ليس دفاعا عن أحد.3 ملاحظات عامة حول كتابات بعض الزملاء الأعضاء في “سيريانو”

3 ملاحظات عامة حول كتابات بعض الزملاء الأعضاء في “سيريانو”، مأخوذة عن مقالة قيد الكتابة يكتبها رياض متقلون بعنوان “ليس دفاعا عن أحد”  وهي نتاج نقاشات طويلة جرت بيني و بينه حول هذا الموضوع.

1)      “لا موضوعية:
في بعض مقالتهم النقدية للنظام في سورية بشكل عام ثمة “تحامل” و”لا موضوعية” صارخة أحيانا، ولكن الأهم أنهم و بدلا أن يكتبوا نقدا متماسكا حول موضوع معين وكل نقطة على حدا وما يقابلها من أفكار مضادة فأنهم يرمون بأكوام من النقاط والأفكار كمن يأتي بكميون (شاحنة قلاب) ثم يفرغون كل ما عندهم حول كل شيء إن كان له علاقة بالموضوع قيد البحث مباشرة أو غير مباشرة. وإذ كنت شخصيا ممن يؤمنون أنه لا يمكن فصل شيء تماما عن أي شيء أخر إذ كل شيء مرتبط بعلاقة عضوية وعلاقة جدلية من تبادل التأثير والتأثر فإن الطريقة المتبعة هذه فيها نوع من نهج التفكير العربي المعروف في تراثنا من الاستطراد والإسهاب (كما في “ألف ليلة و ليلة” مثلا) و تشبيك الأمور على طريقة  “الحكواتي” أوالحلاق في تراثنا الوطني القديم الذي يكون يقص شعر أحد الزبائن فجأة ينتقل الى اقتلاع أسنان زبون أخر أو “طهور” أحد المواليد. نحن بأمس الحاجة الى النظر الى خطابنا ومحاولة نقده بموضوعية و تصحيح ما أمكن لأنني أعتقد جازما أننا كلنا- نعم كلنا لا أستثني أحدا ولا حتى نفسي- بحاجة الى التصحيح لأننا مازلنا  نتأثر بتراث ثقيل على كواهلنا ونحتاج لا أن نرمي به جانبا وإنما علينا التعامل معه بعين ناقدة فاحصة تعزز الايجابي منه وتتخلص من السلبي.
مما لا بد من الإشارة إليه أن ثمة تجارب شخصية تؤثر على هذه المواقف والأفكار والانفعالات والتي في غالبها تنبع من حقائق إنسانية لا يمكن تجاوزها بسهولة –الإنسان إنسان لا يمكن  تجاوز إنسانيته بكل ما لها وما عليها – ولكن لا بد من الخطاب العقلاني في موضوع النقد وإلا فقد قيمته النقدية والتقيمية ويجب إخراجه من الفعل و ردود الأفعال وألا لن نخرج عن نطاق تكرار نفس التجارب الإنسانية المرة وغيرها.

2)      المثالية السياسية:
 وأقصد أننا ننقد النظام السوري أحيانا ونطالبه بما لا يستطيع أي نظام سياسي أخرمهما يكن أن يحققه ناسيين أن الأمور محكومة بظروف جيوسياسية و ظروف خارجية وداخلية و تاريخية و نفسية وثقافة شعب له مبررات ومعطيات تاريخية طويلة عمرها قرون إن لم نقل أنها ألف من السنين أو حتى أكثر. الكثير مما ننقده له معطيات بنيوية غير مرتبطة حصرا بالنظام أو أشخاصه أو رموزه (هذا لا يعني أن ثمة أشياء كثيرة جدا ليست جديرة بالنقد ولا مجال لنفيها أو التعمية عليها) وإنما هي وليدة الوضع العام في المنطقة من تآمر على بلادنا المؤامرة التي لا يمكن إنكار وجودها في تاريخنا القريب والبعيد؛ التآمر لا يمكن استبعاده في فهم أي شيء في شؤوننا العامة لأنه في نهاية الأمر إن اتفاقية “سيكس- بيكو” (Sykes-Picot)  شكلت وجه بلادنا الحالي وأن جزءا مقدسا من بلادنا(فلسطين) جاء جزءا من هذه الاتفاقية بعد “وعد بلفور” (Balfour Declaration ) الذي بموجبه اغتصبت فلسطين ومنحت لمن لا يملك ولمن لا يستحق عدا طبعا عن مؤامرة غزو العراق واحتلاله بحجة أسلحة دمار الشامل لم يعثر لها على أثر. المؤامرة على سورية قديمة جدا وليست نتاج القرن العشرين وما تلاه فقط وأضرب مثالا أن المؤامرة دخلت حتى مستوى المصطلحات ومنها المصطلحات الجيوسياسية مثل مصطلح الشرق الأوسط (طبعا حاليا يتحدثون عن الشرق الأوسط الجديد) والشرق والمشرق (Levant) وآسية الصغرى وجنوب شرق آسية وشمال أفريقية..الخ. يجب القول أنه لنا كل الحق في عد أصابع أيدينا بعد كل اتصال أو مصافحة نجريها مع أحد من الغرب. في ذات الوقت علينا التنبه أنه لا يمكننا أن نعمم نظرية المؤامرة على كل شيء في حياتنا العامة والخاصة ولذلك أنا أرفض أن نحمل فرشاة دهان “المؤامرة” و نطلي بها كل شيء لئلا نغيب ونغترب (alienate) عن العقل ونطلّقه طلاقا مبرما  (أكثر مما حالنا الآن) ونستكين الى تصنيف كل شيء على أنه مؤامرة ولكن وفي نفس الوقت لا بد من أخذها بعين الاعتبار و لابد من الحذر والمنطق لئلا نقتل الفعل الإنساني في مهده.

3)      الفردانية “البدوية”:
طاغية جدا ليس في روح المناقشات والمواقف فقط بل وحتى في المصطلحات والسلوكيات فمثلا وبدلا من التواضع و كتابة تعليق أو رد على فكرة واردة في مقالة يسارع أحدهم الى إنشاء مقالة جديدة تماما (أعتقد لا حاجة لأمثلة لأنها واضحة وأكثر من أن أوردها هنا صارت معي شخصيا) جلها انفعال و تهجم بدلا من التواضع سعيا للحوار واكتساب وتبادل المعرفة. وفي حين شكلت الروح الفردانية (individualism) منطلق روح عصر النهضة الأوربية وصولا الى عصر التنوير (Enlightenment) فأن الفردانية السائدة بين جل مثقفي بلادنا تأخذ شكلا كاريكاتوريا فهي لم تخرج تماما من الروح العشائرية القبلية الطائفية ولم تدخل في مؤسسة “الدولة” ولا حتى أحيانا في مفهومها وفهمها. لو أسقطتنا الفردانية بصريا (أي بتشكيل بصري) لتجلت ربما في شخص يلبس “غالابية” أو “عباءة” ووضع “غرافيت”(ربطة عنق أوربية) أو “بابيونة” وهو يحاول حضور عرض “أوبرالي” في حين أن شحطات القوس على أوتار الربابة “معشعشة” في تلافيف الدماغ. (أرجو أن لا يبدأ التهجم علي دفاعا عن الربابة ضد الأوبرا لأنه في نهاية الأمر الربابة تطورت تاريخيا (evolve) وأصبحت كمان أو فيلونسيل أو فيولا كما تطورت الكلافيسان أو كلافيكورد الى البيانو).
صفة البدوية يجب أن لا تثير أية حساسية لأن كل المجتمعات البشرية مرت بالحالة البدوية كمرحلة في تاريخها أما نحن فلأسباب مختلفة (ثقافية وجغرافية هذا إذا لم نضيف سياسية أيضا) مازلنا نستوطن وتستوطننا هذه المرحلة ونصر على البقاء فيها وبل ونمجدها وأحيانا نسعى الى تكريسها أبديا في حياتنا العامة على أنها “تراث” يجب الحفاظ عليه وطنيا و ثقافيا وللأسف حتى دينيا.

ضياء أبو سلمى.

2 comments for “ليس دفاعا عن أحد.3 ملاحظات عامة حول كتابات بعض الزملاء الأعضاء في “سيريانو”

  1. chafik al rafik
    November 4, 2011 at 5:59 pm

    موضوع التحامل هو أمر نسبي , ولا شكط بوجود بعض اللاموضوعية في كل محاكاة فكرية , الموضوعية تولد موضوعية واللاموضوعية تولد لاموضوعية ,لا شك في اصابتك بالتشبيه “بالقلاب” , وقلب الكومة ..ولا أجد مفكرا مرموقا في العالم , الا وقلب الأكوام على نقيضه , وأنا وأظن غيري أيضا لسنا من محترفي الكتبجية , لذا بعض الرأفةجيد .. مانجده عند الكثيرين لايتعدى محاولات للتفكير , بعضهايتعثر , وبعضها ينجح بعض الشيئ … وبعض الشيئ أفضل من اللاشيئ , وأفضل من افراغ العقل والانصياع ثم ممارسة الببغاوية . أما عن المثالية السياسية , فهي تعبير عن عدم الخبرة , التي لم تسمح لها السلطات العربية بالحدوث والتفاعل ..اننا منفعلين كثيرا , وفاعلين قليلا , ونقدك في محله .

    وعن المؤامرة …انها اشكالية مرة كالعلقم , ووجود المؤامرة لايبرر تأخير تقدم المجتمع واضعافه , وجود المؤامرة هو من أوجه الأسباب للعمل على التقدم واحراز القوة , وهنا لي ملاحظة بسيطة حول القوة وتفسيرها اللاشعوري من قبل الأنظمة العربية , قوة الأنظمة لها علاقة صميمية مع مقدرة السلطة على الازمان على الكرسي ..لذا نجد في البلاد العربية ملوك ورؤساء يجلسون على الكرسي أزمنة اسطورية …ثلاثين ..اربعين ..أو حتى خمسين عاما , , وعندمايحدث ارتجاج ما تنفرط المسبحة ..لقد قيل ان الشعب العراقي صوت 100% لصدام والشعب الليبي نفس الدقة !!!!! , والأنظمة الأخرى لم تكن غير ذلك …, 100% تأييد تحول بفعل الحبوب المهلوسة الى حوالي 0% …من يهلوس حقا ؟؟؟,
    لا أستطيع موافقتك على أن عد الأصابع ضروري بعد مصافحة غربي , وقد صلحت الأمر في اسطرك الأخيرة مشكورا …لابد من الحذر ولا بد من المنطق , وعد الأصابع ليس حذر ولا منطقية به, وانما هو نوع من الهوس , اعذرني لاستخدام هذه الكلمة , فلم أجد أكثر منها تناسبا مع ماقصدته .
    والربابة …ما أحلى الربابة !!, الا ترى معي على أنه لاعلاقة لمشاكلنا مع الربابة , وانما حصرا مع الدبابة …موضوهك قيم ويجب قراءته عدة مرات …وكم أكون شخصيا سعيد لو شاركنا الدكتور رياض متقلون أيضا في نقاشاتنا , فمن خلال ذلك سنكبر ونصبح أكثر معرفة وعلما وخبرة ,وبالتأديد أقل ولدنة..لك شكري مرة أخرى على المقال الجيد

  2. ضياء أبو سلمى
    November 4, 2011 at 6:42 pm

    أثناء كتابة أفكار النقطة الأولى نسيت ذكر مقولة (quotation) ذكرها أستاذي رياض متقلون أثناء نقاشنا و فيها يقول الفيلسوف وعالم الرياضيات الفرنسي المعروف هنري بونكاريه :” يتكون العلم من الحقائق العلمية تماما كما يتكون البيت من الأحجار ولكن تراكم الحقائق العلمية فوق بعضها البعض ليس علما تماما كما أن تراكم الأحجار فوق بعضها البعض ليس بيتا.” إذا المعنى المقصود هو كيفية ربط الحقائق بعضها ببعضا وليس إلقاءها متراكمة لأن الربط هو ما يشكل العلم والنقد.

    Henri Poincare, the French mathematician and philosopher, once said: “Science is built up of facts, as a house is built up of stones; but an accumulation of facts is no more a science than a heap of stones is a house.”

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *