مبدأ “الدويخة” والمواطن الدائخ

تبرهن التطررات في العالم العربي في نصف القرن الأخير  أهمية الدولة الحديثة  من ناحيتين , الناحية الأولى هي  هول كم وكيفية التأخر العربي النسبي والمطلق  تحت رعاية وقيادة عشائر وعائلات مسماة دول , والناحية الأخرى , كم وكيفية التوظيفات التي كانت ضرورية لازالة هذه العشائر والعائلات , وازالة بعض  رؤوس هذه المؤسسات العشائرية العائلية المسماة دول كلف لحدالآن  أكثر من 50 بليون دولار , هذا ماعدا التكاليف المنتظرة بسبب ازالة  تركات هذه المؤسسات  العشائرية العائلية , وماعدا تكاليف الدم  والدمار والخراب  التي سببته هذه العشائر والعائلات قبل أن ترحل ..والأمر لحدالآن  جزئي ..أي أن الموضوع يتعلق بثلاثة دول فقط  , ومابقي هو أضعاف  أضعاف هذه الدول الثلاثة .

لم تكن لمؤسسات العائلات والعشائر  نظرة علمية حول الدولة الحديثة , وهذه النظرة  مستحيلة  نظرا لبدائية هذه المؤسسات العائلية العشائرية , فقد كان على هذه المؤسسات رؤية الدولة  بوصفها  ” مجموع ادوات عقلنة المجتمع ” , ولتحقيق ذلك كان لابد من  مؤسسات  يشكل مجموعها الدولة , التي تحتكر قيادة هذه المؤسسات نيابة عن الشعب , الذي ينتخبها ديموقراطيا , والعمل نيابة عن الشعب  يلغي المصلحة الخاصة لكل مؤسسة من المؤسسات العديدة , وكذلك يلغي مصالح الأفراد الخاصة , وكلمة” خاصة ” تعني  تفوق هذه المصالح على مصلحة المؤسسة أو الفرد وسطيا .

انطلاقا من الحرص  على المجتمع  ومصالحه ككل , يجب  معرفة ان كانت هناك امكانية لاقامة الدولة الحديثة .أي استحالة أو عدم استحالة اقامة هذه الدولة , واذا قامت هذه  الدولة يجب  دائما  تقييم نشاطاتها ونجاحاتها ,أو فشلها , وهنا أريد القول , ان النجاخ أو الفشل لايقتصرعلى نظام دولة معين حصرا , وانما تعرف كافة الأنظمة المألوفة في العالم النجاح والغشل , فدولة رئيسها تنفيذي  قد تنجحخ أو تفشل , ودولة رئيسها صوري  يمكن لها أن تنجح أو تفشل , والدولة التي تلتنزم بمهامها  حصرا لاتتعرض للفشل , كالدولة التي لاتلتزم بهذه المهام , وعن الاستحالة  لاجدوى من الحديث المفصل , لأن الكثيرمن الكيانات والكينونات  العربية تم اختراعها  في عواصم أجنبية  بالقلم والورقة , كما هو حال سايكس – بيكو , حيث نالت  هذه الكيانات نوعا  من الشرعية الدولية  , وأصبحت واقع يجب التعامل معه كما هو.

بعد أن تأسست  هذه الدول وفشلت  بدون استثناء يذكر , يجب معرفة سبب فشلها , وهذه الأسباب كانت ولاتزال تتسم بالبدائية المطلقة المفرطة …أهم هذه الأسباب  هي توزيع المواقع السياسية  كاقطاعيات على المقربين والأصحاب والأزلام  وأفراد العائلة , ليس بقصد نيل الشرف  من خلال تحمل مسؤولية  سياسية مميزة , وانما  بقصد  وضع هؤلاء  على مراكز تمكنهم من ممارسة الفساد  الهادف  الى النهب الريعي , فالقرابة  من رأس السلطة العشائرية  وصداقته  والاستزلام له  هو كاف لتمنيعه  ضد أي محاسبة , الدولة الفاشلة هي دولة الامتيازات بامتياز , حيث تنقض عصابة السلطة العشائرية  العائلية على كل ماهو ممتاز ..تأكل أولا الأخضر  , واليابس لاينجومن شراهتها , ولكي يتم ذلك  بسلام وسكون  , يجب تقويض  كل مؤسسة يمكن أن تقف في  طريق الممتازين من فريق النهب , يجب القضاء على القضاء , يجب القضاء على السلطة  التشريعية  وكذلك  السلطة  التنفيذية , والسلطة الرابعة .., وهل بقيت سلطة من هذه الأربعة سليمة معافات في سوريا أو في أي دولة عربية ؟؟؟

لكي يتم القضاء على السلطات  الأربعة التي ذكرتها , يجب القضاء على  عدة أمور أخرى , من أهمها  القضاء على المشاركة السياسية , التي تراقب وتعاقب  وتحاسب  وتطالب , وهذا مايفقد الدولة  أي معايير  موضوعية في ادائها ..حيث لامراقبة ولا محاسبة ولا معاقبة ولا مطالبة , لانه لايوجد من يراقب ويحاسب ويعاقب  ويطالب ,لمؤسسة الرئاسة أعرافها الخاصة  , ولا علاقة لهذه الأعراف بالقانون المكتوب , فالدولة الفاشلة لاتعترف كثيرا بالمكتوب   انها مزاجية   تتكلم كثيرا عن التراث والثقة  والتضحية  والوفاء للقائد , الذي يفسد تارة , ويعد باصلاح ما أفسده تارة أخرى ..كل ذلك بدون أي سؤال  عن عواقب الافساد …دائما وراء شعار …وعفى الله عما مضى !!!الى الأبد وراء القائد !!

الدولة التي لاتريد الفشل , هي الدولة التي تعتمدعلى المشاركة السياسية , التي تنشط  العملية الانتاجية الاجتماعية والسياسية , التي تقوم بأكبر وأعظم الأعمال بدون أجر … والدولة الفاشلة , هي الدولة التي تحتقر المشاركة السياسية,  وكيف سيكون حال الدولة , التي لاتكتفي باحتقار المشاركة السياسية , انما تمنع بسلطة القانون  أو العرف  هذه المشاركة (المادة الثامنة ) , وتفرض على كل من يريد المشاركة عقوبات اسطورية …؟؟والمادة الثامنة ليست الا البرنامج الدستوري للقضاء على كل معارضة أو مشاركة فعلية ..انها المادة التي تفرخ من جهة الأذناب والذيول , ومن جهة أخرى السادة والسيادة …انها المادة التي تلغي البنية المؤسساتية الحديث للدولة , الكفيلة بتحقيق نوع من التغيير  والتطوير الاجتماعي  ,وتسمح بل تشجع تطوير كم المنهوبات والمسروقات  الى الأعلى والى الأكبر والأعظم .

ولكي يتم القضاء على المشاركة السياسية , لابد من القضاء على الحقوق العامة  كحق التعبير عن الرأي وحق التظاهر والتجمع , أو تلك الحقوق المتصلة بالامتيازات الشخصية للأفراد , كحق الترشيح والانتخاب , أو تلك المتعلقة بحصانة الفرد واحترام خصوصياته ..مثلا المراسلات  وممارسة غريزة الكلام بدون مراقبة , فالدولة الناجحة لاتفتك بنعمتها , التي تأتي من المشاركة , والدولة الفاشلة هي التي تفتك وتخرب نعمتها  وتحولها الى نقمتها , هي الدولة التي تضع على كل فم كمامة ’, هي الدولة التي تمسخ الانتخاب الى استفتاء , هي الدولة التي تعين مايسمى منتخبين ..نصاب البعث وأذياله يجب أن يفوق 50% من اعضاء مجلس الشعب , وذلك بغض النظر عن ارادة الشعب , ومهما كانت نتيجة الاستفتاء  عمليا , فهي 99,99% رسميا لصالح من تم انتقائه من القيادة القطرية سلفا , والقيادة القطرية تنتقي من انتقاها …وهذا هو مبدأ “الدويخة”, المبدأ الذي يدوخ المواطن , الذي لايعرف من  أين تأكله السلطة  وتبتلعة وتطرحه كبراز .الانسان هو براز الديكتاتور  هو الجرذ أو الجرثوم , وماذا  يفعل المناضل الديكتاتور مع الجرذان والجراثيم ؟؟القضاء عليها !!

الدولة الحديثة , التي تريد النجاح , هي الدولة التي تعتمد  الديموقراطية , كأساس لبنائها ومسلكيتها , هي الدولة التي تحصن الفرد ضد تجاوزاتها , هي الدولة التي تمنع شخصنة السلطة وأبديتها .., ومن يفكر في اللحظة السورية , يجد الكثير من مؤشرات ومعالم وعوامل الفشل التي ذكرتها باختصار شديد  , وما   قامت به السلطة في نصف القرن الماضي لايمثل الا الطريق الحتمي الى الفشل , الذي نحن بصدده في هذه الأيام المظلمة .

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *