اليسار في الزمن الثوري(الجزء الأول)

فواز طرابلسي:

تحمل الثورات العربية الى اليسار مزيجاً من التحدي الوجودي والفرصة التاريخية. والفيصل بين الاثنين هو قدرته على التعلّم من الدروس البليغة التي تحملها العملية الثورية وبلورة مشروعه ودوره فيها وتدبّر كيفية الرد على تحدياتها. فلعل في ذلك ما يدفع اليسار الى مغادرة مندبة النقد الذاتي، كفارة ذنوبه التي لا تنتهي، والاستعاضة عنها بمراجعة للماضي تسهم في فهم أفضل للموقع والدور في الحاضر وتخدم خصوصا للإطلالة على المستقبل. هذا اذا كان بين اليساريين من يريد تجاوز تيارين في أوساطهم: يسار دعم الاستبداد بحجة المسألة الوطنية ويسار الرهان على التدخل الخارجي سبيلا الى تحقيق الديموقراطية.
أسهم اليسار وشبابه خصوصا إسهاما متواضعا وإن يكن ذا أثر في الانتفاضات. في تونس ومصر واليمن، كان الشباب اليساري في طليعة المبادرين للنزول الى الشوارع واحتلال الساحات والميادين وإطلاق شعار إسقاط الحاكم ونظامه، وكسروا حاجز الخوف، وتقدموا الصفوف عندما تعلّق الامر بمواجهة القمع والرصاص. في المغرب، تميزت حركة ٢ فبراير التي أطلقت الموجة الشعبية الضاغطة من أجل الاصلاحات. وقد شذّت الحالة السورية بعض الشيء بسبب دور الاحزاب الشيوعية المتحالفة مع النظام، فبرز اليساريون بمن هم بالدرجة الاولى المنشقون عن تلك الاحزاب والناشطون بالصفات الفردية أو في مجموعات وتنظيمات صغيرة.
ومع ان اليساريين فازوا بعدد متواضع من الأصوات ومن المقاعد في الانتخابات النيابية في تونس ومصر، بقي الوجه الابرز لنضالهم في مواقع الضغط الشعبي لتفكيك أنظمة الاستبداد ومؤسساته وتشريعاته واستكمال تحقيق أهداف الثورة.

انتفاضات ضد النيوليبرالية

ان شعار «الشعب يريد إسقاط النظام»، الذي حرّك عـشرات الملايين من العرب من المحيط الى الخليج خلال العام 2011 ولا يزال يحركـهم ويدفعهم لبذل لأنواع التضحيات وصولا الى بذل الدم بسخاء، هو العلامة الفارقة على الطابع الديموقراطي والشعبي للانتفاضات وهدفها الجذري الابرز. يعلن الشعارُ الشعبَ مصدراً للسلطات ويعلي السيادة الشعبية على كل سيادة اخرى، فردية أو سلالية أو حزبية أو عسـكرية أو حاكـمة باسم الاجـتهاد الديني. ويحسم بعجز الانظمة العربية القائمة عن ان تصلح نفسها بنفسها مؤكدا ان السبيل الوحيد لتحقيق إرادة الشعب هو تغييرها بالقوة، قوة الشعب.
الى جانب شعار «الشعب يريد» ارتفع شعار مكمّل له، لم يقلّ عنه شيوعاً، هو «عمل، حرية، خبز» الذي وضع حق العمل والعدالة الاجتماعية في صلب العملية الديموقراطية. الجديد في هذا الشعار المطالبة بالـ«العمل». ذلك انه يشير الى البطالة بما هي أحد الدوافع الرئيسة للانتفاضات والمحفّز الحاسم لدور الشباب فيها. ومعلوم ان العالم العربي يحمل الارقام القياسية العالمية من حيث نسبة الشباب (15-24 سنة) بين السكان ونسبة البطالة الى السكان (لا أقل من 30٪) ونسبة البطالة بين الشباب (44٪ من إجمالي العاطلين من العمل). وتحيل بطالة الشباب، بدورها، الى الطابع الريعي المتزايد للاقتصاديات العربية في ظل العولمة الرأسمالية والاملاءات النيوليبرالية. وليس أدل على فضيحة تلك الإملاءات من ان يسارع مديرا صندوق النقد الدولي والبنك الدولي – تحت وطأة الثورتين التونسية والمصرية – الى الاعتراف بأن نمو الناتج المحلي لا يجيب على مشكلة البطالة، علماً انه المقياس الذي فرضته المؤسستان على مدى ربع قرن عل انه المقياس الابرز لقياس الجدوى الاقتصادية! وتزداد الفضيحة ضخامة اذا علمنا أمرين: الاول، ان المؤسستين اللتين تتحكمان بحياة البشر المالية والاقتصادية، كانتا تقدمان تونس ومصر تحديدا كنموذج يقتدى به من حيث النجاح الاقتصادي في ظل «الاصلاحات الهيكلية». والثاني ان المطلوب توفير 51 مليون فرصة عمل في العالم العربي بحلول العام 2020، حسب تقديرات لـ«وكالة التنمية» التابعة للامم المتحدة للعام 2009. فأي اقتصاديات قادرة على إنتاج فرص عمل بهذه الكثرة؟ وأي تحدّ أكبر من هذا التحدي لثورات يراد لها، ولمن سيحكمون باسمها، ان تبقى محصورة في الحيّز السياسي وحده.
حقيقة الامر ان الانتفاضات تشكل موجة من المقاومات الشعبية المشتركة لمفاعيل النيوليبرالية بعد أكثر من ربع قرن على مباشرة تطبيقها في المنطقة. وهذا ما يفسّر، الى جانب عوامل اخرى، شمولها هذا العدد من البلدان العربية في وقت واحد.
ولا فصل هنا بين دوافع اجتماعية ودوافع سياسية. ترافقت وتيرة تطبيق الاجراءات النيوليبرالية مع تركّز متزايد للسلطة والثروة في أيدي العائلات والمجمعّات المافيوية – الامنية المرتبطة بالقطاع المالي – العقاري – المقاولاتي، سواء في الانظمة الدكتاتورية العسكرية المتحدرة من حركات التحرر الوطني أو في الانظمة الريعية السلالية المسيطرة على الاقتصاديات النفطية. ولم يكن صدفة ابدا ان يؤدي هذا التزاوج بين الاستبداد والنيوليبرالية الى تغليب الدور القمعي للدولة على أي دور آخر كوسيلة رئيسة للضبط الاجتماعي والسياسي. فهو سمة مشتركة بين أنظمة البلدان التي طبّقت فيها إملاءات البنك الدولي وصندوق النقد. وترافق تركّز الثروة، والتخلي عمليا عن أي جهد تنموي، في ظل نمو الحرمان والتهميش والفقر، مع تنامي الهدر ونهب المال العام ومع إعادة تصدير عائدات النفط والغاز الى المراكز الرأسمالية حيث توظّف في تمويل المديونية الاوروبية والاميركية أو في إسناد عملاتها أو الاستمثار في القطاعات المختلفة، هذا عندما لا تجري استعادة البترودولارات عن طريق تمويل الحروب الخليجية ومبيعات السلاح بأرقامها المليارية والمواد الاستهلاكية الفاخرة الفاحشة.
ولقد كشفت فضائح الحكام العرب المخلوعين، والعشرات والمئات من مليارات الدولارات التي راكمها كل منهم، همجية تسخير السلطة السياسية في سبيل الإثراء عن طريق نهب المال العام وفرض العمولات على المشاريع الاقتصادية واقتطاع حصص مباشرة من عائدات النفط، والسيطرة على الصناديق السيادية، ناهيك عن التهريب وتبييض الاموال. وكل هذا في الوقت الذي حادت فيه الحملة ضد «الفساد» عن فضائح وهموم تلك المنهبة. إذ جنحت للترويج للخصخصة بحجة ترهّل البيرقراطيات الحكومية، ووظفت نظريات «الموازنات المتوازنة» كمبررات للاعفاءات الضرائبية على رجال الاعمال والاغنياء وإلقاء المزيد منها على الجمهور بواسطة الضرائب غير المباشرة، فيما قضت سياسات «التقشف» على دعم الدولة للسلع والمواد الاساسية وقلّصت دورها في التوزيع والرعاية الاجتماعيين الى حدوده الدنيا.

الديموقراطية هي الطريق الى الاشتراكية

في عالم عربي هذه بعض تداعيات وقع العولمة النيوليبرالية عليه، وتلك تحديات ثوراته الشعبية، لا بد لليسار ان يستعيد مشروعه المجتمعي كاملا وان يعيد به إنتاج استقلاله الفكري سبيلا الى استقلاله السياسي والتنظيمي والسلوكي. هذا إن هو أراد البقاء على قيد الحياة والمنافسة في كسب الرأي العام والجماهير الشعبية التي يفترض به تمثيل مصالحها الأكثر جذرية.
وحتى لا نتجاهل السؤال التقليدي «ماذا يعني أن تكون يساريا الآن؟» يمكن القول ان اليساري هو من يحاول الربط بين قيمتي الحرية والمساواة. وهو الذي يعي، في ظروف بلادنا المخصوصة، ان تحقيق الديموقراطية السياسية مهمة تاريخية متكاملة تتطلب تفكيك أنظمة الاستبداد واستبدالها بأنظمة ومؤسسات وتشريعات جمهورية ديموقراطية مدنية. واليساري هو من يدرك، بناء على الدروس الاليمة للتجربة اليسارية ذاتها، ان تجاوز سلبيات الديموقراطية السياسية لا يتم بدكتاتورية تقمع الحرية دون ان تحقق المساواة، بل بتعزيز الحرية بالمساواة، أي بتحرير الديموقراطية من سطوة رأس المال وتطويرها نحو الديموقراطية الاقتصادية والاجتماعية.
بهذا المعنى، فمبرر وجود متجدد لليسار في العالم العربي هو دفع الثورات الديموقراطية الى نهاياتها المتساوقة وتطعيم الديموقراطية السياسية بالديموقراطية الاجتماعية عن طريق المساهمة في حلّ التناقض بين المساواة السياسية للمواطنين في الدولة واللامساواة بينهم في المجتمع، وهي اللامساواة الناجمة عن الفوراق والامتيازات الطبقية بينهم.
ان الديموقراطية هي الطريق الى الاشتراكية.
والحد الادنى المشترك بين الاشتراكيين لمدلول المفردة هو الاقتناع بأن هذا النظام الرأسمالي ليس نهاية التاريخ ولا هو خاتمة الطموح الانساني. بل إن التاريخ نفسه، بما فيه إنجازات الرأسمالية ذاتها، بات يسمح بتجاوز الرأسمالية. فقد بلغت البشرية درجة من التطور وفرت من الموارد والثروات والمعارف ما يسمح بسدّ الحاجات الاساسية لجميع سكان المعمورة من عمل ومعاش وسكن وعلم وصحة وبيئة نظيفة وآمنة. وان العقبة الاساسية أمام تحقيق تلك المهمة التاريخية هي الملكية الفردية ومبدأ الربح، الركيزتان الاساسيتان للنظام الرأسمالي. وليس أدلّ على هذه الحقيقة من الارقام التي تتداولها وكالات الامم المتحدة للتنمية من ان عشرة بالمئة فقط من ثروات أول مئة من أغنياء العالم كفيلة بسد تلك الحاجات.
على ان هذه الحقيقة ليست تعفي الاشتراكية والاشتراكيين من التحدي الاكبر الذي تكشفت عنه تجارب «الاشتراكية المتحققة». نقصد كيفية حلّ المعادلة التاريخية الصعبة، معادلة زيادة إنتاج الثروة من أجل تأمين المزيد من العدالة والمساواة في توزيعها. لا وصفات جاهزة. هناك محاولات حل تستحق الدرس، منها تجربة حزب العمال البرازيلي في الحكم خلال العقدين الاخيرين.

مشروع لعصر العولمة

ان استعادة اليسار مشروعه المجتمعي كاملا، يضعه أمام امتحان أدواته النظرية لإنتاج المعارف عن عصر العولمة بآليات تشغيله واتجاهاته الرئيسية، وخصوصا عن وقعه المميز على المنطقة. والمفارقة الفاغرة هنا هي ضعف الجهد الفكري والاقتصادي حول موقع المنطقة العربية من العولمة بمختلف جوانبها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية. ولعل أولى نقاط الاستدلال على هذا الطريق هي الآتية.
اولا، تعيين الاطار العام لخصوصية صلة المنطقة بالعولمة من خلال وجود ركيزتين للامبريالية المعاصرة فيها 1) آليات الاستحواذ على الموارد والثروات الطبيعية – النفط والغاز خصوصا – وإعادة تصدير عائداتها الى المراكز الاوروبية والاميركية؛ 2) انفراد المنطقة دون سائر مناطق العالم، بوجود مشكلة من بقايا العهد الكولونيالي هي الاستعمار الاستيطاني العنصري لفلسطين، المستمر في قضم الاراضي والاستيطان على مدى فلسطين التاريخية الى يومنا هذا، عدا توسعته واحتلاله أراضي الجوار.
ثانيا، استكشاف الطبيعة المتناقضة للعولمة بظواهرها الجديدة من مَنْهَبة الفقاعة المالية وأخطارها التدميرية، الى نقل الصناعات الى بلدان الجنوب للقرب من المواد الاولية والايدي العاملة الرخيصة، وهي ظاهرة لم تسهم في الحد من البطالة والفقر في بلدان الجنوب التي استقبلت الصناعات المنقولة، بل أطلقت موجات غير مسبوقة من الهجرة في تلك البلدان نحو بلدان الشمال. ومن تناقضات العولمة المثيرة للجدل توحيدها العالم، في الزمان والمكان، عبر ثورة الاتصالات والمعلوماتية المذهلة من جهة، وتذريره في الآن ذاته الى كيانات وولاءات ما دون الدولة من جهة ثانية.
ثالثا، استجلاء الوجه الجديد لأممية تَعِد بأنماط جديدة من التضامن والترابط بين بلدان الجنوب. نعني عولمة بديلة، تقوم على التقاء المصالح بين المتضررين من الامبريالية المعاصرة ومن احتكار الشركات العابرة للجنسيات ومن آليات التبادل والتطور غير المتكافئين بين أجزاء العالم، عولمة بديلة تطمح لبناء عالم يتسع لما فيه من عوالم، متحرراً من العنصرية والمجاعات والفقر والحروب وخطر الفناء النووي، عالم يوفر الحد الادنى اللائق من الحياة لجميع أبنائه، بدلا من ضمان الثراء الفاحش الهادر للواحد بالمئة على حساب التسعة والتسعين الباقين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *