وطنية النظام والوطنية الجديدة

May 29, 2012
By

منذ هتف شباب دوما في اليوم التالي لمقتلة درعا الأولى (يوم 17 آذار 2011): بـ«الروح، بالدم، نفديك يا درعا»، بدأت تتخلق وطنية سورية جديدة، ينتجها المجتمع المتمرد ويرى فيها هويته الخاصة، التي يواجه من خلالها وطنية السلطة، المفروضة عليه من فوق، بالقوة والاقتدار، والتي لا دور له في تشكيلها ولا تحظى اليوم بأي قدر من موافقته وقبوله. والآن، وبعد استمرار الثورة لفترة تنوف على عام، يمكن القول من دون مبالغة: إن الثورة ما كان ممكناً لها أن تستمر طيلة هذه الفترة، العصيبة والحافلة بالعنف والقتل، لولا الوطنية الجديدة، التي شدت الشعب بعضه إلى بعض، وحقنت وعيه بروح الحرية، ووضعته أكثر فأكثر خارج وطنية استبدادية ومغلقة، فرضت عليه منذ أربعين عاما باسم السلطة ولمصلحتها، لكنها لم تتسع يوما لآرائه وأفكاره، بل قامت على أحادية فكر سلطوي فقير وإقصائي، فرض عليه من أعلى لأنه أنتج من فوق، من دون أي تفاعل معه أو توافق مع واقعه وطموحاته، ولأن هدفه لم يكن تزويده بوعي وطني، بل سلبه ما في وعيه من وطنية، وسوقه كخروف أعمى إلى مراعي السلطة العليا، الذي يذكره رنين جرسه بما ينتظره إن هو رفع رأسه أو استعمل عقله أو طرح أي سؤال حول أي شيء يهز أو يقوض هذا الضرب الرسمي والاستبدادي من الوطنية المغلقة، المعادي للمواطن والإنسان، والذي يخرجهما من الشأن العام بدل أن يدخلهما إليه، على غرار ما فعلته وطنيته الجديدة، وطنية الحرية المفتوحة، النضالية والمجتمعية الجامعة والتفاعلية، التي تتعين به وبمصالحه العليا، ويتعين دوره من خلالها. هي وطنية تنتمي إلى عالم ما بعد السلطة الراهنة، وتتميز عن وطنيتها بالفروق التالية:
1- نشأت في قلب حراك مجتمعي يؤسس مقومات جديدة للحياة العامة على جميع أصعدة الدولة والمجتمع، ويوقف إنتاج السياسة على قدميه بعد أن أوقفه الاستبداد على رأسه طيلة نيف وأربعين عاما حفلت بإقصاء المواطن ـ أساس أية سياسة تستحق هذا الاسم وحاملها – من الحقل العام، وبمعاقبته بسبب انخراطه أو محاولة انخراطه فيه. ولأنها تبلورت في حقل حراك مفتوح يطالب بالحرية، فقد حملت سائر صفات الحراك واتسمت بروح الحرية، التي تعني في ظل الثورة الراهنة روح القبول بالآخر ونبذ التعصب واعتبار التسامح مبدأ رئيسا في أي فضاء مجتمعي وإنساني، سياسيا كان أم غير سياسي. بينما تفتقر وطنية الاستبداد افتقارا تاما إلى المجتمعية، وتحمل سمات نظام الفردية السلطوي الذي أنتجها من فوق، بعيدا عن المجتمع وركائزه وحوامله الحقيقية: المواطن والشعب والمجتمع المدني، وعن الأسس التي تبنى عليها الدول: الحرية والمواطنة وحكم القانون ومدنية السياسة والمشاركة والعدالة والمساواة والتسامح. ولعله ليس من قبيل المصادفة أن سنوات سيطرة الوطنية السلطوية كانت سنوات عنف لم يتوقف وهزائم وطنية، قلبتها السلطة إلى انتصارات لوطنيتها المشوهة، كما كانت سنوات إقصاء لم يترك أحدا إلا وطاوله، وتمييز بين مواطنين هم في الحقيقة رعايا بلا حقوق بالنسبة الى النظام.
بهذه الصفات، لا عجب أن وطنية السلطة لم تعرف يوما مبدأ الحوار، ولم تتفاعل مع من هم خارج السلطة، لأنها لم تعترف أصلا بوجودهم، ولا عجب أيضا إن كانت وطنيتها مسطحة وأوامرية وبلا جذور في الشعب، وأن تكتفي طيلة نيف وأربعين عاما بتكرار كلمات بعينها حول ولاء الشعب للقيادة الحكيمة، وحبه لها، وحول عصمتها المطلقة، وفرادتها، وتفوقها على ما ومن عداها… الخ. وقد بينت الثورة أن الوطنية السلطوية لم تعلق في نفوس السوريين ولم تدخل إلى قلوبهم، وأنهم رأووا فيها ما هي عليه حقا: كلمات جوفاء وشعارات فارغة تناقض الواقع ويناقضها، واعتبروها بحق وسيلة لتدجينهم وسوقهم وراء نظام صار تدريجيا نقيض الوطن والوطنية، وغدت رموزه وطقوسه بديلا لرموزها ومناسباتها، فلم يعد لعيد الجلاء قيمة، ونسي الناس النشيد الوطني، ولم يبق تاريخ وطني سابق للسلطة الراهنة، بل كانت سوريا إما بلا تاريخ أو غارقة في ظلمات الجهل والفقر والمرض والظلم والتبعية للاجانب: بلد لا شأن له أو وزن أو دور، يسوسه تافهون ومتسلقون وعملاء، ولولا النظام لكان بقي بلدا بلا وطنية، فالنظام لا الوطن هو في هذا المنطق الأساس، ولا بد أن تكون الوطنية حكرا عليه، ليس فقط لأنه هو الذي ينتجها، بل كذلك لأنه هو وليس الشعب حاملها وضمانتها. ما المشكلة هنا إن كانت هذه الوطنية مغلقة، معادية لحرية شعب من غير الممكن ان يؤتمن على وطنه، وسطحية وبرانية بالنسبة إلى الفرد من الرعية، الذي لا تاريخ له وليس من التاريخ، بل يستمد قيمته ووجوده من النظام.
2- هذه الوطنية العمودية، النازلة من فوق إلى تحت، والتي لا تقيم تواصلا مباشرا بين المواطنين، وإنما تخترقها على طول مساراتها فواصل سلطوية، أمنية ومصالحية متنوعة، ويسهر النظام على أن تمر في أقنيته، حين يكون هناك تماس مباشر يقيمه الرعايا بعضهم مع بعض، كي لا يفلت من أي تواصل بينهم من رقابتها، وحتى لا تتضمن مكونات لم تنتجها السلطة وتراقبها، هي وطنية عمودية الاتجاه، أمنية الطابع، لا يهمها مصير المواطن والوطن، وليس لها من موضوع توليها اهتمامها الرئيس – وفي حالات كثيرة الوحيد ـ غير السلطة، التي ترى في الوطنية أداة ضبط وسيطرة من الضروري أن تكون خلواً من أية قيم إنسانية أو وطنية مستقلة أو جامعة، فهي وطنية عصبوية/ زمروية، تُخضِع ولا تُحرِّر، تربط بالسلطة وتفك أية روابط مع الوطن، تفرِّق ولا تجمع، تتغذى على قيم ما قبل مجتمعية، تنفي بواسطتها ما في المجتمع من عناصر وحدة وطنية وتسامح. فهي دمجية ترفض الفردية والاختلاف، أكان داخلها أم في علاقاتها مع الرعايا. بالمقابل، تمر الوطنية الشعبية/ المجتمعية الوليدة، التي تتكون في أجواء حراك يتغذى من قيم الحرية والتكاتف المجتمعي ومن التفاهم مع الآخر والثقة به، بصورة مباشرة من المواطن إلى المواطن الآخر، من دون عقبات أو فواصل، فهي أفقية تقوم على الندية والمساواة والمشاركة في الحقوق والتفاعل المتبادل، وترفض أن تؤطرها أحكام مسبقة حيال الغير أو المختلف، وان ترى فيه عدواً أو لا أحد، لكونها تتسم بنزعة تفاعلية أتاحت لمكونات المجتمع السوري المتنوعة الانخراط في حراك موحد، والصمود خلال نيف وأربعة عشر شهرا في وجه وطنية سلطة بان طابعها الحقيقي، فإذا هو عكس ما كان النظام يدعيه حول حبه للمواطن والوطن، واذا هي قسوة مفرطة وصراع إقصائي وعنف محتدم وأعمى، دون أن تظهر عليه علامات الوهن أو التعب أو التراجع عن مطلبه: الحرية.
إنه لأمر هائل القيمة والدلالة أن جميع أطراف المتحد الوطني السوري تجد نفسها فيها، وتسهم في صياغتها ووضع لبناتها الأولى في واقع قمعي صعب ومرير، وقد أنتجت خلال فترة قصيرة نسبيا هي عمر الحراك مزاجا عاما يساند الحرية، ومنظومة قيمية تتصل بأرقى ما أنتجه البشر من تقدم وعمران، ونزعة مدنية أتاحت قدرا من تفوق الشعب الاخلاقي على النظام، بعث الأمل في قلوب بناته وأبنائه وجعلهم مؤمنين بقرب الانتصار، وبأن علامات زوالها الجلية تتجسد في عجزها الذي يكاد يكون مطلقا عن فهم الواقع، والتكيف مع مستلزماته والتأقلم مع متغيراته، وعنفها المنفلت من عقاله، الذي ما إن أخذت به حتى غدت أسيرة له، فلم تعد تستطيع الانفكاك عنه كنهج، رغم ما ألحقه بها من ضرر وسببه من عزلة، وها هي تصر على التمسك به تمسك الغريق بقشة، مع أنه يلقي بها إلى لجة مشكلات قديمة/ جديدة، ويظهر إفلاسها بأكثر الصور وضوحا، ويبين كم صارت غريبة عن كل ما يتصل بالوطن والشعب.
3- في مقابل وطنية السلطة التفريقية/ التمزيقية، تقوم الوطنية السورية الجديدة على الوحدة في التنوع، على وحدة تحفظ التنوع وتنميه وترى فيه رأس مال أية تجربة ديموقراطية مستقبلية ناجحة، وحاضنة عصر مغاير ليس المواطن فيه رقما، بل هو حامل النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ومبدع المعرفة والثقافة. ليست حريته شعارا تتغنى به وسائل إعلام تحجب غيبتها عن الواقع، وإنما هي واقعه الذي عليه يعيش وفي إطاره ينتج ويبدع، ويتيح له تلبية حاجاته الروحية والمادية، ما دام قادرا على المشاركة في صنعه وتحسينه، وعند الضرورة في تغييره، وما دامت المساواة والعدالة والكرامة حاضنة وطنيته الجامعة، التي تجعله للكل الاجتماعي مثلما تجعل هذا له، فلا تنافس على مصالح جزئية تحتل في وجوده وعقله موقع المصالح العليا والعامة، وتثير قدرا من الخلاف الحقيقي والمفتعل بينه وبين الآخرين، يمكن أن ينفجر في أي حين فيفجر المجتمع، ولا صراع يرفع الجزئي والشخصي إلى مستوى الكلي والعام، بل اندماج حر وطوعي في جماعة وطنية جديدة لحمتها وسداها الحرية، وإلا كيف نفسر ذهاب عشرات آلاف الأشخاص إلى الموت من أجل حرية ليست شخصية بل عامة، لن ينالوها بمفردهم بل سينالها كل سوري وسورية، بمن في ذلك معظم من يطلقون النار عليهم اليوم. وكيف لا نكبر هذه الوطنية المجتمعية التي تجعل الجود بالنفس من أجل حرية الآخرين ممارسة يومية لملايين المواطنين، الذين يضحون بالغالي والنفيس في جبل الزاوية من أجل حوران، وفي ريف دير الزور من أجل ريف حمص، وفي مدينة حماه من أجل دوما والضمير وسقبا وحموريه، وأي نبل يفوق نبل وطنية تجعل المواطن يدفع حياته طواعية ثمنا لكرامة غيره، الذي ربما كان مظلوما ومذعورا إلى درجة لا يتشجع معها فيتظاهر أو ينزل إلى الشارع، لكنه سيجد خلاصه في الحرية التي استشهد معتنق الوطنية الجديدة في سبيل حصوله هو وبقية المواطنين عليها.
بفضل الحراك الشعبي / المجتمعي، تتخلق اليوم في واقع سوريا قيم ومفاهيم تعبر عن تطلع شعبها إلى واقع حر يختلف عن كل ما سبق له أن عرفه، شرع يعيشه كحالة وطنـية ووجدانية وقيمية خاصة يمارس وجوده المدني فيها، رغم أنه يصارع وهو أعزل من أجل الحصول على حريته، ولم يجد ردا على مطالبته بها غير طوفان من القنابل والرصاص فشل إلى الآن في إغراقه، والقضاء على وطنيته الجديدة، التي يأمل أن تحمل له زمنا جديدا يطوي نيفا وأربعين عاما من القهر والسلطوية، ويفتح أمامه باب الخيارات المفتوحة على مستقبل لطالما حلم بأن يكون له دور في صنعه.

Tags: , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • عندما يسقط النظام السوري

    أكثر من مائة يوم مرت على الثورة السورية. وشهدت مئات القتلى، وآلاف الاعتقالات، وعشرات الآلاف من اللاجئين، في داخل البلاد وخارجها. ومع ذلك، بذل النظام السوري قصارى جهده حتى يوقف […]

  • سوريا: غدُ هذا كله؟

    قُتلت في حلب مراسلة يابانية مخضرمة وشهيرة، غطت قبل ذلك حروب أفغانستان والعراق، وانتهت حياتها البارحة في سوريا. قال الناطق باسم الجيش الحر، في معرض تأكيد مقتلها، إنه يأمل أن […]

  • جند الأسد بوشمة الصليب !

    نبيهة حنا : النظام لم يتعلم  السياسة , ولم يتعلم  من  أخطائه أو أخطاء الغير  , ولم  يتهذب ويترقى في مسلكيته  , يصر على ممارسة التوحش  والحيونة  ثم اللانسانية  وقلة […]

  • الاخوان وشرعهم في دولة البعث ..المادة الثالثة

    سمعت خبر انتهاء لجنة صياغة الدستور من صياغة بعض مواد ه , حيث  نص الد ستور المقترح  على أن يكون  دين رئيس الدولة الاسلام  , وان الشرع الاسلامي  هي مصدر […]

  • عن البديل السياسي للنظام وضرورة صناعته

    بقلم :محمد ديبو ثمة أسئلة تطرح الآن: لِمَ لَمْ يسقط نظام دمشق، طيلة سنتي الانتفاضة السورية؟ علام يستند من قوة وأدوات؟ وأين أخطأت المعارضة السورية؟ أحد أساليب النظام السوري تاريخيا […]