هل تتجه سوريا نحو الجمهورية الثالثة ؟

August 3, 2011
By

هل تتجه سوريا نحو الجمهورية الثالثة؟ 

كانت الجمهورية الأولى عشية الاستقلال(1946)، وقامت على تحالف الإقطاع مع البرجوازية الوطنية، أعقبتها فترة الوحدة (58 ـ61) وهي حالة طارئة، ثم أتى الانفصال(61 ـ 63) الذي هو امتداد لفترة ما قبل الوحدة.

أما الجمهورية الثانية فكانت عام (1963) حيث نجح حزب البعث في السيطرة على السلطة وأقام تحالف العمال والفلاحين على حد قوله. تكرّس فيما بعد بدستور عام (1971) الذي ألغى التعددية السياسية، وكرس هيمنة الحزب الواحد على الدولة والمجتمع.

ومنذ مطلع الثمانينيات من القرن الماضي بدأ المشهد يتغير تدريجياً حتى أصبح جليّاً الآن، حيث قام تحالف غير معلن بين رأس المال الطفيلي ومسؤولين في أجهزة الدولة صغاراً وكباراً فاسدين، وقضاة فاسدين وقوى أمنية فاسدة، وكان الغطاء مستمَداً من شرعية حزب البعث. وتمّت السيطرة على جميع مفاصل الحياة في سوريا، هذا التحالف هو النظام الذي يطالب السوريون الآن بتفكيكه.

فهل نحن الآن أمام الجمهورية الثالثة..؟

قبل الإجابة على هذا السؤال لا بد من إثارة نقطتين هامتين:

الأولى: إن شريحة واسعة من الشعب السوري تُميِّز الآن بين الرئيس بشار الأسد والنظام، وترى في رئيسها رجلاً إصلاحياً.

الثانية: موقع سوريا الجيوسياسي بين ثلاث قوى إقليمية كبرى (تركيا ـ إيران ـ إسرائيل) ودور الدول العظمى في الصراع على هذه المنطقة.

كل ذلك يجعل من سوريا مفتاحاً هاماً لاستقرار المنطقة أو تفجيرها.

إن تفكيك الدولة السورية أو إضعافها يتيح المجال لإسرائيل، بالاشتراك مع تركيا، في السيطرة على بلاد الشام، ممّا يجعل الطريق سالكاً لإسرائيل كي تسيطر على الخليج برمته لتبني إمبراطوريتها الخاصة، ولن تستطيع دولة في العالم أن تردعها عن فعل ذلك حتى حليفتها أميركا.

فهل سيصبح سعر برميل النفط ألف دولار؟ أم ألفين؟ وهل ستركع الدول الصناعية الكبرى؟

لا يوجد عاقل واحد في العالم يقبل أن يحدث ذلك.

أما تركيا والحلم العثماني القديم/ الجديد، الذي تبدّى حالياً بلبوس إسلامي متطرف أو معتدل، والذي له رصيد ملموس عند بعض الفئات في سوريا، فإن خطورته تكمن في أن سوريا بلد تعدديّ فيه من الطوائف والأقليات الدينية والإثنية أكثر من لبنان، والتي جميعها لها حساسية بالغة تجاه تركيا، بمن فيهم الأكراد السوريون الذين لا بد أن يحصلوا على حقوق المواطنة كاملة، فهم جزء من نسيج الشعب السوري.

كذلك فإن التجار السوريين في دمشق وحلب والحرفيين والصناعيين قد تأذوا كثيراً من الانفتاح الاقتصادي السريع وغير المتكافىء مع تركيا.

إضافةً إلى أن الشعب السوري لا يزال يحمل في ذاكرته مآسي الاستعمار العثماني الذي دام أربعة قرون؛ ثم من قال أن النظام الديني الذي تسوّق له تركيا لن يكون إلغائياً ومستبداً بعد أن تستتب له الأمور ؟

ومن يتصفح التاريخ القديم أو الحديث لن يجد حالة واحدة تثبت أن نظاماً دينياً (مهما كان ذلك الدين)، وفي أي دولة كانت، سمح بتقاسم السلطة مع بقية مكونات مجتمعه أو قبل بمبدأ تداول السلطة إلا ضمن نسيجه، وإن كان قبل استلامه لها يدّعي عكس ذلك.

أما الإيرانيون وبغض النظر عن دوافعهم فإن رصيدهم لدى الشارع السوري لا يعتدُّ به. كما أن ما تقوم به إيران في الساحة العراقية يثير الكثير من الهواجس.

ولا يعني ذلك أن تقف سوريا معادية لهاتين الدولتين (إيران وتركيا) بل على العكس، يجب إقامة علاقة صداقة نديَّة متكافئة مع هاتين الدولتين قائمة على مصالح اقتصادية متبادلة وتقبُّل أي دعم منهما في صراعنا مع العدو الصهيوني.

والآن السؤال الكبير: ما هو خط سير هذه الأزمة؟ وهل يمكن الخروج منها؟ وبأي ثمن؟

للإجابة على هذا السؤال لابد من الاعتراف بأن هناك عدة احتمالات تبدو قاتمةً في مجملها, حتى لو كانت فرص نجاحها ضعيفة.

ويبقى الاحتمال الأوفر حظاً ( قيام الجمهورية الثالثة ) بالرغم من وجود قوى معطلة في الداخل والخارج.

وهناك مؤشرات على ذلك. إذ أن خطاب الرئيس بشار الأسد في مدرّج جامعة دمشق أعطى إشارات قوية بأنه في صدد تفكيك النظام الحالي وإعادة صياغة نظام جديد بالتعاون مع قوى المعارضة الوطنية ومع الشعب السوري.

أما المؤشر الثاني، فهو قبول مبدأ التحاور مع جميع الأفرقاء.

والمؤشر الثالث توصيات اللجنة التشاورية الممهدة لمؤتمر الحوار الوطني.

والمؤشر الرابع احتمال انضمام أطياف أخرى من المعارضة إلى مؤتمر الحوار, لاقتناعها أن صندوق الاقتراع هو الحل, خصوصاً إذا تمت إزالة هواجسها الأمنية, وتفعيل القوانين والمراسيم الإصلاحية

وجدير بالذكر أن من توصيات لجنة الحوار التشاورية هو كتابة دستور جديد للبلاد.

ومن الطبيعي أن يكون هذا الدستور عصرياً يلبّي طموحات السوريين في الحرية والتعددية والكرامة.

ومن الطبيعي أن تكون رئاسة الجمهورية انتخاباً وليس استفتاءً ولولايتين على الأكثر، مدة كل ولاية أربع أو خمس سنوات، شأن الدول الديمقراطية.

فإذا أجريت انتخابات برلمانية ورئاسية وفق أعلى المعايير الديمقراطية, وبغض النظر عن من سيفوز في هذه الانتخابات, فإنه سيتكرس مبدأ ( التداول السلمي للسلطة ) أما الأحزاب السياسية القائمة أو التي ستنشأ, فإنه ليس من المتوقع أن يفوز أحدها بنسبة هامة تؤهله لفرض رؤيته السياسية والاجتماعية, وستنشأ بالتالي تحالفات برلمانية, شأن الدول الديمقراطية.    فهل ستنجح سوريا في الانتقال إلى دولة ديمقراطية حقيقية؟  دولة مؤسسات ؟

إن الشعب السوري سيربح رهانه على نفسه, فهو الذي سيصنع من سوريا دولةً عصرية.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • آخر قذارات الإعلام السوري :فبركة مقابلة لوزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر

    عن موقع الحقيقة:    بعد قصتي مع دي بريس وتزويرها  لقرار مجلس جامعة الدول العربية  , وقع نظري على تقرير نشره موقع الحقيقة  بخصوص تزويرة أخرى , وهناك أيضا تزويرة […]

  • “لا تدافع كثيراً عن سورية لأن الدور آتٍ عليكم وقد تحتاجنا في المستقبل!”

    وزير خارجية قطر قاطع الوزير الجزائري: «لا تدافع كثيراً عن سورية لأن الدور آتٍ عليكم وقد تحتاجنا في المستقبل!». وفقا لما أكدته مصادر دبلوماسية عربية حضرت اللقاء فإنه تم خلال اللقاء […]

  • سوريا المحتلة

    بقلم : أحمد الشامي   في فترة السبعينات كانت اﻷحزاب اليسارية المعارضة لنظام اﻷسد اﻷب تصفه بالنظام “الكومبرادوري” وهي كلمة مشتقة من أصل برتغالي وتعني “الشاري”. استعملت هذه الكلمة في […]

  • انظروا ..وانتظروا ..انها سوريا الأسد !

    العنف يتزايد في سوريا  في ظل السياسيات  العائدة للسلطة والمعارضة  بفئاتها المختلفة  وكذلك للمجتمع الدولي بتناقضاته ,وكل  من هذه الفئات الرئيسية الثلاثة له اسباب  فشله في احراز تقدم  باتجاه  السلم  […]

  • الانتظار السوري

    حتى الآن لا تزال المعارضة السورية تستفيد من سلوك نظام الرئيس بشار الاسد الذي يمكن ان يقودها الى السلطة بأسرع مما يتوقع الكثيرون من المعارضين والموالين عل حد سواء. وهي […]