتلى منهم. ثم إن التنسيقيات السورية للتظاهر، والمجلس الوطني المتكون، والمتحدثين من مسلمين ومسيحيين، ما رفعوا شعارات تثير المخاوف، بل أصروا على حقوق المواطنة، وعلى وحدة الشعب السوري، وعلى الدولة المدنية الديمقراطية. ثم إنه ليس في التاريخ السوري الحديث ما يشير إلى حزازات بين المسلمين والمسيحيين. وقد كان المسيحيون يشاركون إلى جانب المسلمين في الحياة السياسية، وتولوا مناصب بارزة، قبل مجيء حزب البعث للسلطة عام 1963. وخلال حكم البعث ما ميزت السلطات المسيحيين بشيء سيفقدونه لو زالت. وقد هاجر زهاء المليونين من المسيحيين خلال الخمسين سنة الماضية، ومن سوريا ولبنان وفلسطين والعراق. وعندما سيطر السوريون على لبنان بعد أواسط السبعينات من القرن الماضي، خصوا الساسة المسيحيين باضطهاد كبير من الناحية السياسية. وبيان المطارنة الموارنة عام 2000 شهير في مطالبة السوريين بالرحيل عن لبنان.

إلى ماذا تستند مخاوف المسيحيين إذن من التغيير؟ يقول المتحدثون إن المثل البارز هو ما نزل بالمسيحيين بالعراق بعد عام 2003، ثم إقبال بعض المسلمين في مصر على إحراق بعض الكنائس بعد الثورة هناك. لكن المسلمين وشبان المسيحيين يردون على ما حصل بالعراق، بأنه حصل في ظل الاحتلال الأميركي. ثم إنه ليس من المعروف يقينا من قام بأعمال التفجير ضد المسيحيين، إنما في كل الأحوال ما حظي ذلك باستحسان من أحد علنا. أما ما تعرضت له بعض الكنائس القبطية، فالفاعلون معروفون، والأقباط يناضلون مثل غيرهم من أجل حريات العبادة، وحقوق المواطنة، وتتضامن معهم كثرة من المسلمين المستقلين وبعض الأحزاب الإسلامية. ويقول لهم المثقف السوري المعروف ميشيل كيلو إن المخاوف هي ادعاءات ظالمة للجمهور المسلم، فهذا الجمهور يريد استعادة حرياته وحياته، ولا يمكن الاستمرار في ارتهان حيوات السوريين وحرياتهم لأن البطرك الأرثوذكسي والبطرك الكاثوليكي والبطرك الماروني معجبون بشباب الرئيس الأسد. وبدلا من النواح على صدام ومبارك والأسد، ينبغي التفكير في المستقبل، والسير مع الجمهور، أو الاستسلام للهجرة، لأن هذه الأنظمة المحبوبة من جانب البطاركة زائلة بالفعل.

ويعتبر بعض المثقفين المسيحيين أن البطاركة ما تحدثوا من عند أنفسهم، بل دفعهم لذلك النظام السوري، ويدفعهم لذلك الخوف منه. ففي لبنان يزورهم السفير السوري دائما، ويصرح أحيانا باسمهم. والمعروف أن مسيحيي سوريا أكثرهم من الأرثوذكس. والبطرك الأرثوذكسي المحب للرئيس الأسد، غادر سوريا منذ مدة وهو مقيم بلبنان، ويصرح من لبنان بنصرة النظام السوري. والمعروف أيضا أنه قبل مغادرته لمقر البطركية بجوار دمشق، زاره السفير الفرنسي، فتعرض له بعض مؤيدي الرئيس الأسد وأهانوه! وموقف البطرك الراعي السياسي معروف. فقد سبق له – إلى جانب وضع نفسه بحماية الأسد – أن وضع نفسه بحماية حزب الله، عندما ذهب إلى أن سلاح حزب الله لا ينبغي أن ينزع إلا بعد تحرير الأرض اللبنانية المحتلة، وانتهاء مشكلة اللاجئين الفلسطينيين. وهكذا فهو يرى أن خير ضمان للمسيحيين اللبنانيين هو دخولهم في تحالف الأقليات مع الشيعة والعلويين وأقليات أخرى. وهذا توجه بالطبع لا يوافقه عليه مسيحيون كثيرون. أما بطرك الكاثوليك لحام، فهو سوري الأصل، وهو يعتبر أن النظام السوري نظام قومي عربي، وأن سوريا ستتغير هويتها باتجاه الإسلام إن زال ذاك النظام! هذه العوامل الخاصة تعلل بعضا من اللغط الدائر من حول رجال الدين الكبار. لكن يكون علينا أن لا ننسى أمرين مهمين؛ أولهما أن المسيحيين السوريين ما شاركوا – بخلاف الأقباط – في الحراك الشعبي في سوريا إلا في الحد الأدنى. وثانيهما: موقف الفاتيكان من الحراك أو من الربيع العربي. ففي الأمر الأول، لاحظ مراقبون أن الجمهور المسيحي في سوريا لا ينظر بعين الرضا إلى المتغيرات، ولذا فإنه لم يشارك فيها. ويرجع ذلك ليس إلى السخط أو المعارضة للمعارضة، بل للتخوف من المستقبل. فقد تمتعوا باستقرار ونفوذ في العراق وسوريا ولبنان في العهود الديكتاتورية. وهم يعتبرون أن الحكومات القائلة بالقومية هي حكومات علمانية، وقد اصطدمت دوما بالحركات الإسلامية المتطرفة. ورغم أن المعارضة السورية الحالية كلها تقول بمدنية الدولة، لكن عندما تحصل الثورات ويأتي زمن تكوين السلطة؛ فإن الإسلاميين سيبرزون بقوة كما حدث في تونس ومصر. أما الأمر الآخر وهو موقف الفاتيكان، أو أوساط الكنائس العالمية. فالمعروف أن الفاتيكان عقد في أكتوبر الماضي قبل عام، مؤتمرا لمسيحيي الشرق ومصائرهم. وقد ظهرت فيه تخوفات من تفاقم الهجرة، وذكر عديدون من بين عوامل الهجرة وجود الإسلام الأصولي، بحيث صار المسيحيون خارج لبنان يعيشون فيما يشبه الغيتوات. وبالطبع نهض في ذاك المؤتمر مسيحيون ومسلمون ليدافعوا عن العيش المشترك، وليذكروا بالدور الإسرائيلي في تهجير المسيحيين من فلسطين. وانتهى المؤتمر إلى ضرورة التواصل الدائم مع المسلمين، وإلى ضرورة التأكيد معهم على مفاهيم الحرية والمواطنة، ومكافحة ظواهر التطرف والتمييز لدى الطرفين. وللبابا الحالي بنديكتوس السادس عشر، موقف من الإسلام، ذكره في محاضرته بجامعة رغنسبورغ عام 2006. فهو من وجهة نظره دين ضد العقل، ويقول بالعنف في العلاقات بين الأديان والثقافات. وقد تراجع البابا فيما بعد عن ذاك الموقف، وشارك الفاتيكان في مؤتمرات حوار الأديان والثقافات التي بادر بالدعوة إليها الملك عبد الله بن عبد العزيز. لكنه ظل متشككا في قول المسلمين بالحرية الدينية، وفي دخول تركيا الاتحاد الأوروبي ذا الهوية المسيحية. ولا شك أن لموقف البابا تأثيرات على المسيحيين العرب، وفي الجو العالمي. لكن الكثرة الساحقة من المسيحيين المشرقيين (بمصر وبلاد الشام) ليسوا من الكاثوليك أو من المنضمين إلى الفاتيكان، بل كثرتهم قبطية وأرثوذكسية، ولا تتبع الفاتيكان. ومع ذلك فإن مطران جبل لبنان الأرثوذكسي جورج خضر يذكر دائما بمظالم المسلمين للمسيحيين منذ فتح القسطنطينية وإلى الصراع على البوسنة وكوسوفو! ولا ينبغي أن ننسى أخيرا الأجواء العالمية التي أحاطت بالإسلام في العقدين الماضيين، والحديث الكثير عن صراع الحضارات، ثم الحرب العالمية على الإرهاب الإسلامي والتي لما تنته بعد، والصراع الذي يدور في أوروبا مع المهاجرين والجاليات الإسلامية على الهوية والخصوصية، وعلى اللباس وعلى بناء المساجد والمآذن. فالإسلام دين ضخم وهائل الاتساع، ويبلغ عدد معتنقيه خمس سكان العالم. ومن الطبيعي وسط هذه السمعة المنتشرة، والحجم الهائل أن ينشأ الانطباع بأن الأقليات المسيحية لن تكون على خير ما يرام في الديار التي يسود فيها الإسلام. وإذا قيل: لكن الإسلام مسيطر في هذه المناطق منذ القرن السابع الميلادي، ومع ذلك فإن المسيحيين واليهود بقوا وتصرفوا وبقيت كنائسهم وجماعاتهم، فيجاب: لكنهم ما كانوا يتمتعون بالحقوق نفسها مثل المسلمين، وجرت عليهم موجات اضطهاد، وها هم يتضاءلون في الشام والعراق بالذات، إلى حدود الانطفاء والاختفاء! هل الأمر ميؤوس منه وسيظل القول: عنزة ولو طارت! هناك من يقول، بل هناك أمور يمكن أن تفيد ومنها: الوضع القبطي الجديد بمصر إن استتب، وحركات التغيير العربي التي تجلب معها روحا جديدة بعد عقود من الاستبداد، وضرورة قيام المثقفين المسلمين بمبادرات تجاه المسيحيين، في صورة بيانات، وتحركات مشتركة، وإعلانات على شاكلة الإعلان الذي صدر عن المجتمعين بدير سيدة الجبل.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *