دولة الاحتياط ..مفعول به وليس فاعل

لكل طائفة   فيلق طائفي , وزمن الأزمات يفرز الكثير من الهوامش والهوايش , ولما كانت البلاد في أزمة , لذا فان التعامل مع الهوايش والهوامش أمر قسري  لامفر منه , ومن الهوايش  المسيحية على سبيل المثال المطراق لوقا الخوري , ومن هوايش الطائفة العلوية  على سبيل المثال وليس الحصر نضال نعيسة وأبي حسن  , اما مثال هوايش الطائفة السنية فقدوتهم  مأمون الحمصي  وغيره , وقد تعرض زميل لهوايش الطائفة المسيحية في مقال تحت عنوان شبيحة الطائفة المسيحية ..يشكر عليه  شكرا جزيلا !

لا اريد مفاكرة  شخص  الهايشة نعيسة حول الدولة  العلوية , الا أن مقالاله تحت عنوان  “عن أي دولة علوية يتحدثون ”  لفت انتباهي بسبب نقطة واحدة فقط وهي التالية :

في مقال آخر   لنعيسة , حبذ هذا الهايشة نأسيس دولة مسيحية ,  ظنا منه  على تحبيذه   نأسيس دولة  مسيحية  يدغدغ مشاعر هذه الطائفة  , حيث قال حرفيا على أن الطائفة المسيحية هي “فاكهة” المجتمع السوري  ودولة مسيحية   ستكون ناجحة  لأنها فاكهة ..دولة الفاكهة .. , وفي مقاله الحالي “عن أي دولة علوية يتحدثون”  يحاول نعيسة  تبديد مايظن على أنه مخاوف  الآخرين من نأسيس دولة  علوية  ,بالقول  انها لاتملك   مقومات النجاح  ولا أحد يريدها خاصة من قبل الطائفة العلوية  , يتحدث بثقة كبيرة باسم الطائفة العلوية , وكأنه يمثلها أو انه الناطق الرسمي باسمها , على كل حال  فا نه من الصعب الاستفادة فكريا من نصوص نعيسة الممطوطة , ذلك لكونها خاويةوخالية من أي مضمون فكري ..في ممطوطته الأخيرة كتب صفحات من الشتائم والانتقاصات  والسباب والتخوين والترهيب  والتكفير  ..  الشيئ الوحيد الذي تسببه هذه المقالة هو وجع الرأس  والقرف   والتعجب من صبر الصفحات  على تحمل هوامش هائشة .

موضوع الدولة العلوية معقد بدون  أي شك  ,ولا يمكن   الاحاطة  بكل جوانبه في مقالة واحدة أو عشرات المقالات  , الا أني  , وبكل تواضع , اريد التنويه الى فكرة واحدة   أو  بعض الأفكار   بما يخص المستقبل والدولة العلوية .

الأمم المتأزمة   هي أمم  ضعيفة بشكل عام  , وبنتيجة ضعفها  تصبح مسيرة  وتفد  امكانيات الخيار , تصح منفعلة  بشكل رئيسي  وفاعلة بشكل جزئي  , أو انها تفقد فاعليتها بشكل كامل ,  ومن هذا المنطلق يمكن القول  على  أن   مايمكن أن  ينتظره مجتمع  متأزم وضعيف  كالمجتمع السوري لايمثل تطلعات هذا المجتمع  اطلاقا, وانما يمثل أوضاعا قسرية  عليه تقبلها  ولو على مضض.

منذ عام 1936 وسوريا دولة واحدة ,حيث يمكن القول على أن وحدة  الجغرافيا السورية  ووحدة المجتمع السوري هما تعبير عن ارادة معظم أفراد الشعب السوري , هذه الارادة  تعثرت  في العديد من المناسبات  في نصف القرن الماضي , ولا أحد  يستطيع أخلاقيا    ارجاع تعثر  اندماج الشعب الكردي  على سبيل  المثال  الى  سوء تصرف هذا الشعب , وانما  يجب ارجاع ذلك الى سوء تصرف السلطة الحاكمة  , التي  ظلمت وفتتت  وقسمت , ولم يكن بامكانها احترام الارادة  التي ولدت عام 1936  ..جهلا منها أوغباء  أو اجراما  أو ..أو , لقد تمخض الوضع  بشكل عام عن شعور    بالغربة , كل فئة أصبحت تحس بالغربة   في الوطن ,حتى الأكثرية   الدينية  أو السياسية .

حال الوطن تغير كثيرا في نصف القرن الماضي للأسوء  , ومعالم التغير الكبيرة  يمكن تلخيصها  بفكرة واحدة  , لقد انقرضت السياسة والأحزاب السياسية  بفعل السلطة  , عن دراية أو عن غباء أو عن أسباب أخرى , وحدث الفراغ  السياسي  , الذي ملئ   بما هو موجود منذ قرون  من انتاماءات  دينية  دونية غيبية ,وجدت تمثيلها منطقيا بالطوائف  , وما حدث في سوريا   ليس فريدا  من نوعه , لقد بدأ  شبيه له في ايران  عام 1950  عندما  قضى الأمريكان  على حكومة مصدق  وعاد الشاه ليحكم بوسيلةالاقصاء والالغاء  , حيث افرغ الشاه الساحة من السياسة , ليأتي   الخميني  ويملئ هذا الفراغ  بجمهورية الملالي الاسلامية ,صدام فعل نفس الشيئ   وألغى الجميع  ,  لتاأتي بعد هذا الاقصاء  القوى الطائفية   , والأسد أبا وابن لم يشذوا عن القاعدة  , ألغوا السياسة  ووضعوا السياسيين في السجون أو علقوهم على أعواد المشانق  , أفرغوا البلاد من كل سياسة وسياسي , وأعلنوا الفساد والاستبداد والاقصاء والطائفيىة عقيدة وارادة  ,  وعندما تعاظم التأزم  , وكان له أن ينعاظم  منذ وقت طويل, وجد المجتمع نفسه فتاتا وأشلاءا طتئفية متحاربة بينها تفصل انهارا من الدماء .

السلطة  , التي تحاول أن تكون بحد ذاتها  طائفة  مميزة ومستقلة عن الطوائف الأخرى ,  استوردت معظم كوادها من الطائفة  العلوية , التي  أثرى منها حوالي 3% ماديا  وأثرى معظم ماتبقى  معنويا  , أي أن الطائفة العلوية لم تستفيد من نظام الأسد ماديا بشكل عام , الا أنها وقعت في أسر عائلة الأسد ماديا ومعنويا  , وربطت مصيرها بمصير الأسد , ولا أقول على أن كل الطائفة قاطبة فعلت ذلك , وانما معظم أفراد هذه الطائفة , هناك من تعقل   , وهناك من أدرك مخاطر الأسر  , وهناك من فكر على المدى البعيد , عارض وقاوم  وكان نصيبه الاضطهاد والسجن والتعذيب  بشكل فاق تعذيب  واضطهاد  من عارض من طوائف أخرى .

وقوع الطائفة في الأسر والسجن الأسدي  جعل منها الطائفة الأكثر تضررامن  الكارثة الأسدية , لقد تضررت الطائفة   على مستويات عدة , فالاثراء لم يكن عاما , حتى وان أصبح  محمد شوكت أو رامي مخلوف   أو عائلة  الأسد من أصحاب المليارات ,  بقيت الطائفة  بشكل عام فقيرة ,  والمستوى  الآخر هو المستوى الاجتماعي  , فتجنيد الطائفة في خدمة الأسد  أوقع الطائفة في دوامة العداء التاريخي مع الطوائف الأخرى  وخاصة الطائفة السنية  والطائفة المسيحية , وغبي من يظن على أن الطائفة المسيحية  سعيدة بوجود الأسد  , وهذا العداء التاريخي  هو الذي سيفرخ ” القسر”  للهروب باتجاه تأسيس دولة علوية  , ذلك لأن  الأسد قضى على البنية التلاحمية في المجتمع المتنوع والمتعدد الانتماءات , التي أصبحت  قسرا  انتماءات طائفية , المجتمع انقسم بشرخ عميق  جدا  الى حد العداء والكره والرفض , ومن المنطقي  أن يتلو الانقسام الاجتماعي  انقسام جغرافي    شاء نضال نعيسة أم أبى , والتقسيم الجغرافي  هو أمر  يفرض نفسه قسرا ,  ولا علاقة لحدوثه بارادة شخص أو أشخاص  ..المجتمع السوري تضعضع  وفقد اللحمة و الفاعلية  وأصبح بشكل عام  انفعالي وغير مقتدر على الدفاع عن وحدته ,الفرز وهروب البعض الى الجبال وتأسيس الدويلات والمحميات والمخترات  ليس الا نتيجة منطقية لهذا الوضع  وترجمة له .

كما نرى  ورأينا  يصر الأسد على البقاء ملكا بدون تاج على سوريا ,  الأسد القديم كان على علم بأن  البعث كحاضن سياسي   لايؤمن له  التأبيد  , لذا قضى على البعث السياسي وأسس  المنظومة الطائفية , التي تؤمن له  نوعا من أبدية  الرسل والأنبياء  , والأسد كما يعلم الجميع علوي  وليس سني أومسيحي , لذا كان مجاله الوحيد هو  أسر الطائفة العلوية  وتوظيفها في خدمته ..حتى  الموت.. بالروح  والدم نفديك …!, أي أن الأسد أصبح  نبي لأقلية , لقد اختار  أن يكون أقلية ووقع نتيجة لذلك في خصام مع أكثرية مذهبية   ترفضه مهما كان وكيفما كان  , ومحاولته  تأسيس  طائفة خاصة به  ..طائفة أسدية , لم تنجح  باستقطاب الا من هرول  وراء الامتيازات من  أفراد الطوائف الأخرى ..رجال مال وأعمال ..ومن   زرع في عقولهم عصاب الخوف من الآخر  كأفراد الطائفة المسيحية , الذين التزموا الصمت  , حيث تجري محاولات عدة لاستقطابهم واخراجهم عن صمنهم وزجهم في أتون الحروب الأهلية .

يبدو وكأن المال والأعمال والخوف  لم  يضخم الطائفة  الأسدية الى درجة  تحويلها الى  أكثرية وذلك بالرغم من العسكر وبالرغم من البطش  , البعثي حافظ الأسد حول   نفسه طوعا   الى العلوي حافظ الأسد  , وتلازما مع ذلك  ازدادت المعارضة  وأخيرا  المسلحة منها  سنية , وتحول  المجتمع السياسي الى  مجموعات من الطوائف  تعيش  في أحسن الأحوال جنبا الى جنب  , وليس اندماجيا مع بعضها البعض , لقد كان من الممكن  أن   ينضم كل فرد في المجتمع السياسي  , مهما كان انتمائه الطائفي , الى  الأكثرية , التي مثلها حزب البعث في سنينه  الأولى , لقد كان ميشيل عفلق المسيحي , وزكي الأرسوزي العلوي , وصلاح البيطار السني ,  وأكرم الحوراني  وغيرهم , ولو بقي  حافظ الأسد بعثي حقا وحقيقة   لقيل على أنه من الأكثرية  , الا أنه فضل لسبب    لسبب تم ذكره التحول الى العلوي ,   وماذا سيفعل هذا الأسد  العلوي اذا ضاق به الحال   وعجز عن الحفاظ على مملكته السورية  , وسيعجز  انطلاقا من حتمية التاريخ  , التي تعطي الأكثرية  الباع الأطول.

للانفصال  والانشقاق قطبين , قطب الظالم وفطب   المظلوم , والانفصال هو نوع  من الحتمية   بالنسبة للظالم وللمظلوم ,  هاهم الأكراد يعلنوها فيدرالية أو انفصالية , لقد انظلموا ,  ,اصبحت حياتهم  مأساة  في ظل البعث العنصري  العربي , وليس للأسد بظلمه  الا أن ينفصل شاء أم أبي , لم نعد حياة الآخر معه ومع طائفته  الأسدية ممكنة , سال الدم انهارا  وهدرت الكرامة وامتلأت السجون , وهدمت المدن  والأحياء وفطعت الجثث والأطراف , تلك كانت ممارسات مزمنة  بدأت قبل نصف قرن , وليس عام 2011, …لايقبلوه ولا يقبلهم , لايريدونة ولا يريدهم , ومن يريد الآخر  يحنرمة , لم يحنرم الأسد  أحد  ظلم  وتعسف وأخطأ  وتمرد واستعلى  وتكبر  واحنقر , ولو رحل  في الوقت  المناسب  لبقيت سورية  بالشكل المناسب ..واحدة  متحدة  سورية .

عند  التظر الى الوضع بشكل عام يمكن الاتطلاق من دولة علوية أو أسدية , ودولة للعلويين , الأولى  فشلت  والآن تلفظ آخر أنفاسها  الأخيرة  تحت وطأة الحرب الأهلية , والثانية  سوف تكون الدولة الاحتياطية , دولة  لامصلحة أساسيىة لأحد بها , وأول من يرفضها مبدئيا هو الأسد , انها تقلص  مملكته , انها  ستقسم الطائفة العلوية الى مؤيد ومعارض  له, انها ستكون  ديكتاتورية , وبولادة هذه الدولة  سوف لن يولد الأسد من جديد ,  ستحافظ العائلة على أساليبها , وسيتحول النحار من  علوي -سني  الى علوي -علوي  داخليا , وعلوي- سني خارجيا , ومن يظن على أن الهدوء سيعم  أرجاء الدويلات الجديدة  فقد أخطأ   . سوف لن تعم الأفراح والليالي الملاح .

من كل ماذكر يمكن القول  على أن التقسيم  سيكون  النتيجة التي سيفرزها  تحطيم  وحدة الشعب السوري   اجتماعيا على يد الأسد , ومبدأ التقسيم  متطور  أكثر مما يظن البعض , الأعلام الكردية ترفرف في سماء القامشلو , والأعلام العلوية ترفرف في سماء الدريكيش , ليس في الأمر أي مفاجأة !, دويلة الاحتياط  ليست تعبيرا عن ارادة  , وانما استسلاما لواقع , كان  للعائلة , من حيث لاتريد , الباع  الأكبر في  صنعه , دويلة المفعول به  , وليست دويلة الفاعل !..للبحث ننمة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *