الجيوستراتيجيا مشروحة لفلان الحمصي

February 20, 2012
By

 

الجيوستراتيجيا مشروحة لفلان الحمصي

نهلة الشهال – نقلا عن السفير.

…فيا فلان، سيذكر التاريخ أن الحرب الباردة عادت الى المسرح الدولي في السنوات الاولى من الألفية الثالثة، وكانت معركة سوريا واحدة من أبرز موقعات انطلاقتها. وسيذكر التاريخ بتدقيق أكبر من ذلك التحقيب العام، مدينة حمص تحديداً، لأن تحولاً جرى في «شيء» كان اسمه يومها الجامعة العربية (هكذا سيقول التاريخ)، جعل من موقعة حمص، مطلع عام 2012 ، نقطة فارقة. فهل ترضيك هذه الأهمية يا فلان؟ هل تخفف عنك ولو بعضاً من خوفك وحزنك الحاليين؟

سيقرأ أحفادك (إن خرج بعض أولادك اليوم أحياء من حلقة النار)، أن الجامعة العربية ماتت في هذه المناسبة. كانت عليلة منذ أمد، ثم انطبق عليها المثل الذي درسه أحفادك في حصة الأدب، قسم الأدب الشعبي (نعم، سيتغير نمط التدريس!)، حيث تروي الحكمة العامة المتوارثة، بجملة قصيرة كما هي الامثال، عملية الانحدار تلك: السروج التي تفتقد الأحصنة حين تعز هذه الاخيرة. تعرفه، أليس كذلك؟ سيلفت الاستاذ النظر الى الجذر والمعنى المشترك في المثل الشعبي، بينما تختلف الحيوانات البديلة التي تتنطح للتسريج، وأطرفها لدى العراقيين الذين تقول تتمة المثل لديهم أن «الخنفسة» هي من مدت رجلها. وربما يعلق الاستاذ بأن الحدة والتطرف هما من الطباع المميزة للعراقيين.

سيذكر التاريخ مزيج «اللحظة» التي أتاحت لدولة يصعب تبينها على الخريطة أن تستأسد (!). سيسجل الغفلة. ولعله يذكر، كدليل من بين غيره على دقة الموقف يومذاك، أن السفير الروسي لدى الامم المتحدة هدد بمحوها عن الخريطة لو تمادت. ولعلك رأيت يا فلان في مخبئك، ورغم كل الظروف المريعة التي تحيط بك، شريط الفيديو الذي يحمل هذا التهديد وتناقلته مواقع الإنترنت، وكان رقم واحد على يوتوب.

لن يتوسع التاريخ في إيراد التفاصيل، في وصف ما تعيشه أنت وأهلك وجيرانك اليوم. ربما يصيب بعض الحظ حي بابا عمرو فيذكر…ربما. ذلك أن الموقف معقد للغاية، ثم أن الضحايا من البشر يردون عادة كرقم، أو لا يردون اطلاقاً. ففي ستالينغراد سقط ثلاثة أرباع مليون عسكري روسي قتلى، خلال ستة اشهر، و«عدد غير محدد من المدنيين»، فيما بلغ عدد ضحايا الحرب العالمية الثانية من الروس 21 مليون إنسان، ما يقرب من عدد سكان سوريا اليوم. ويقال أنه سقط في الحرب الإيرانية ـ العراقية، مليون ونصف مليون إنسان. وهؤلاء كقتلى، فيما أضعافهم جرحى ومعطوبون ويتامى ومسحوقة حياتهم لألف سبب وسبب. خذ يا فلان مثلا حرب الشيشان، بحقبتيها. لن تجد اتفاقاً على عدد الضحايا، وسيلفت نظرك أن الجهة الروسية تقدم أرقاماً للقتلى من الشيشان تفوق ما يقدمه سواها. الرئيس بوتين قال يومها إن قواته قتلت في حرب الشيشان الثانية 13 ألف «إرهابي» شيشاني…صبرك يا فلان، سأنتقل لبيت القصيد، ولو ان تلك كلها جزء منه، كما سترى.

هاك خريطة العالم يا فلان. منذ أسابيع، قال أوباما إن تركيز بلاده سيتجه الى منطقة أسيا / الباسيفيكي، وهذه اولويته الاستراتيجية. وقبله بقليل كتب بوتين مقالاً يدعو فيه الى ولادة الاتحاد الأوراسي. ولكن تلك الاعلانات تلي ترتيبات على الارض ولا تباشرها. وبينما يبدو الطموح الاميركي محافظاً، يسعى الى تدارك الخسائر، (وسيقول لك بعض المتطرفين أنه يمارس قتالاً تراجعياً)، يعمل بوتين على استعادة دائرة النفوذ السوفياتي، وبالأخص في تلك الجمهوريات التي تقع الى الجنوب من روسيا، مضافاً اليها الصين.

في 24 تشرين الأول الفائت، وقعت روسيا مع ثماني جمهوريات من الاتحاد السوفياتي السابق (من بينها أوكرانيا وبيلوروسيا، ولكن الأخريات تنتهي اسماؤهن بـ«ستان» وعلى رأسهن تقع كازخستان)، اتفاقية للتبادل الحر، اعتبرها بوتين في خطابه بالمناسبة الخطوة الاولى في الاتحاد الأوراسي العتيد الذي عين له 2015 كأفق للتحقق. يا للمصادفات! ففي 2015 سينتهي بناء خط انابيب الغاز ساوث ستريم: روسيا هي اليوم اكبر مستخرج للنفط والغاز في العالم، وأكبر مصدريه الى أوروبا (تصدر حالياً 75 في المئة من نفطها و80 في المئة من غازها الى دول الاتحاد الاوروبي)، وقد وقعت غازوبروم الروسية عقداً مع الصين سيجعلها ابتداء من 2015 ترسل الى العملاق الاصفر ما يبلغ 30 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً، وذلك لثلاثين عاماً. وبدءاً من هذا التاريخ، ستتحكم روسيا (وليس قطر ولا السعودية!) بأسعار هاتين المادتين. أنظر مجدداً الى الخرائط يا فلان الحمصي: هاك عشرات ألوف الكلمترات التي تقطعها انابيب «نورث ستريم» و«ساوث ستريم». وتذكر أن هناك غازاً مكتشفاً قبالة شواطئ سوريا، لا يدخل الجدل بصدده بعد في رواية الحرب الدائرة.

وكما تعلم يا فلان، فجمهوريات الاتحاد الأوراسي تلك التي تنتهي اسماؤها بـ«ستان»، تقطنها شعوب وقوميات تعتنق الاسلام، وتمتلك أواصر صلة قوية ببلداننا. بتركيا خصوصاً، وبإيران كذلك، التي تتقاسم مع روسيا ضفاف بحر قزوين. هل ترى كيف تضيق الدائرة لتقترب من بابا عمرو؟ وعلى أية حال، فأنت تعلم كذلك أن لروسيا في ميناء طرطوس موطئ قدم عسكري، هو بالتأكيد أقل مما للأسطول السادس الاميركي في البحرين، قاعدته، ولكنه موطئ قدم مهم. وتعلم أن طبول حرب تقرع بحجة منع إيران من الوصول الى «نقطة اللاعودة» في برنامجها النووي، تؤججها اسرائيل التي تجد واشنطن صعوبة كبيرة في ضبطها، ولا تفعل إلا بوعدها، بأنها ستجد حلاً آخر للأمر، وإلا فستعود الى فكرة الحرب، فـ«كل الخيارات مطروحة» على ما يقول كبار المسؤولين الاميركان تكراراً.

وحين استخدمت روسيا والصين حقهما في الفيتو بخصوص سوريا، فقد فعلتا على ضوء كل تلك الاعتبارات والحسابات، وتخطيطاً لاعتبارات وحسابات مقبلة. وللتذكير يا فلان، وحتى لا تحزن أكثر، فهذا ما تفعله أميركا طوال الوقت: أنظر اللائحة الطويلة للفيتو الاميركي في مجلس الأمن وبالأخص حين يتعلق الامر بإسرائيل، وهذا مسلك يقبله الجميع اجمالاً تحت بند «الواقعية السياسية». انظر كيف نظموا قصف إسرائيل للبنان عام 2006، ثم في غزة بعدها بعامين. آلاف القتلى من المدنيين ودمار عظيم نجما عن ذلك. لن أذكِّرك بحرب أميركا على العراق ولا باستخدامها اليورانيوم المنضَّب. الحرب لا دين لها يا فلان. الحرب تكون سينيكية أو لا تكون.

واللحظة اليوم تكبل واشنطن وباريس ولندن لألف سبب. هم صعَّدوا الموقف، وشجعوا على الحسم. وتشاركوا (هم وحلفاؤهم المحليين) مع السلطة السورية في «التبشير» بقرب النهاية، كلٌ لمصلحته. ولكنك اليوم بتَّ تعلم انهم لا يملكون ما يمكنهم فعله أكثر مما فعلوا بخصوص سوريا. وأن تصويت الجمعية العامة المقبل، لو حدث، فهو رمزي وبلا مفاعيل. وأن فيتوات أخرى ستواجه مشاريع تقدم الى مجلس الأمن من جديد. اللحظة أمر مهم في التاريخ يا فلان.

ولكن ألا يوجد بديل لما تعيشونه اليوم من ترويع؟ لا يفوت ابداً وقت الدفع باتجاه توافقات، داخلية وإقليمية وعالمية. ينبغي ذلك رأفة بكم يا فلان. وكذلك حتى لا تتحول الحرب الباردة الى ساخنة، وحتى تخرجوا انتم مما انتم فيه بهذا القدر من الخسائر وليس أزيد. وهذا أيضاً يقع ليس تحت بند الحق والاخلاق، بل… الواقعية السياسية.

One Response to الجيوستراتيجيا مشروحة لفلان الحمصي

  1. ضياء أبو سلمى on February 23, 2012 at 3:09 pm

    “سيذكر التاريخ مزيج «اللحظة» التي أتاحت لدولة يصعب تبينها على الخريطة أن تستأسد (!). سيسجل الغفلة. ولعله يذكر، كدليل من بين غيره على دقة الموقف يومذاك، أن السفير الروسي لدى الامم المتحدة هدد بمحوها عن الخريطة لو تمادت.” من نص مقالة الشهال.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • حسن نصر الله …السورييون أكثر وطنية وعروبية منك

    بقلم:غازي دحمان لم يعد حسن نصر الله، زعيم “حزب الله” بحاجة إلى تورية لتغطية مشاركته في الحرب على الشعب السوري، التي يديرها حلف الممانعة، فالأمور تكشفت وباتت من الشفافية والوضوح […]

  • أرأيتم فعل الله في الأسد و نظامه المجرم؟

    ترجمة :ضياء أبو سلمى في احتفال ديني مهيب بمناسبة عيد الفصح لعام 2013 ألقى رجل دين مسيحي وهو من جماعة “مسيحيين من أجل اسرائيل” (Christians for Israel) الكلمة التالية وفيما […]

  • الدرع البشري, وجرائم الحرب

    الدرع جهاز أو وسيلة  يحنمي خلفها المقاتل ., فهناك درع ومدرعة  ودروع بشرية ,التي هي محط اهتمامي , سبب ذلك انحطاط هذه الوسيلة مقارنة بالدرع المادي أو المدرعة , وحسب […]

  • هل انتصر الأسد وانهزم الشعب

    بقلم: نيسرين عبود لايكف النظام  لحظة عن الاعلان المعاد  لألف مرة  عن انتصار الأسد  , أو بالأدق عائلة الأسد , ولطالما  تطور الصراع ضد الأسد الى حرب  تستخدم الأطراف  المشاركة […]

  • النازية وتدمير الهوية السورية

    علي فرات: لم تستطع الحقب المتراصفة منذ نهاية الحكم العثماني إلى اليوم أن ترسخ هوية وطنية سورية ثابتة تصمد لمتغيرات البلاد المنتظرة وغير المنتظرة… جاء الحكم الفيصلي بعقلية استمرار الحقبة […]