المادة الثامنة والاصلاح

August 19, 2011
By

تنشغل أوساط سياسية وثقافية وحقوقية في سوريا الآن، بمناقشة واحدة من أهم المسائل المطروحة للحوار الوطني الديمقراطي، نعني المادة رقم ثمانية من الدستور السوري، والتي تنص على ما يلي: يقود حزب « البعث » العربي الاشتراكي الدولة والمجتمع في سوريا. وكما يظهر، تبدو المادة بمثابة تأكيد على أن « مرجعية سوريا » تتمثل في كونها متحدرة من أصل واحد، دون أصول أخرى موجودة في البلد. إضافة إلى ذلك، وعبر تحديد معطيات أخرى تخص الموضوع، فإن مؤسسات كبرى مثل « مجلس البرلمان أو الشعب والمؤسسة الرئاسية، وكل ما يتمم هذه اللوحة، تستمد شرعيتها الأولية من تلك المرجعية المأتي عليها.
والآن، حين يُطرح الحوار حول المادة المذكورة -وقد طُرح قبل ذلك في مناسبات متعددة ضمت دمشق وحلب ومدناً أخرى، يثير ردود فعل في أوساط حزب « البعث ». أما في مقدمتها، فتبرز الفكرة القائلة إن إبعاد هذا الأخير عن التميّز الذي حصل عليه على مدى عدة عقود يعني حرمان سوريا من قوة تاريخية منظمة حققت الكثير من المنجزات على الصعيد الداخلي والخارجي، كما يعني تعريض البلد لاحتمالات الفوضى والاضطراب وربما كذلك لحرب طائفية.
ولعلنا نلاحظ أن الخطاب المقدم على ذلك النحو يقوم على ركيزتين اثنتين هما الإقصائية الاستفرادية والشمولية: حزب « البعث » المذكور هو وحده المعْنِي بشؤون البلد الكبرى ربما لامتلاكه من « الملَكات والخبرات والطاقة الخاصة »، التي لا يملكها حزب أو هيئة أخرى في سوريا، مِمّا يحتِّم بقاء الحزب لصالح سوريا نفسها. هذا من طرف أول. أما من طرف آخر، فإن إخراج هذا الحزب من موقعه الذي شغله ما يقترب من خمسين عاماً سيكون استجلاباً لقوى دينية سياسية ذات طابع أصولي سلفي وتوجه ظلامي إلى النور ثم إلى السلطة! وهذا بدوره يؤدي إلى مخاطر كبرى في الداخل السوري كما في الخارج.
بيد أن من يدقق في الداخل المذكور، يجد أن ما قام الشباب من أجله، هو حتى الآن مفتقدٌ في سوريا: من الحرية السياسية والكرامة الأخلاقية والكفاية المادية، إلى باقي الملفات الملتهبة وذات العلاقة بالثلاثي المقدس المذكور، انطلاقاً من إلغاء قوانين الطوارئ والأحكام العرفية والمادة الثامنة إياها، إلى تفكيك الدولة الأمنية، وإصدار قانون عصري وديمقراطي للأحزاب، وآخر للإعلام والشروع في التهيئة لانتخابات برلمانية مع انتخابات رئاسية بإشراف لجنة أو لجان حقوقية محايدة حقاً. ولا بد أن يسبق ذلك كله استحقاق يمثل مدخلاً له، هو تشكيل مجلس دائم للحوار الوطني الديمقراطي، يشرف على تشكيله وضبط برنامج عمله ممثلون للمعارضة الوطنية. وهكذا بحيث يطال الأمر مشكلات أخرى، مثل محاكمة مَنْ قتل الشهداء والمظلومين من كل الأطراف، والتأسيس لقضاء حر مستقل مع متابعة دقيقة للعمل على استكمال عملية تشكيل سلطة انتقالية.
وثمة نقطة حاسمة تتصل بالمادة الثامنة من الدستور، وهي إن ما يماثل هذه المادة في الاتحاد السوفييتي السابق، هي التي كانت خصوصاً، من وراء تفككه وتصدعه. فلقد اختزلت هذا البلد الضخم إلى الحزب الشيوعي، وهذا إلى اللجنة المركزية وهذه إلى المكتب السياسي، الذي يقف على قمته أمين عام غالباً حتى مراحل ممتدة من عمره. لقد فقدت البشرية ذلك البلد بما كان يمكن أن يعممه أو يطوره من مسائل تتصل بالعدالة والتضامن بين الناس. لقد سقط كل شيء وتحول ذلك البلد إلى حالة اقتصادية إشكالية إضافة إلى مشكلات أخرى. ولا يهمنا، فما حدث في الاتحاد السوفييتي، يمثل تجربة مليئة بالعبر تستطيع سوريا أن تقرأها نقدياً. وأخيراً: ما الحافز الأخلاقي الكامن وراء الاستفراد بالسلطة وغيرها من قِبل فريق واحد من المجتمع؟!

الطيب تيزيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • الصور السبعة للطائفة العلوية كما رسمها آل الأسد

    المختصر/ قبل أن يهئ انقلاب الثامن من آذار 1963 الطريق للأسد الأب لينقض على الحكم بعد عدة سنوات، كانت صورة العلوي في المجتمع السوري هي صورة الرجل الريفي البسيط والفقير […]

  • وهم ابادة الطائفة العلوية !

    قد يكونالحديث عن تعرض الطائفة العلوية الكريمة  لخطر الابادة حديثا مفيدا وضروريا  , ذلك عند تعرض هذه الطائفة حقيقة وواقعيا الى مخاطر الابادة , أما وان خطر الابادة لايحيق بالطائفة […]

  • «الجزيرة» وأزمة الهوية المقابلة!

    «الجزيرة» وأزمة الهوية المقابلة! عندما احتدم النقاش حول ما يجري في سوريا، دخلت «الاخبار» أزمة مقاربة مهنية وسياسية، ذهب البعض الى حد وصفها بالأزمة الأخلاقية. طبعاً هناك قرّاء ممن لهم […]

  • حزب البعث من الفكر القومي الاشتراكي الى الفكر الاسلاموي الداعشي

    بقلم: بهنان يامين *  تأسس حزب البعث العربي عام 1947 غداة استقلال سورية، بالطبع كان حزب البعث العربي يحمل “رسالة قومية”، التي كانت في الحقيقة رسالة قوموية، ذو بعد رومانسي، […]

  • هل هذه سورية ..الحلم الضائع ؟

    هناك من يغتال الحلم ..احلم بسورية دولة للعدالة والرقي والمحبة  واحترام الآخر والذات ..دولة الحرية والديموقراطية  والعدالة …وما أجده على الواقع لايمت لأحلامي بأي صلة ..انها الأعمال الشنيعة التي يقوم […]