السلاح والمسلح

May 5, 2012
By

الصــــرامة في طلــــب السلمية من الناس أضـــحى ضرباً من النق المزعج والوخيم، الجلوس خلف الشــــاشات على الأريكة الوثيرة والتعويل الكثيــــف علـــــى طهرانية أخلاق الناس الذين «يواجهـــون رصاص الأمن بصدورهم العارية»، هو هـــروب من استحقاق الدراسة الواقعية المنهجية، وسد لعجز عن المعرفة، ناهيك عن انتهازية المنظر من عَلٍ.

التفسخ الأهلي المزمن في الوضعية السورية الراهنة جعل الناس تحتمي بدفء المكون الأولي، كونَه المكان الآمن الوحيد في أي تحول جذري ضبابي المآل، ولأن الدين يشكل خامة الوعي الفطري اللامسيس لشرائح واسعة من الناس، إضافة إلى عنف أهلي (ليس عنفاً سياسياً) يجد تبريره من عمق الثقافــــة التاريخية الاجتماعية يستمر باستمرار وجود الخصم، أسفر تفــــاعل ما سبق إلى استنفار التدين القـــار، واستنطاق الطائفي الراكد، وتنامي العنف كمعادل أقصى للتدين، بعد فشل أرضي سياسي فادح، وتجلى ذلك في الوعي الجمعي المنتفض عند اللجوء السياسي إلى الله (يا الله ما النا غيرك يا الله).

مضار التسلح كثيرة ومخيفة، لا تستطيع هذه السطور القليلة التصدي لها جميعاً، أبرزها التباعد الأهلـــــي الحـــــاد نتيجة ترسيخ السلاح لشعور المسلح بهويته، في محاولته لنحْت ملامح هوية «المحتل»، وكلــــما كان المجتمع المصاب أقل هضماً لمفاهيم الحداثة والتقاليد السياسية والدستورية، كانت قدرة هذا السلاح في تفعيل التمايزات المذهبية وإطلاق كميات من الحصر النفسي الجمعي أكثر، فينتكس المسلح إلى معطى بدئي خام، ويزداد تحسس الوعي الذاتي الطائفي على حساب رابطة وطنية معقلنة.

من زاوية أخرى هل التسلح حالة غريزية في الوعي البدائي للسوريين؟ أليس السعي الدؤوب والممنهج في تحطيم ذوات السوريين المادية والمعنوية من تسلط النواة المافياوية هو ما أيقظه وعززه؟ ما المغري أصلاً للتسلح في الحالة السورية؟ الدخول في معركة خاسرة ضد نظام يمتلك كل شيء، هو هل ترف سلوكي وممارسة فائضة، أم هو احتجاج منهك على واقع مهول مغلق وتبديد لإخفاقات متكررة على كل الأصعدة؟ هل المعالجة تكمن في شتم المسلحين والاستعلاء عليهم ونعتهم بشعبوية رثة في تشكك سلبي غير منتج، أم معالجة الوضع الذي أدى إلى التسلح؟

علينا أن نفرق بين السلاح والمسلح، لأن المسلح هو كائن تاريخي متحول يخضع لقوانين التحليل المركب، هو ليس ثقباً أسود يبتلع كل الصدمات ويسكت، هو مفعول به اضطر إلى الفعل، التجاؤه إلى سلوك بشع فرضه سلوك أبشع، هو نتيجة وليس سبباً.

Tags: , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

User Login

Featured

  • تقرير حقوقي.. 85 ألف مختف قسريا في سجون النظام

    بقلم:الشبكة السورية لحقوق الانسان بمناسبة “اليوم الدولي لضحايا حالات الاختفاء القسري”، أصدرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان تقريرا أكدت فيه وجود 85 ألف شخص مختف قسريا في معتقلات بشار الأسد، مذكرة […]

  • التعهير والتكفير … التركمانية سهير الأتاسي !

    سوريا  في حالة حرب أهلية , وهي مهددة  في  بقائها كدولة  , وقد  انهارت  السلطة المركزية عمليا ,  وتحطمت  البنية التحتية بكامل أطيافها  ,  وحل المنطق الطائفي الفئوي مكان المنطق  […]

  • ما البديل عن التدخل الخارجي ؟

    عندما توجهت كتائب القذافي إلى بنغازي بهدف إخماد الثورة الليبية وهي في بداياتها كانت لديها تعليمات صارمة من “القائد” وهي القضاء على الثورة والثوار بأي طريقة “وزنقة.. زنقة” حتى لو […]

  • جردة حساب سورية: كيف تشكّل المستنقع؟

      بقلم :فاتح جاموس لآن، بعد ما يقرب سنتين ونصف سنة على اندلاع الأزمة السورية، يجب علينا أن نتوقف للقيام بجردة حساب لهذه الأشهر الطويلة الدامية، والمرشحة للاستمرار من دون […]

  • في اشكالية التجاهل في الغابة الأسدية

    قبل ايام حدثت في زملكا مجزرة  اثناء تشييع   أحد قتلى السلطة  ,  وأثناء حمل القتيل الى مثواه  الأخير  زمجرت المروحيات  والمدافع  وأطلقت القنابل على  المشيعين , مما حول التشييع الى   […]