الأزمة السورية والعقلانية الضائعة ..!

 

فاجأ المجتمع السوري العالم، بما حصل ويحصل فيه من صراعات دموية. كان الجميع يراهن على عقلانية في المجتمع السوري تتمايز عن المجتمع الليبي، أو اليمني أو غيره من مجتمعات الخليج وما شابهها. لكن الذي حصل أنَّ السوريين تجاوزا كل تلك التخمينات وأطلقوا العِنان لجنونهم المسعور الذي كان مختبئاً في زوايا غير واضحة المعالم، وحالكة السواد لشدّة غموضها. فما الذي أدى إلى ما حصل ويحصل على الساحة السورية؟!!
ليست الصراعات السياسية ذات صبغة دموية في غالب الأحيان؟! لقد كان الدرس الليبي والعراقي نموذجاً كارثياً في المنطقة فقد أسس لثقافة العنف والعنف المضاد في كافة أشكاله. بينما استطاع المجتمع اليمني الذي يمتطي أهله الخناجر على خصورهم، أن يثبتوا حالة معاكسة لهذه الحالة الغريبة التي أصابت صراع السلطة في سوريا وغيرها. وكان الجميع يتوقع أن يكون المجتمع اليمني أكثر تورّطاً في صراعات عنف دموية، لكن ما حصل بعكس التوقعات فقد أثبت أنه تجاوز محنته بعدد قليل من الضحايا، والذين يمكن أن يسقطوا في أي وضع مناسب يمتد لهذه الفترة من الزمن( قاربت العام). فمن الطبيعي في الحشود البشرية الكبيرة أن تحصل حوادث كثيرة تؤدي إلى أعداد من القتلى والجرحى.
لماذا غابت العقلانية السورية عن الأزمة العاصفة التي ضربت البلاد وأزهقت أرواح عشرات الألوف من المدنيين والعسكريين؟! هل تسببت السلطة في ذلك؟ أم أنَّ الأمر يعود إلى وجود تيارات سلفية ووهابية وأصولية متطرّفة تؤمن بالعنف وتتشرّب ثقافته كما تتشرب إرثها التاريخي البعيد. الحقيقة، إذا ما أمعنّا النظر نجد أنَّ عوامل عديدة ساهمت في تأجيج هذا الصراع وسقوط هذا العدد الضخم من الضحايا. هذه العوامل ساهم فيها الجميع دون استثناء، المجتمع الأهلي، وشريحة السياسيين، والنظام وأجهزته، وباقي المؤسسات التابعة له. كذلك كان الأمر بالنسبة لهؤلاء الذين دعموا الثورة السورية. حيث غابوا عن نمط التفكير المنطقي العقلاني، وبدؤوا يرون من زاوية واحدة دون النظر إلى المعطيات الأخرى، حتى وصل الأمر بهم إلى اعتبار أي عبارة، أو جملة أو كلمة بحق الثورة، أو أي كلمة تنقدها، أو تشكك بمصداقية بعض الأحداث، هي كفر لا يمكن السكوت عليه. ومطلوب إقصاء صاحبه وتهميشه إن لم يكن قتله، وهذا طبعاً حصل في أماكن عديدة في سوريا حيث تمَّ قتل أناس من نفس القرية أو المدينة أو الحي بذريعة أنهم عملاء للنظام، أو يدافعون عنه، أو أنهم لم يوافقوا على نهج وأداء وأسلوب الثوّار في تصرفاتهم التي تجاوزت كلّ المعايير والأعراف وحتى الفوضى الثورية بمفهومها المعرفي.
لقد حصل كثيرا أو دائماً أن تجاوزت جدالات الفيس بوك بين مؤيد ومعارض، أو بين وسطي ورمادي كل الحدود ووصلت حدّ الشتم والسباب والتهديد بالقتل على المستوى الفردي والجماعي. وجاءت الإصطفافات الغريبة والتمترس الغبي خلف هذا أو ذاك بطريقة تفتقد إلى كل تفكير عقلاني.
من نافل القول ان اعتبار النظام وما كرّسه وأسس له من تجهيل للمجتمع، وتجفيف لطاقاته الفكرية التنويرية، هو السبب الرئيس وراء غياب المنطق العقلاني في نهاية الأمر. إذ أنه تمَّ رصد الكثير من الحالات لدى الشرائح ” المتثقفة” والتي تنادي هي نفسها بالتغيير، أن تحوّلت بملكوتها الفكرية بانعطافة خطيرة جداً لهذه الجهة أو تلك. فمن بين المؤيدين خرج أناس تدافع عن استبداد دام عشرات السنين، ومن بين المعارضين خرج أناس تدافع عن ثقافة إقصاء وقمع وقتل ودم, تطرحه كبديل عن نظام قمعي استبدادي في المستوى السياسي وهو نتاج عقود خَلَت. ومن المفترض أن لديه مشروعاً حمله في الأربعينيات من القرن المنصرم، وعندما تسنت له السلطة استلم زمامها ولمّا يزل يدّعي أنه يناضل من أجل مشروعه بالرغم من ابتعاده عنه عشرات السنين الضوئية.
ربّما كان للتنوع الديني الإثني، والطائفي ألفسيفسائي الواسع في المجتمع السوري دوراً كبيراً في غياب المعالجة العقلانية للأزمة التي عصفت، وتعصف بسوريا حتى هذه الساعة. ففي هذا التنوع مكامن أسرار سوسيولوجية وأنتربولوجية غريبة! منها ما يعود إلى الانتماء الديني ومنها ما يعود إلى واقع تاريخي عاشته بعض الطوائف السورية( كالمسيحيين والعلويين) ومنها ما يعود إلى واقع ديمغرافي معقد( الأكراد في سوريا) ومنه ما يعود به الزمن إلى مجازر بعيدة حصلت في عام 1915 ووجدوا بسوريا ملاذاً ( الأرمن) وخشوا أن يفقدوا الأمان الذي عاشوه في هذه البلاد. ومنها عوامل تعود إلى ثقافة العنف التي بدأت تغزو منطقة الشرق الأوسط برمّتها، بداية مع الصراع الأردني – الفلسطيني في عام 1970 ومن ثمَّ الحرب الأهلية اللبنانية ابتداء من عام 1975 وصولاً إلى الحرب على العراق عام 2003، ومن ثمَّ الصراع الليبي الليبي بين القذّافي ومعارضيه. ولكن الأهم من هذا كلّه يتجسد في عاملين غاية في الأهمية؛ العامل الأول، هو في تأجيج المشاعر والردّة الدينية الغريبة التي بدأت تغزو المنطقة في العقود الأخيرة، والإرث التاريخي الذي تحمله هذه الردّة تجاه الآخر ومفهوم الاختلاف وثقافته، حيث لا وجود للأخر في هذه الثقافة أو هذا الإرث التاريخي. وفي منطقة غنية جداً بالانتماءات الدينية والمذهبية كان من الطبيعي أن تحتدم صراعات كهذه. والعامل الثاني هو العامل الإسرائيلي الصهيوني الذي أسس البذور الأولى لثقافة العنف ونكران الآخر وإلغائه وصولاً إلى تصفيته جسدياً. لا شك بأنَّ هذا التطرّف الصهيوني أججَّ في المقابل تطرفاً مقابلاً، فلكل فعل ردّ فعل. والتوازن البشري لا يكون فقط في القوة العسكرية والعلمية والاقتصادية. بل إنَّ كل فعل يتطلّب فعلاً مقابلاً بما فيه التعصب والتطرّف الذي عززه الكيان الصهيوني. والذي استنبط تطرفاً موازياً له في الجانب الآخر !
للأسف أن السوريين لم يكونوا على قدر المسؤولية التاريخية التي أُنيطت بهم، ولم يستطيعوا أن يثبتوا بأنهم مجتمع حضاري يتصف بإرث تاريخي عميق. بل أثبتوا حتى من خلال خطاباتهم فيما بينهم، على مستوى النقاش والمواقف واختلاف الرأي بأنهم مجتمع يمكن أن يكون متمتعاً بكل شيء إلاّ بالعقل الجدلي التحليلي النقدّي البناء، وهو المجتمع الذي لا يلتقي أبداً مع أي توصيف معرفي لمفهوم العقلانية الذي يُشكّل صمام الأمان لأي بلد في العالم ..؟!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *