الطريق المسدود والأمل المفقود

لكل فئة  أو جماعة  طريق  وأمل ,وما هو حال طريق وأمل مسيحيو سورية؟

حتى قبل سنوات لم يكن هناك  فئة معروفة تحديدا  بمسيحي سورية ,ابناء هذه الطائفة كانوا موزعين ,كل حسب قناعته, على مختلف التيارات السياسية والفكرية  ,فقد كان هناك الشيوعي والسوري القومي والبعثي …الخ ,وفي سياق التوظيف الطائفي لخدمة السلطة ,ارتكست باقي تقوقعا  ,اذ اندحر الانتماء السياسي والفكري لصالح الانتماء الديني الطائفي , ضمن تطور لم يكن له أن يحدث ,وليس من مصلحة البلاد العليا  حدوثه .الآن  هناك تقسيم جديد  نسبيا (التقسيم الطائفي موجود منذ قرون ,الا  أنه لم يكن بتلك الحدة   قبل مئة عام  مثلا ),لقد  تبلور  منطق الاخونجية بشكل أوضح ,هناك اخوان السنة والاخية العلوية  والاخوان المسيحيين  ,والفئة الوحيدة التي حافظت على طابع  أرقى هي الفئة الكردية … هناك الكردي الشيعي  والكردي السني والكردي الآشوري…الخ

نسبة الطائفة المسيحية في سوريا كانت حوالي٢٠٪عام ١٩٤٥ ,وأصبحت اليوم أقل من١٠٪ بكل تاكيد ,اذ لاتوجد احصائيات موثوقة في هذا الخصوص ,على أي حال هناك  أيضا أسباب أخرى لتناقصهم النسبي ,منها نسبة الولادات  وغير ذلك ,الا أن أهم عوامل  تناقصهم النسبي والمطلق   كان تنكصهم السياسي  ,ان كان  بشكل سلبية سياسية كما هو الحال في مصر ,أو بشكل  نفعية سياسية خاطئة ,كما هو الحال في العراق ,والنموزج السلبي المصري بحاجة الى تحليل مستفيض يجب معالجته بشكل منفصل  ,اما النفعية الخاطئة فهي الأكثر  قربا من الواقع السوري الذي نحن بصدده  وبصدد علاجه . والأمر العراقي يمكن تلخيصه  بالشكل التالي:مسيحيو العراق  انحازوا الى صدام ,وبذلك تقاسموا معه السراء والضراء  ,انقرض وانقرضوا معه , زال  وهم في طريقهم الى الزوال معه ,أخطأ وأخطؤا  معه ….كل ذلك مع وجود فرق كبير بينهم وبينه ,انهم ملايين   وسلطته سلطة اشخاص  يمكن عدهم على الأصابع , لذا فان وقع زواله ليس كوقع زوالهم ,فزواله نعمة وزوالهم نقمة عليهم وعلى البنية الشعبية العراقية  والمجتمع العراقي .

من أبسط المعارف في العراق  وغيره من دول العالم  هي عدم امكانية أبدية حكم ديكتاتوري  وحتمية زوال حكم من هذا النوع , وفهم هذا الأمر البسيط بقي مستعصيا على مسيحي   العراق  ,أخضعوا نفسهم الى مسيرة انتحارية معه ,وكان ماكان  من اندثارهم وانحدارهم وانحسارهم , وهذا هو مصير من يراهن  على الضعيف الشرير   المنتهي المندثر ,هذه هي نتيجة لتجاهل الواقع ,وكأن السياسة ومصير الشعوب أصبحوا  كعلاقة  حب  وغرام مع صدام .

ليس من شك  ,على أن السياسة يجب أن ترتكز  ليس فقط على قواعد المصلحة المادية الدنيا ,وانما  على الالتزام ولو جزئيا  بالعامل المعنوي الأخلاقي   ,فمن أجل  أجل نصرة الحق يجب ممارسة البذل  ,حتى بالغالي والرخيص ,الا أن مصير الشعوب  أمر آخر ,أمر لايجوز التطاول عليه  من قبل أشخاص  أو أفراد ,وقد حدث نوع من هذا التطاول في العراق,تطاول من قبل أفراد على مستقبل شعب .

الوضع السوري مشابه في خطوطه العريضة ,وخطوط الأخطاء العريضة مشابهة, هنا  يبدو وكأن الطريق مسدود والأمل مفقود  ,لذا سيكون المصير  مشابه ,ولا فائدة للمسيحيين من التنويه الى أصالتهم, ثم تبرير الكثير من  التطورات بوهم اشكالية   صراع حضاري  بين الاسلام والمسيحية  ,ثم تبني نظريات المؤامرات  , اذ يقال  :اينما يحل الأمريكان يحل نزوح المسيحيون ..في العراق وفي فلسطين   ,متناسين  وجود أكثر  من  ٨ مليون سوري في المهجر ,أكثرهم من المسيحيين ,وذلك دون احتلال  أمريكي  أو اسرائيلي لسسورية .

يقال  أيضا ان من أسباب الانحسار المسيحي في الشرق تفاقم تطرف الحركات الاسلامية  الأصولية السلفية ,التي تريد العيش وحيدة في دار الاسلام ,وهذا صحيح بشكل ما ,الا أن هذا التطور  هو نتيجة لفشل التيارات المدنية  في الوصول الى مراكز  السلطة أو التأثير الفعال عليها  , وفشل هذه التيارات في ابراز  نفسها كبديل عن الديكتاتوريات,وقد كان للمواطن في النهاية  أن يختار بين أمرين ,اما  الديكتاتورية أو الأصولية ,ونظرا لاجرام الديكتاتوريات   وعدم تمكنها من تحقيق أدنى حد من تطلعات  الفرد والمجتمع ,ذهبت الجماعات  الى الأصوليات  منتظرة منها الرجاء بعد أن خذلتها الديكتاتوريات  وقضت على آمالها واحلامها قضاء مبرما .

التطور بالاتجاه الطائفي  ورؤية كل شيئ من هذا المنظار الطائفي  قاد الى اعتبالرات مريبة ومعتمة ,الاستعمار الغربي   أصبح استعمارا مسيحيا ,وبالتالي فكل مسيحي شريك في هذا الاستعمار ,وكل حركة محافظة  أو متدينة بعض الشيئ  اصبحت  اسلامية اصولية  ,حتى العروبة اصطفت في صف الاسلام ,وذلك بتقبل ورضى من قبل التيارات الدينية  ,التي مسخت  الفكر العروبي القومي واحتلته  واستوطنت في  قلبه وقشره , وبذلك لم تبق الا  الطوائف  ,ومسيحيو سورية شاركو مؤخرا  بكل نشاط في استتباب أمر هذه التقسيمات القاتلة  للدولة الحديثة والمجتمع المدني .

اليوم يصطف الكثير من المسيحيين في سورية  خلف السلطة  ,قائلين ..السلطة على علاتها  أفضل من الاخونجية  ,متناسين  كون السلطة بشكل  أو بآخر  أيضا اخونجية  وهم أنفسهم أيضا  اخونجية ,وسلطة صدام كانت كذلك  والعراق كسورية  ولربما مستقبل سورية  أيضا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *