حديث المجازر

ورد كاسوحة:

أبسط ما يمكن أن يقدمه المرء اليوم إلى ضحايا الصراع في سوريا، هو أن يكفّ عن ابتزازاهم عاطفياً. وأول خطوة في هذا الاتجاه هي القطيعة مع المنحى السائد في أوساط النظام ومعارضاته لاستخدام معاناة الضحايا وقوداً لحربهما القذرة، ومسخ هؤلاء الفقراء إلى مجرد أرقام في بازار المجازر المتنقل بين منطقة وأخرى، وبين شاشة وأخرى. فمن «مجزرة» الخالدية قبل الإجهاز على حي بابا عمرو، إلى «مجزرة» كرم الزيتون المتنازع عليها بين الطرفين، إلى «مجزرة» كرم اللوز، إلى «مجازر» إدلب، ما عاد السوريون صالحين للاستخدام في الخطاب المهيمن إلا كأدوات لاستدرار العاطفة المبتذلة، وشحن العنف الدموي بالمزيد منه. ثمة مشكلة طبعاً لدى معارضين راديكاليين للنظام في ابتلاع منطق كهذا، ومشكلتهم في ذلك أكبر بكثير من مشكلة الموالين. فالموالون في سوريا عموماً هم كائنات جرّدت من حسها النقدي، وما عاد بالإمكان التعويل على عودتها إلى سكة مفارقة للاشتغالات المافياوية السلطوية على شيطنة الحراك المعارض. وعلى النقيض من هؤلاء تقريباً، يقف المعارضون. تاريخهم النضالي ضد النظام «يملي عليهم ذلك»، وكذا اشتغالهم المزمن على تقويض سردية التنميط التي ثبتتها العائلة الحاكمة، وحشرتنا جميعاً داخلها.
لكنّ أمراً ما طرأ على هذه المعادلة منذ مدة، وعطّل إمكان استمرارها بالشكل الذي كانت عليه. ذلك أنّ المعادلة سابقاً كانت تضع أي معارض وطني للنظام في موقع متقدم (أخلاقياً)، لمجرّد أنّه لم يستدرج إلى مواقع (لا أخلاقية) فرضت عليه بسبب البطش النظامي الوظيفي. وما تغيّر اليوم أنّ استدراج هؤلاء بات ممكناً بفعل عوامل عديدة، لا مجال لذكرها في هذه العجالة. ومن يحاول استدراجهم إلى ملعبه الآن ليس النظام كما كانت عليه الحال سابقاً، بل حلفاؤه المافياويون السابقون في مستعمرات الخليج (وقد نجحوا جزئياً في ذلك!). معنى ذلك أنّ ما عجز عنه النظام خلال عقود من تلاعبه الدؤوب بالواقع السوري، نجحت به سلالات النفط في أشهر. وهذه حقيقة صلبة مع الأسف، ولا تحتاج إلى كثير من التدقيق. وصلابتها هي التي جعلت الموالاة المبتذلة تعتقد أنّها تقف على أرض «متماسكة»، عندما تصوّب على العلاقة الملتبسة (والمشبوهة أحياناً) بين المعارضة النضالية وقطر والسعودية وباقي مستعمرات أميركا في الخليج. طبعاً ذلك هو دأب الموالاة الصفيقة في سوريا، على مرّ العقود الماضية، لكن لماذا توفّر المعارضة الوطنية لهؤلاء «السفهاء» ذرائع مماثلة؟ هل من يقترح على وجوه المعارضة الوطنية النضالية (حسن عبد العظيم وعبد المجيد منجونة مثلاً) ألا تقدم إلى ذراع قطر الدعائية الفظة خدمة مجانية في الظهور على شاشتها. عندما يتقرر أن يكون الابتزاز العاطفي والنفسي هو متن النقاش؟ حتى عندما ينزاح النقاش أحياناً إلى أماكن تبدو كأنّها «موضوعية»، يكون الأوان قد فات، لأنّ الخطاب النفطي لا يكترث بالحضور الصوتي المجادل قدر اكتراثه بالصورة (أشلاء أطفال، نساء قتلى أو جرحى …الخ) التي توفر أكبر قدر من الشحن العاطفي المبتذل والمجاني. وهي صورة تشغل الحيّز الدعائي بأكمله، ولا تترك للوجود الصوتي المحايد مجالاً لتعديل الأثر الذي خلّفته (وهو سلبي غالباً لأنّه يهمش المحاكمة العقلية لمصلحة وجهة دعائية همها الأساسي تنميط العاطفة وتصديرها إلى مشاهد بعينه)، أو عقلنته في أحسن الأحوال.
طبعاً شاشات النظام تفعل أمراً مماثلاً، لكن تأثيرها يبقى محدوداً، لأنّها فقدت منذ زمن قدرتها على التلاعب بعواطف المشاهدين، بمن فيهم أولئك الذين يحسبون على قاعدتها الشعبية. مثلاً، قدمت شاشات النظام، منذ أيام، رواية «مفارقة» لرواية الفضائيات النفطية والكولونيالية عما سمي «بمجزرة» كرم الزيتون. لكن روايتها افتقرت كالعادة إلى التماسك المنطقي، وبدت كمحاولة بائسة للرد على أباطيل المعارضة الكولونيالية (كم كانت نهلة الشهال موفقة في وصفها بالعهر في مقالة أخيرة لها في «السفير») ونزقها الدموي الخطر. والمؤسف أكثر أّن أسماء الضحايا التي قدمتها الدعاية النظامية في سياق دحض رواية المعارضة لما حدث، لم تنفعنا في شيء (ولا نفعت النظام حتى)، والسبب في ذلك أنّها أصبحت جزءاً لا يتجزأ من عملية جارية للسمسرة على الدماء، وتحويل خلاصاتها إلى نقاط تسجل على الخصم فحسب. في هذه الحال، يغدو الإقلاع عن المعاينة لكلتا الروايتين أقل الحلول سوءاً، رغم أنّه قد ينطوي على قدر من الترف (واللاأخلاقية) إزاء فظاعات دموية لا يجوز أن تكون مدار اجتهادات أيديولوجية تنأى بنفسها عن الأمر لمجرد اعتقادها أنّه نمطي من حيث التوظيف، ومن حيث العرض أيضاً. فاعتراضنا على توظيف عمليات القتل والقتل المضاد سياسياً لا تنفي وقوعها، ولا تلغي من المعادلة إمكان جرّ القتلة من كلا الطرفين إلى حيث يجب أن يكونوا: قفص الاتهام ولو أخلاقياً واعتبارياً في ظل تعذر جلبهم إلى عدالة غير موجودة أصلاً (بحكم تفكك الدولة في الأماكن التي أصبحت مسرحاً لعمليات القتل المتبادل). لكن تبقى هنالك مشكلة لا بد من حلّها حتى تستوي مقاربة كهذه في أطر واقعية وملموسة. فأنت عندما تصوّب على روايتي النظام ومعارضاته لماهية العنف في البلد، وتدعو إلى الانصراف عنهما، لا تترك للمواطن الذي يعيش محنته أي خيارات أخرى. إذ تبدو هاتان الروايتان اليوم كأنّهما الوحيدتان المتاحتان في ظل انعدام الخيارات البديلة، وفي ظل حالة التخندق الأهلي التي فرضتها «الجماعات السورية» على أفرادها.
علينا إذاً ألا نكتفي بنقض روايات أطراف الصراع المافياوية، وأن نسارع إلى تهيئة الأرضية التي سيقف عليها كل من يقتنع معنا بأنّ وقوع المجزرة «لا يعني أنّها قد وقعت فعلاً». فما وقع هو المجزرة فحسب، لا روايتها، وكل من يقول عكس ذلك سيغدو من حيث لا يدري «شريكاً فيها»، لكن مجدداً كيف نهيّئ الأرضية لهؤلاء ونحن نقترح عليهم خيارات لا يبدو أنّ الواقع قد نضج بما فيه الكفاية لاختبارها؟ الأرجح أنّنا لن نجد جواباً على ذلك في الأمد القريب. السياق الذي تمضي به حال التصدع المجتمعي في سوريا يقول ذلك، وكذا قرار النظام (الطبقي ــ الطائفي) ومعارضاته الكولونيالية بالإجهاز على أي محاولة لتجذير الطابع الطبقي للانقسام (لا الطائفي والجهوي). والصلة بين الأمرين (التصدع الاجتماعي وانتفاء الطابع الطبقي للحراك) وبين اشتغال الميديا الطائفية والكولونيالية على تحويلنا إلى مستهلكين لمواد صورية تخاطب هوياتنا الجزئية، واضحة وجلية.
أصلاً لم ينشأ رأس المال الكومبرادوري هذه الميديا إلا لتمارس أدواراً وظيفية تجزيئية مماثلة. لذا يتعيّن أن يمر القرار بتفكيك سرديات النظام ومعارضاته (عن المجازر مثلاً) بتوطئة ضرورية وملحّة، تتمثل في تفكيك الميديا التي تزوّد طرفي الاحتراب بأدوات الهيمنة الرمزية على وعينا الجمعي. لنتفق أولاً أنّ مهمة كهذه لا تبدو عملية بما فيه الكفاية، ومع ذلك سنجرّب. سنجرّب وسندعو كلّ من هاله حديث المجازر الموظف على نحو قذر إلى أن يشاركنا التجربة. في مقالة لها في الزميلة «السفير» («حتى الضباع لا ترتكب مثل هذا!») قبل فترة، حاولت الرفيقة نهلة الشهال أن تقارب مجزرة كرم الزيتون من زاوية معينة هي زاوية تفكيك منطق الاحتكام إلى العنف الدموي وإدانته مهما كان
مصدره.
المحاولة كانت جيدة، لكنّها ككلّ المحاولات اليسارية في تحليل طبيعة الصراع في سوريا، لم تول العناية الكافية بالعلاقة الجدلية بين الصراع كما يعرفه أهله وإعادة إنتاجه إعلامياً.
نحن لا نعلم على وجه الدقة حتى الآن من هم الضحايا في كرم الزيتون، ومن هم القتلة. وما علمناه فقط أنّ هنالك مجزرة وقعت في أحد أحياء حمص الساخنة، وأنّ طرفيها قاتل يعرف كيف يقتل وكيف يوظّف جريمته في السياسة بأحطّ أشكالها، وضحية قتلت ومزقت جثتها لا لشيء إلا لكونها تحمل هوية جزئية، فرضت عليها من دون أن يكون لها الخيار في قبولها أو رفضها. تلك هي حدود معرفتنا بما حدث، وأي جزم بما يتعدى ذلك إنما يدخل في باب الدعاية المجانية لرأس المال القذر الذي يملك الميديا ويحدد أجندتها وخياراتها. الرفيقة نهلة تعلم ذلك جيداً (وكذا الرفيق فواز طرابلسي) وتعلم أيضاً أنّ معركتنا الأساسية هي هناك، أي ضد رأس المال الذي يملك الفضاء الرمزي، ويحاول أن يجعل من ملكيته تلك صكاً أبدياً لاحتكار رواية الصراع وتوزيع الأدوار على شخصياتها (اقرأ: دماها). لقد تعلمت شيئاً من اقامتي في ريف حمص أثناء احتدام الصراع: آخر ما يمكن أن يستعين به المرء في تحليله لطبيعة الصراع وماهية لاعبيه هو الإعلام «المهني». كنّا كلما حاولنا المطابقة بين ما يقوله الإعلام عنا وما نعيشه على الأرض ازددنا إحباطاً وتأزماً. لهذا السبب تحديداً هجرناه (ليس الكل طبعاً) بشقيه النظامي والنفطي ــ الكولونيالي، وعدنا إلى وسائط تواصل أكثر بدائية وأقلّ امتثالاً «للقواعد المهنية» التي يفرضها رأس
المال.
طبعاً لا يتوافر امكان مماثل لمن يقيم خارج سوريا، ويستقي معلوماته من مصادر ليست بالضرورة دعائية (لكنّها مع ذلك تشتغل بمنطق الدعاية السياسية)، غير أنّ ذلك لا يمنع أن يلجأ رفاقنا إلى التشبيك مع أشخاص يقيمون في مناطق ساخنة، ويعلمون على وجه الدقة كيف وقعت مجزرة كرم الزيتون، وكيف دمّر حي بابا عمرو فوق رؤوس أهله (هل من يذكر تل الزعتر أو نهر البارد؟). من يرد أن يحلل طبيعة الصراع هنا، فعليه أن يبذل جهداً أكثر، وأن يكون مستعداً لمنازلة أصدقاء ورفاق لا يزالون حتى اليوم يمالئون رأس المال، ويقدمون إليه التنازلات تلو الأخرى. المعركة من أجل تصويب الصراع في سوريا (وعليها) تستحق منا ذلك، وتستحق أيضاً أن نتخلى عن أدوات في التحليل باتت عبئاً علينا، وعلى من نخوض التحليل لأجل إنصافهم: ضحايا الصراع. وهذا العبء اليوم له اسم واحد: «الإعلام المهني» الوظيفي. فأن تكون «مهنياً» يعني أن تكون موظّفاً لدى رأس المال، أي إنّك لست مستقلاً بما يكفي لمقاربة صراع، انخرط فيه ربّ عملك على نحو
محدد.
كل من يتابع الإعلام النفطي الذي ينازل النظام في سوريا بالوكالة عن السلالات التي تملكه يعرف ذلك، وكل من يقرأ الصحافة المكتوبة في لبنان وفي غيره التي تخوض الصراع معنا (بعضها «مع النظام» وبعضها الآخر «ضده»)، يعرف ذلك أيضاً، ورفاقنا في اليسار الذين يشتغلون لدى صحافة يملكها رأس المال الوظيفي يعرفون بدورهم. لا شيء إذاً خارج هذه الدائرة المغلقة. هو بالضبط صراع من يملك كل شيء مع من لا يملك شيئاً، وصراع الرأسماليين بعضهم مع بعض (لا تناقض بين الاثنين بالمناسبة). وإذا أردنا التفصيل أكثر لقلنا عنه الآتي: صراع من يملك داخل النظام مع من لا يملك خارجه، صراع رأس المال النفطي من أجل إزاحة رأس المال السوري (كلاهما كومبرادوري وتابع بالمناسبة)، صراع رأس المال الكولونيالي الغربي لتأخير صعود رأس المال الصيني والروسي، صراع معارضاتنا على وراثة حكم المافيا فحسب… الخ، لكن أين مجزرة كرم الزيتون ومجازر بابا عمرو وكرم اللوز وإدلب والقصير من كل ذلك؟ الأرجح أنّها لزوم ما لا يلزم. نستخدمها عندما يطلب رأس المال استخدامها، ونرميها في القمامة (هكذا وبكل وقاحة ونذالة) عندما يشبع نزقه المرضي. حين نصبح مستعدين لإدماج قواعد اشتغال رأس المال الذي يملك الميديا في تحليلنا لماهية ما يحدث، وما لا يحدث، في سوريا، نكون قد ولجنا فعلاً إلى قلب الصراع الذي يدور حولنا وعلينا.
هو صراع طبقي في العمق، وطبيعته الطبقية تقتضي منا أن نستخدم أدوات تحفر في ما وراء الظواهر (وهي إعلامية في صياغتها الأخيرة). والما وراء في حالتنا هنا تعني ما وراء القتل والقتل المضاد، وما وراء «المجازر»، وما وراء صياغة «المجازر» وتصديرها كبضاعة لتسعير الهويات الجزئية وتجذيرها. هذا هو السياق المنطقي الذي يجب أن يوضع فيه تفكيكنا لحالة العنف التي تفتك بالسوريين اليوم، وتحيلهم على ضحايا وأرقام فحسب. هل من يقول ذلك لرفاقنا في اليسار؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *