موت السياسة وحيوية العنف

دعونا نحلم , ماذا لو تطورت البلاد  بالشكل الذي كان عليها أن تتطور به بعد الاستقلال  ,وهل كان لنا أن نعاني مما نعاني منه اليوم؟  ,اذ نقف على أبواب حرب أهلية ..أو نتواجد في حرب أهلية ,هذا اضافة الى التأخر في مجمل المجالات , وما هو السبب الأكثر ترجيحا لهذه  الكارثة ولخروجنا من التاريخ ومن الأخلاق ؟؟؟

التاريخ يصف السنين الأولى بعد الاستقلال بكلمات جميلة   ,  وعند مراعاة عامل الزمن , تصبح هذه الكلمات أكثر جمالا ,  ..المجتمع كان أكثر حيوية ومدنية من جمهوريتنا الحالية في القرن الحادي والعشرين , لقد كانت هناك صحافة ..الأيام  ..  والقبس ..الخ  كانت هناك انتخابات  وبرلمان, وقد كانت هناك  كانت هناك رجعية وزعامات  وفساد  أيضا , الا أن كل أشكال التأخر والفساد لم تكن بذاك العمق والشيوع , التي هي عليه الآن .

بدأ التنكص بالعسكر و بحسني الزعيم وغيره وما بعده , الا أن الضربة القاضية التي  لحقت بالتطور  الاجتماعي الديموقراطي  في المشرق أتت من مصر بالغاء ناصر للأحزاب , ضربة  الغاء الأحزاب , التي وجدت من يقلدها في بلدان أخرى  , أدخلت الديموقراطية الاجتماعية في حالة سبات عميق  , ومع السنين ماتت  السياسة  تدريجيا , وموت السياسة هو العامل الفاعل لما نحن عليه وبه الآن .

الجنرال البرويزي كلاوزيفيتز قال .. الحرب هي امتداد للسياسة , ومقولته  هي من ناحية النتيجة صحيحة  , الا أن هذه المقولة  تفترض (الجنرال لم يفترض ذلك)  في هذه الحالة  تحول السياسة الى حالة عدمية , ولو قال ان الحرب هي  نتيجة وامتداد  لموت السياسة  وعدميتها  وغيابها ,  لكان ذلك أكثر صحة  وواقعية , فالسياسة, اضافة الى كونها فن التوصل  لما يمكن التوصل اليه , هي أيضا فن  التواصل  وفن  ادارة  تناقضات المصالح  , وتناقضات المصالح هو القاسم المشترك والشيئ    الثابت عند ا المخلوقات البشرية , ادارة التناقضات بنجاح يمنع   استخدام العنف (الحرب عند الجنرال الألماني) , فالعنف مبدئيا  ليس مزاجية , وانما نتيجة لغياب فن ادارة التناقضات  في المجتمع , وقرب المخلوق البشري من الحيوانية أو بعده عنها , هو أمر يحدده   وجود فن ادارة التناقضات  أو عدم وجود هذا الفن , الذي هو السياسة , وكلما كبر ونضج هذا الفن  , ابتعد المخلوق  عن طوره الحيواني , وكلما ضمر  وصغر هذا  الفن , اقترب هذا  المخلوق من طوره الحيواني  , السياسة تتوضع كحاجز  بين التناقض الطبيعي والعنف الطبيعي , وعدم حضور السياسة أو غيابها  يقود الى تلاشي الفاصل بين الاختلاف والعنف , حيث تصبح مهمة ادارة التناقضات  مسؤولية العنف .

اننا نعيش العنف في كامل صوره وأشكاله , ومن الضروري القول , ان العنف لايقتصر على استخدام العضلات في حل المشكلات , واستخدام العضلات هو من أتفه اشكال العنف وأقلها ضررا , العنف القاتل   هو العنف الذي  لايعترض طريقه  أي  من فنون السياسة , العنف القاتل هو العنف  الذي يتصدى للاختلاف دون حاجز السياسة القتيلة في بلدنا , عنف بلدنالايمثل  استثناء وانما هو القاعدة لكل شيئ , فالفساد  هو عنف ضد المواطن والوطن , والمادة الثامنة هي من أهم معالم العغنف ضد الحرية والمساواة ..  التخويف هو عنف  خبيث .. الاقصاء  والطائفية هي عنف ,واعدام السياسة  الاجتماعية وبالتالي انعدامها في السنين الأربعين السابقة  هوبمثابة   فتح الباب على مصراعيه لكل أشكال العنف , منها الاعتقال والسجن والاعتداء  على حصانة المواطن وخصوصياته …ولايخلو يوم من  حياة  مواطن الا ويكون بها  هذا المواطن اما ضحية للعنف أو ممارسا له , وفي كلا الحالتين  عنف ….سرقة المواطن من قبل أصحاب الامتيازات هو عنف , وجيش من مايسمى الأمن  المخابراتي  بكافة اسمائه وأشكاله و المؤلف من 250 ألف مخابراتي  هو عنف ضد المواطن  وليس ضد اسرائيل , ربع مليون من المرتزقة  تحارب  المواطن وتنهب الوطن منذ أربعين عاما ..أليس هذا من أبشع أشكال العنف ؟

وماذا ننتظر من العسكر  المتمنطق بقوة الرصاص والبندقية ؟ عسكر أفرغ مهنيا جمجمته من نبضات الفكر , وملئ هذه الجمجمة بقاذافت النار , وهل يمكننا أن ننتظر من العسكر الا الازدراء بالسياسة والغائها , وقد الغاها العسكر  ومحقها عن بكرة أبيها , وبدأ  هذا  العسكر في بلادنا بالبحث عن مبررات لهذا  الالغاء …هناك مبرر الصمود ..مبرر الهجمة الاستعمارية الشرسة .. ضرورة تحرير فلسطين ..اقامة دولة المجابهة .. واقامة دولة الأمن ,والحل الأمني  , وغياب السياسة  بفعل العسكر قاد الى عسكرة المجتمع ..الثورة المسلحة ..القناصة ..الذبيحة  والشبيحة . الاغتيال .. الاختطاف  والاعتداء  المتبادل  جيشا وشعبا ..عليهم جميعا يسيطر  شبح العنف  , الذي يحتكرحيازة  الحلول للمشاكل ..هذا يسمى في الوطن بكل فخر وثقة  الحل الأمني  وبالمقابل الثورة المسلحة .

وما هو شأن الأكثرية ,  التي يقال عنها انها صامتة ؟ انها  ليست صامتة لأنها لاتريد الكلام , صامتة لأنها فقدت بالفعل الديكتاتوري غريزة الكلام , الفعل الديكتاتوري أوقعها في حالة العقم السياسي , أخصاها…   قطع القضيب وأغلق الفرج ..أنضب هرموناتها  ولم تعد تشعر باللذة  أو الحاجة الى التواصل   , أفرغ عقلها   من فن السياسة, التي  أصيبت بالغيبوبة الكاملة ..انها غائبة عمليا , ولو لم تكن غائبة وفي حالة من الغيبوبة , لما استطاع العسكر الصول والجول عقود عديدة  , وحتى نصف  قرن , ولو لم تكن السياسة ميتة  لما بقي القذافي على الكرسي أكثر من أربعين عاما .

لم يقتصر الغاء السياسة والفعل السياسي   والمنظومات السياسية  والمجتمع السياسي  , وما ترتب على ذلك من  انفلات العنف  , على الحاق الأضرارالبالغة بالجتمع والمواطن والوطن , وانما أصبح العسكر ضحية فعلتهم , لقد انقلب السحر على الساحر , وهاهو العقيد  الذي الغى السياسة الغاء تاما , واعتبر شعبه على أنه قطيع من الجرذان  ينفق كالبعير في مجرى للقمامة  , ينال الرفس والدعس  واللطمات ويبصق في وجهه , ثم ينقل ماتبق  منه الى مكان مجهول في الصحراء, ولو كان لفن السياسة  أي وجود في دماغه لما أصر على الكرسي أكثر من أربعين عاما , ولو كان لفن السياسة أي تأثير على مسلكيته  , لكان بوسعه انقاذ ليبيا وانقاذ نفسه وأولاده من تلك النهاية , التي لايوجد أسوء منها , عنفه ضد الغير قاد الى  تطبيق  وسيلة العنف ضده …العنف  والحرب هو امتداد للسياسية “الميتة ” فقط , ومن لديه رغبة  لانقاذ نفسه ووطنه  , عليه  بمحاولة عكس مقولة الجنرال كلاوزيفيتز …السياسة هي امتداد للحرب  بوسائلا أخرى , هنا من الضروري أولاانعاش السياسة  المغمى عليها , وقد يتطلب الأمر خلقها من جديد  لأنها ماتت ..رحمها الله  وأطال من عمركم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *