التاريخ لا يُعيد نفسه , ولكن عندما تحدث تشابهاتٌ قويةٌ بين حالة راهنةٍ , وحالة ماضيةٍ نُطلق تلك العبارة . ولأن الولايات المتحدة الأمريكية تحاول منذ انتهاء الحرب الباردة ( 1991 ) أن تفرض ( السلم الأميركي ) على منطقتنا , فإننا لابد أن نعود بالذاكرة إلى ( السلم الروماني ) .
نشأت روما في أعقاب امبراطورية الإسكندر الكبير منذ نهاية القرن الرابع قبل الميلاد . وبدأت تتمدد في جنوب وغرب أوروبا , ثم ما لبثت أن حطمت قرطاجة الفينيقية المنافسة لها في التجارة.
ثم اتجهت جنوباً لتدخل بلاد الشام (67) ق.م ,ومن ثم مصر وشمال إفريقيا . فغدا البحر الأبيض المتوسط بحيرة رومانية , وفرضت ما سمي بالسلم الروماني الذي دام حوالي سبعة قرون , إلى أن أخرجها العرب المسلمون بشقيها الشرقي والغربي حوالي (640)م .
ومن المفيد أن نذكر بعض أوجه الشبه بين الامبراطورية الرومانية والامبراطورية الأميركية .
فالرومان استعاروا العقل الإغريقي ( الحضارة الهيلينية ) والأمريكيون استعاروا العقل الاستعماري البريطاني .
كلٌ من الإمبراطوريتين كانت أقوى قوة عسكرية في زمانها .
قَدِمت روما إلى المنطقة فأخرجت السلوقيين من سوريا والبطالمة من مصر , وهم ورثة الاسكندر الكبير .
قَدِمت أمريكا إلى المنطقة في أعقاب الحرب العالمية الثانية فأخرجت الإنكليز والفرنسيين .
الرومان لم يكن ينافسهم في العالم سوى الامبراطورية الفارسية , ولكن عرفوا كيف يحجمونها عسكرياً وسياسياً واقتصادياً , كذلك فعل الأمريكيون مع الاتحاد السوفييتي السابق .
الرومان اعتمدوا على القوة العسكرية المفرطة في فرض سيطرتهم , وقمع الانتفاضات التي كانت تحدث هنا وهناك , كذلك فعل الأمريكيون .
اعتنقت روما المسيحية في القرن الرابع الميلادي بعد أن اضطهدت المسيحية منذ نشأتها .
أمريكا منذ استقلالها (1776) اضطهدت اليهود , ثم مالبثت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية أن اتجهت نحو المسيحية الصهيونية , فغدا العهد القديم أكثر أهمية لدى مفكريها وساستها من العهد الجديد .
روما اعتمدت على القوة العسكرية المباشرة , ثم على وكلاء , , ثم على وكلاء وحلفاء .
فهل هذا ما تفعله أمريكا الآن ؟ هل تريد حلفاء إلى جانب الوكلاء ؟
من يقرأ تقرير ( بيكر هاملتون ) الذي قُدِّم إلى مجلس الشيوخ الأمريكي عام (2007) عقب الإخفاقات الشديدة للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط , قد يجد جواباً على ذلك .
إنهم يبحثون الآن عن حلفاء , فالوكلاء لم يعد بمقدورهم وحدهم أن يحققوا ( السلم الأمريكي ) في المنطقة , كي يتحكموا بالبترول خصوصاً لمنع قيام دول عظمى مثل الصين والهند والبرازيل وجنوب إفريقية حتى أوروبا التي تسعى جميعها إلى تعددية قطبية تلغي هيمنة النظام الأحادي العالمي .
أما الروس فإنه بالرغم من عدم احتياجهم إلى البترول إلا أنهم يسعون إلى التعددية القطبية لإدراكهم أنه من المستحيل العودة إلى نظام الثنائية القطبية الذي كان سائداً إبان الحرب الباردة . ولا يقبلون بأي حال أن تكون منطقة الشرق الأوسط معادية لهم أو حكراً على الغرب , لأنهم يعتبرونها من ضمن مجالهم الحيوي .
أما أوروبا التي تحاول الخروج من تحت المظلة الأمريكية التي أُجبرت على الاحتماء تحتها بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية , فإنها ومنذ انتهاء الحرب الباردة تحاول أن تتلمس طريق وحدتها الاقتصادية والسياسية , رغم العثرات الداخلية والخارجية الكثيرة .
إلا أن حلم العودة إلى الدور الاستعماري الذي كانت تلعبه طيلة القرنين المنصرمين , لازال يراودها , ولم تزل تنظر إلى الجزء الجنوبي من حوض البحر الأبيض المتوسط على أنه الحديقة الخلفية لها , كما أن أمريكا اللاتينية هي الحديقة الخلفية للبيت الأبيض الأمريكي .
أما إسرائيل فبالرغم من أنها الحليفة الأولى للغرب عموماً وأمريكا خصوصاً , فإنها تلعب وفق أجندتها الخاصة كلما أُتيحت لها الفرصة لذلك , وهي تعيش هاجس البقاء .
بعد أن فقدت دورها المركزي بالنسبة للغرب منذ انتهاء الحرب الباردة , والتي حاولت الاستعاضة عنه بتضخيم دور الجماعات الإسلامية المتطرفة , والتي كانت على الأغلب هي الداعم الأساسي لها .
وهم يخشون الآن من أن يفعل بهم ( السلم الأمريكي ) ما فعله بهم السلم الروماني سنة (70)م حين طردتهم روما من فلسطين , وشتتهم في أصقاع الأرض . لأنهم كانوا عامل عدم استقرار لها في المنطقة .
أما تركيا فدورها جدٌ شائك , فهي تبحث عن هوية فقدتها منذ انهيار إمبراطوريتها عقب الحرب العالمية الأولى , بعد أن خبا وميض العلمانية التي أسس لها كمال أتاتورك منذ (1923) .
وكون تركيا دولة مُحدثَة في المنطقة فإنها تعيش هاجس البقاء . إذ أنهم قاموا على أنقاض الدولة البيزنطية المسيحية , ولم يكونوا دولة بمعنى الكلمة ,إلاّ عندما فتحوا القسطنطينية عام (1453) والذي يؤرخ لبداية عصر النهضة في أوروبا , مع أنهم لم يشاركوا في تلك النهضة , ولم يقدّموا للحضارة الإنسانية ما يعتدُّ به .
وشعورهم الآن بفائض القوة يدفعهم لإحياء أمجادهم القديمة متلفعين بالعباءة الدينية , ورافعين رايات العلمانية .
وقد أدخل الأمريكيون في خلدهم أنهم سيكونون أبطال المرحلة المقبلة , متناسين أنهم قد فقدوا دورهم في إحكام الطوق على الإتحاد السوفييتي السابق . ومتناسين أيضاً أن بلدهم حافل بالتناقضات المذهبية والأثنية , وأنهم محاطون بدول لم تنس يوماً ما فعلوه بها إبان قوتهم من اضطهادٍ , وقضم للأراضي , حتى الروس فإن أعينهم مازالت على القسطنطينية عاصمة الأرثوذكسية الأولى .
وما سياسة تصفير المشاكل التي يتبناها وزير خارجيتهم الطموح ( أحمد داود اوغلو ) إلا جزءً من جنون العظمة والهروب إلى الأمام .
أما الإيرانيون فإنهم العدو العاقل للغرب , وهم يستفيدون يوماً بعد يوم من حماقات الغرب في المنطقة ولن يطول الوقت حتى يتفق الغرب معهم على شكل للمنطقة تحفظ مصالح الطرفين .
أما مصر فإنها منذ بداية الألف الثاني قبل الميلاد , كان لها الدور المميز في المنطقة , خصوصاً بلاد الشام .
وعندما كانت تضعف مصر فإن المنطقة بكاملها تضعف , والغزاة الذين دخلوا مصر عبر التاريخ إنما دخلوها عبر بلاد الشام .
وعندما كانت تصحو مصر فإنها لاتطرد الغزاة من أرضها فقط بل تطردهم من بلاد الشام , وتعيد تماسك المنطقة . صحيح أنه دخل غزاة كثر منطقتنا , ولكن كنـّا في نهاية المطاف نطردهم عسكرياً , ونذيب ما تبقى منهم في بنيتنا الاجتماعية , لننتج شيئاً جديداً ليس مشابهاً للماضي , وإن كان يحمل أصالته .
والمؤرخ البريطاني العظيم ( أرنولد توينبي ) صنف الشعوب إلى نوعين : شعب عالي الهضم , وشعب قليل الهضم .
ونحن عبر التاريخ كنـّا من الشعوب العالية الهضم .
أما الشعوب القليلة الهضم فإنها تعتمد على القوة العسكرية بشكل مفرط ,فإذا تعرضت لهزيمة عسكرية فوق أرضها تراها تتفتت سريعاً , وتركيا أحد هذه النماذج . وإسرائيل فوق الأرض التي تحتلها ( أرض فلسطين ) نموذج آخر .
والولايات المتحدة الأميركية نموذج ثالث , وإن كان من غير الوارد حتى في المدى البعيد هزيمة أمريكا فوق أرضها عسكرياً . ولن تتفكك كدولة عظمى إلا من الداخل , كما حدث مع الاتحاد السوفييتي السابق .
إن الصراع في منطقة الشرق الأوسط متعدد ومتشابك فهو صراعنا مع أنفسنا , من أجل التقدم أو التخلف . وهو صراعنا مع الآخر الذي يريد فرض وصايته علينا لأسباب اقتصادية . وهو صراع الآخرين على أرضنا من أجل تقاسم الغنائم .
وليس لأحد أن يدّعي أن بيده حلاً سحرياً لهذه المنطقة .
وإن وعي شعوب المنطقة هو وحده الكفيل بأن يدفع باتجاه بناء الدولة العصرية وأن يدفع أيضاً باتجاه تحالف اقتصادي يربط أبناء هذه المنطقة , فالزمن الراهن هو زمن التكتلات الاقتصادية الكبرى . ومن يكن خارجها فإنه سيكون خارج التاريخ والجغرافيا.
نديم الخطيب – سوريا , منشور في الوطن بتاريخ 6-9-2011
Post Views: 745