القاع

 

  متى بدأ السقوط ؟ ولماذا ؟ ولأي مدى ؟

أسئلةُ كثيرةُ تدور في خلدنا جميعاً باختلاف الرؤى , واختلاف الخلفية الثقافية , أو الدينية , أو العقائدية.

فمن يرى أن السقوط بدأ بسقوط بابل على يد الفرس منذ حوالي خمسة وعشرين قرناً , وهناك من يرى أن السقوط قد حدث عند سقوط آخر خليفة للمسلمين ( السلطان عبد الحميد الثاني ) منذ حوالي قرن .

وبين هذين التاريخين , تواريخ .. وتواريخ .

ولكن لا يختلف اثنان على أن فعل السقوط قد حدث .

إن للتاريخ منطقه وقوانينه , فالحضارة الإنسانية كسلسلة الجبال , لها قممٌ ووديانٌ لا حصرَ لها , ونحن كمكون حضاري , كنـّا نتنقل منذ فجر التاريخ بين تلك القمم والوديان , تصاحبنا في رحلة الصعود والهبوط تبدلات في كينونتنا . هي مزيج من أصالة الماضي , وواقعية اللحظة وحلم الآتي .

إلى أن حدث أن سقطنا , وعجزنا بعدها عن الصعود . استقر بنا المطاف في القاع , إنه أسفل قاع بلغناه في مدانا , وليس لهذا القاع قاع .

غرقنا في سبات العقل , ولهونا , وضحكنا على أحزاننا .

هذا لم يحدث في الأمس , ولكن حدث منذ قرون عديدة . صحيح أننا حاولنا الصعود , ولكن لم نفلح , لأن هاجس التماثل مع الماضي مع ( الحالة المثلى ) كانت ديدننا , ففقدنا قدرة التماهي مع الحدث .

هل تغير شيء ما فينا  ؟ ربما  ؟  وربما لا .. ؟ ولكننا سننال شرف المحاولة من جديد .

وها نحن في هذه اللحظة التاريخية الفارقة ننقسم إلى شيع , وفرق , ومذاهب .

نتقاتل على آلية الصعود .. نتقاتل على رغبة البقاء . منـّا من يرى أن بوسعه الوصول إلى أقرب قمة في يوم , أو في ساعة . متناسياً أن السقوط حدث في قرون , وأن الصعود أكثر صعوبة من السقوط .

فالصعود يحتاج إلى رؤية ودراية في مفاوز الجبال, إنه يحتاج إلى صدق ٍ, ورغبةٍ , وتصميم , وجهد كبير.

ومنـّا من استكان إلى القاع , أو أدمنه , فعزَّ عليه أن يدع غيره يصعد .

ومنـّا من يصنع من الأجساد البشرية الحية أو الميتة سلماً , ولكنه لن يلبث أن يسقط .

ومنـّا من يتسلق على ظهور الغير كما وصفهم نيتشه : ”  قل لمن يتسلقون على ظهور الغير , بأنهم سيترجلون في نهاية المطاف , وستظهر رجلهم العرجاء ” .

ومنـّا من يهرب إلى الكهوف , عسى أن يصبح من أهل الكهف .

ومنـّا من يبحث عن غنيمة هنا .. أو هناك .

ومنـّا من يبحث عن قاع للقاع .

ومنـّا من يتراشق بالكلمات أو يتبادل اللكمات مع فريق آخر , وهم يبتهلون لإله واحد .

لن يتوقف هذا المشهد السريالي قريباً , وهو يتموج بين المأساة والملهاة , إلى أن نصل إلى نقطة مفصلية  :  ( أن لا عودة للقاع من جديد ) .

سنصعد ونسقط , مرات .. ومرات , ومن خلال هذه الحركة , سنرسم طريقاً واضحةً للصعود الكبير , حتى لو كان بخطى وئيدة , لكنها ثابتة . حتى لو كانت الأثمان والآلام عظيمة .

ولكن أليس لكل شيء ثمن ؟؟ كما قال الفرد دومسييه :  ” الألم هو الثمن الكئيب لكل ما يُشترَى”.

هو قدرنا . وعلينا أن نصنعه بأنفسنا , وفق زماننا . فلكل لحظة من التاريخ خصوصيتها .                                                                         

القاع” comment for

  1. القدر هو من صنع الله , ولا يمكننا صناعة القدر , لأن القدر بضاعة جاهزة , ولو قال الأخ نديم ..علينا صناعة “مستقبلنا” بأنفسنا , لقلت له سمعا وطاعة …أظن ان الأخ نديم استخدم كلمة “صناعة القدر” مجازا ..قصده صناعة المستقبل !!
    اما عن توقيت السقوط , فالأمر صعب بعض الشيئ , لانزال نسقط منذ 1400 سنة, وأظن اننا وصلنا الى القاع …لايمكن تصور وضعا أسوء من وضعنا الآن , ننتج بغزارة كل منكر وتأخر ..حرب أهلية , ديكتاتورية …انعدام الحريات ..الفقر ..الفساد ..الطائفية ..الانتهازية ..وأخيرا موت العقل سريريا , وهذا مايجعل أمر الصعود شبه مستحيل ..لقد تأخرنا كثيرا عن ركب الحضارة .

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *