انهيار القذافي وسلطته , خلق وضعا جديدا , الانهيار حرر الغرب جزئيا من التزاماته الحربية في ليبيا , وبذلك أصبح “نظريا” في وضع يمكنه من التدخل عسكريا في سورية , كما أن السلطة السورية أمعنت في تعنتها واصرارها على الحل الأمني وممارساته..ازداد عدد القتلى , وازداد التخريب والاستقطاب , ومعظم الطرق أصبحت وحيدة الاتجاه …حيث لاعودة, الوضع السوري بتطور باتجاه ..اما قاتل أو مقتول .. كل ذلك خلق وضعا جديدا وأفكارا جديدة , هدفها جميعا ,بالرغم من اختلافها وتباينها, انهاء وحل الأزمة , ومن معالم التفكير القديم-الجديد ,تبني فكرة التدخل العسكري الغربي ,لأن الوضع لم يعد يطاق ؟, أو لأن ذلك هو الحل الوحيد المتبقي ؟؟
الحراك العربي , الذي بدأ في مطلع هذا العام , لايمثل فقط وسيلة تغيير , وانما طريقة تفكير وتعامل جديدة , خاصة في تونس ومصر , حيث النهج السلمي المدني وتحييد الجيش ,والحراك بشكل عام هو أيضا تظاهرة ضد العنف السلطوي , ومن يريد المدنية والديموقراطية لايستخدم العنف والوحشية , حتى ولو كان الخصم ديكتاتوري متوحش , الحراك الذي أراد ازالة المتوحش , أراد أيضا التأكيد على حضارات لاتعرفها النظم المتوحشة , التي امتهنت العنف الذي تجيده بامتياز , انها حضارة السلمية المدنية
من هنا يمكن القول , ان للحراك أهداف عدة ….منها القضاء على النظام البائد , ومنها أيضا تمرين الشعوب على ممارسة منهجية مدنية سلمية , واذاحدث العكس بعد هزيمة النظام , أي اذا وجد العنف استعمالا من قبل الحراك , فسيكون مكتسب الشعوب قليلا ..عنف ذهب , وأتى مكانه عنف آخر .
اضافة الى تحقيق ازاحة الأنظمة , وتقديم الأمثولة المدنية السلمية التربوية , هناك عامل حضاري آخر , وهذاالعامل يتضمن التنكر لمبدأ الغاية تبرر الواسطة , فالنظم الوحشية شرعنت وحللت استخدام أي وسيلة من أجل الوصول الى أهدافها, وهذا مايجب رفضه , اضافة الى ذلك يجب على الحراك ممارسة التفكير الموضوعي الرقمي الحسابي بالخسائر والأرباح , فما هي كلفة التدخل الخارجي انسانيا واقتصاديا؟؟؟ , ثم ان ضرورات وامكانيات التدخل الخارجي ودوافعه الخارجية والداخلية , تختلغف من دولة لأخرة , ولا يمكن مقارنة ليبيا البترولية بسورية الزراعية , فالوضع الليبي يسمح تقنيا بالتخل , الذي أودى بحياة مايقارب عن 50000 انسان , كما أن فداحة وهمجية السلطة الليبية لاتقارن بهمجية وفداحة السلطة السورية , والوضع في ليبيا ليس طائفي ولا علاقة له بالأقليات , بينما الوضع السوري متشنج طائفيا , وعواقب انهيار السلطة في سورية ستكون مختلفة جدا عن عواقب انهيار القذافي , الوضع السوري أكثر تعقيدا ,وأصعب حلا !
لما كان أول أهداف الحراك هو تأكيد المدنية والديموقراطية , وجب على هذا الحراك أن يكون “شعبويا” , وأن يشمل أكثر أطياف المجتمع , ليس بالقول فقط , وانما بالفعل , وأسلم طريقة لزيادة “شعبوية ” الحراك , هي خفض مستوى القواسم المشتركة بين أطياف الحراك , رفع مستوى هذه القواسم سيقود الى غربلة بعض الأطياف وعزلها , وأظن جازما على أنه بمقدور عنوان “سلمية ومدنية” جمع أكثر أطياف المعارضة حوله , أما عنوان “جهادية عنفية عسكرية دينية ” فلا يستطيع توحيد أطياف كثيرة حوله , وانتصار خيار التسلح في هذه الحالة ,سيخرج الأغلبية العظمى من الأطياف من دائرة الصراع , وسيحولها الى أطياف متفرجة , أو يدفعها الى الصمت وتجاهل مساوئ السلطة , ثم الى التنازل عن بعض الأهداف , التي منها ازالة السلطة,.أي الى تحييد هذه الأطياف , والحياد يعني بالنسبة للسلطة التأييد ,وهذا ماحصل بالواقع في سورية , وقد يقود تطرف العنف ليشمل التدخل الخارجي الى نتائج أسوء , فقد تنقلب بعض الأطياف من الصمت والحياد الى الالتفاف حول السلطة ومآزرتها , لأن الموضوع أصبح موضوعا آخر , حيث لايمثل تهديم وتخريب الوطن بواسطة حرب أهلية مقرونة بتدخل خارجي , خيارا ذو أفضلية , حتى ولو بقيت الأمور كما هي , وحتى لو لم تلغى المادة الثامنة .
عنف بعض تيارات المعارضة , الذي بدأ اسبوعين بعد الانفجار منتصف آذار , هو الذي قاد الى تفكير البعض بضرورة المناداة بخيار التدخل الخارجي , فمن المعروف على أن العراك العسكري مع السلطة سيقود ,في الوضع السوري, الى انتصار السلطة عسكريا , وذلك لأسباب عديدة ..منها وضع الجيش ..الخ , انتصار السلطة عسكريا لايكون الا عن طريق استخدام المجازر والتعسفية , ووقوع المجازر سيقود الى تحرك دولي , والتحرك الدولي قد يتطور الى الاقرار بضرورة التدخل العسكري , أي الى تخريب الوطن نهائيا , والى مجزرة أكبر وأعظم والى خسارة فادحة لاتقارن بالخسائر الحالية , ففي ليبيا قاد التدخل الخارجي , الذي أعتبره في الوضع الليبي ضروري , الى مقتل حوالي 50000 انسان , أي حوالي 1% من سكان ليبيا , والأمر سيكون في سورية ,نظرا الى التكاثف السكاني في بعض المدن , أفدح بكثير ..الموت سيكون من حظ حوالي 2% من الشعب السوري , أي ان ذلك سيقود الى افناء حياة نصف مليون سوري , وللأسف يوجد عند البعض نوعا أكثر كارثية من الحسابات , فالعرعور لايرى أي مشكلة في القضاء على 30% من سكان سورية , العرعور يقصد هنا القضاء على 30% من سكان سورية الغير سنيين , شيغي ..مسيحي ..أرمني ..اسماعيلي ..درزي ..كردي ..فالى جهنم وبئس المصير ..هذا هو العرعور !, كيف يمكن لانسان عاقل أن يضحي بحوالي 7 مليون سوري , لكي يتمكن العرعور من ارساء قواعد الاسلام في الحكم والحرية والديموقراطية .. فقدان العقل في رأس العرعور , لايعني على أن رؤوسنا أصبحت بدون عقل , ومن يدافع عن التدخل الخارجي بحجة حقن دماء الأبرياء , انما يروج الى ارهاق دماء الملاين من أفراد الشعب السوري .
لايقتصر التدخل الخارجي المقرون تلقائيا بالحرب الأهلية على تدمير حياة الملاين , وانما يتعدى ذلك الى مضاعفات اضافية ..منها النزوح ..هذا بغض النظر عن التدمير الكامل للبنى التحتية , والنزوح ليس فقط الى الخارج ..حيث نزح أكثر من 3 ملاين عراقي , وانما في الداخل ,وعدد النازحين داخليا يعادل 3 ملاين , نزوح عدد مشابه في سورية سيقود الى رفع نسبة العرب من النازحين في العالم من 25% الى حوالي50% ,احصائيا ومعنويا من وجهة نظر عالمية مهم , عمليا الى أين سينزح السوريون , وما هي نتيجة نزوح مليون سوري الى لبنان ..؟ حرب أهلية في لبنان , وماهي نتيجة نزوح مليون سوري الى تركيا ؟؟احتلال تركيا لأجزاء من سورية ..والأمر سوف لن ينتهي عند هذا الحد ..سيجري تقسيم سورية الى دويلات ..تتناحر مع بعضها البعض الى أمد غير معروف .
كل ماقيل بخصوص نقد التدخل الخارجي والعسكرة بشكل عام يعتبر الآن هامشي , فالأحداث على أرض الواقع تتطور باتجاه آخر, وهذا الاتجاه هو للأسف الحرب الأهلية
