بما يخص السنين الأربعين الأخيرة , يسأل الأخ رياض , أين كانت المعارضة في هذه السنين , وهذا السؤال ورد في سياق رده على تعليقي بخصوص مؤتمر وزير الخارجية السوري , ولما أردت أن يكون الجواب مفصلا بعض الشيئ , لذا فضلت الجواب بشكل مقال عوضا عن شكل التعليق , شاكرة الأخ رياض عل مروره الكريم آملة مشاركة أوسع بهذا النقاش .
أقولها وبشكل غير ديبلوماسي , توجد في سورية معارضة منذ عقود , والأكثر من ذلك هو تواجد سورية منذ عقود في حالة حرب أهلية وبمزيج من البارد والساخن منها , ومعالم هذه الحرب الأهلية تتوضح من عقد لآخر , والآن أصبحت واضحة جدا , ولربما تصبح مستقبلا أكثر وضوحا ..حيث تنتهي الحرب بنهاية وجود الوطن ..وادراك وجود هذه الحرب يتأرجح بين المحسوس والملموس ..البعض يحس بها , والبعض يمارسها ويلمسها .
الملموس موجود على الأقل منذ ثلاثة عقود . وهذا الشكل تظاهر في الخلاف المستمر بين السلطة ونوعين من المعارضة ..المعارضة الأصولية التي جهزت نفسها للقيام بعمل عسكري ضد السلطة , فما كان من السلطة الا أن غمرت حماه بالدماء , لقد كانت حرب أهلية ساخنة , أنهت التمرد في حماه , الا انها قدمت للأصولية الكثير من الأوراق الرابحة ومن التعاطف معها ,والتوتر العسكري الساخن مع الاخوان مستمر الى يومنا هذا , الى جانب الحرب في حماه 1980 , كان هناك الكثير من ألأمور الدموية الساخنة في السجون ..صيدنايا ..تدمر ..الخ وغير ذلك من المناطق السورية .
الى جانب التوتر الساخن بين السلطة والاخوان , كان هناك معارضة أخرى تمثلت ببعض الأحزاب الممنوعة والكثير من المفكرين والسياسيين وغيرهم ,كثير من المعارضين هاجروا ..هربوا ..ماتوا في السجون ..عذبوا …الى ماهناك من أساليب اختص الحكم السوري بممارستها …منذ سنين يذهب حسن عبد العظيم سنين أو شهور الى السجن ثم يعود ليذهب مرة أخرى ,وحال نبيل فياض ليس بالأفضل والكثير غيرهم ., ولا أعرف اسمائهم جميعا ..الا أن عددهم يقدر بالألوف …اضافة الى ذلك ,التصفيات الانقلابية والتصحيحية ..تصفية الكثير من الضباط والأخوة (رفعت) والأقرباء( صلاح جديد) وسجن الرفاق ..الأتاسي والحكم بالاعدام على عفلق ..وقتل صلاح البيطار عوضا عن عفلق ,والقائمة أطول من ذلك بكثير , ولا أتذكر أسماء كل من سجن وقتل وهاجر ..كل ذلك يعتبر من الممارس الملموس في حركة أو حركات الاحتجاج أو المعارضة ..من هنا يمكن القول ,ان السنين الأربعين الأخيرة لم تكن خالية من العمل المعارض, وقد اختصرت اشكال ممارسة المعارضة بالأمثلة التي قدمتها , والتي يمكن التوسع بها أكثر وأكثر من ذلك .
اما المحسوس من المعارضة ,فقد تمثل بأشال ممارسة المواطنة السلبية , عدم احترام الدولة والمنشآت العامة ,تخريب الطرقات , التقاعس في الأداء الوظيفي ..أو بشكل عام القرف من تصرفات الجهاز الاداري ..عدم الثقة بالدولة ..الشعور بعدم وجود مساواة ..كل ذلك يعتبر نوعا من الحرب الباردة بين السلطة والشعب , السلطة تحتقر المواطن ,والمواطن يحتقر السلطة ..عدم ثقة مطلق ..الانتخابات تأتي بنتائج لايتقبلها العقل , المسيرات الالزامية حلت محل التظاهرات التلقائية …التجمع ممنوع ,والكلام ممنوع ..والعدل ممنوع ..ولا توجد دائرة نفعية(رشوى ) الا واقتنصها أحد أعضاء الحزب ..مدير الناحية..مدير المنطقة مدراء المدارس ..مدراء البنوك ….الخ . وضع كهذا يعتبر حربا باردة تشنها الدولة على مواطنيها الملزمين بدفع الضرائب , والذهاب للخدمة الالزامية ..ليصبح الجيش أخيرا جيش البعث (جيش عقائدي) وليس الجيش السوري …ولا توجد ضرورة للتوسع في تعداد أساليب الحرب الباردة التي شنتها السلطة على المواطن ..وحتى المادة الثامنة من الدستور هي بمثابة حرب على المساواة , التي ينص عليها الدستور .
كل ماذكرت من أمثلة يدعم الادعاء القائل بوجود معارضة , ونجاح المعارضة في عقد مؤتمر معارض في أحد فنادق دمشق تحت أعين السلطة , هو احدى نجاحاتها المتواضعة جدا جدا , النجاح المتواضع أو حتى الفشل التام لايعني عدم وجود هذه المعارضة .
على فكرة, تعبير “الحرب الأهلية الباردة ” هو تعبير ليس من انتاجي , وانما من انتاج مواطن وشاعر وهارب من المحجر الى المهجر اسمه نادر قريط ,

بالحقيقة أنا لم أشير في ردي أنه لا يوجد معارضة ولكن كان ما سألت عنه ما هو المتغير الحقيقي الذي جعل سقف المعارضة يرتفع فجأة “وهنا لا أريد جواب يتضمن الربيع العربي لأنها مسألة إقليمية ومشكوك بأمرها ولا مجال ولا يعنينا ما يحدث بها”إن المعارضة كانت خجولة ومنزوية على نفسها “جدا”ولم تنزوي على نفسها خوفا “بدليل أن العديد من أطيافها سجنوا ..الخ”…………وبعد
لا أجد في معرض المقال أي اتزان وصفي حيث أنك وصفت الوجود الاجتماعي السوري تارة بالتمرد”أي العصيان”وطورا بالحرب الأهلية الباردة وهذا غير دقيق ,فمن قال أن الطرف الثاني لتمرد حماة نسوا النتائج الدامية لهذا التمرد,الطرفين كان له خسائر,وإذا بحثنا في موضوع الأوراق الرابحة و الخاسرة “على صعيد سياسي وليس تاريخي أو عاطفي”نجد محدودية لما وصفته بالأوراق الرابحة كونك نظرتي إلى الموضوع من زاوية واحدة فقط ولم تنظري إلى الجانب الآخر,فأنا أجد بتجرد أن الأصوليين ليسو إلى أداة وورقه بيد المصالح الدولية عامة و الأوروأمريكية خاصة كون أن هذا التيار لا يستعمل إلى بالأزمات للضغط عن طريقه على الرديف في الشارع,الذي يتماوج رقصا على إيقاع رموزه “ومره أخرى أعتمد الوصف العام لما للحديث أن يطول”وعليه إن التصفيات الانقلابية وغيرها هي ضمن التيار السياسي الواحد وهذا لا يعني الشارع السوري بالدرجة الأولى وإنما بالدرجة الثانية ,كون البعض مما ذكرت وليس الجميع كان له مشاريعه الخاصة”ولست بصدد البحث بكل مما ذكرت من شخصيات لعدم الحاجة للخروج عن الموضوع,وأكتفي بميشيل عفلق وكأنه قدم الإبداع بمسار الحزب في العراق عزيزتي لقد إخراج قسرا من حاله سياسيه إذا صح “وهذا خطأ وأقحم نفسه قسرا في حاله سياسيه ثانيه وهذا خطأ أكبر من سابقه”,ولكن إذا كان القصد بالتصحيح أي الحركة,فهنا
أختلف كثيرا معك وانطلاقا من خلافي مع التصحيح في جوهره,لأنك هنا بكل بساطه تتهمي كل من ساند الحركة من مواطنين معارضين كانوا أم موالين,بالنفاق السياسي”بمعنى آخر عندما تعطيني أنا معك وعندما تحجم عني العطاء الله معك”,وهذا لا يتماشى مع واقع الحال,أشرت ولا أزال أشير وبوضوح شديد أن الفساد مستشري وبشكل خطير,ما زلت يا عزيزتي تمتهنين مبدأ” التشفي “من النظام المتمثل بحزبه حيث أن الرشوة كان جزء منها, لصالح محازبيين و مسئولين…..الخ ولكن هنا تكمن المفارقة أن الرشوة طرفين وليست أحادية الطرف بمعنى آخر المواطن هو جزء من الرشوة”ليس الجميع من الطرفين”فهنا المصلحة لا تعرف أكثر من الشخصيات التي تستعملها,وأعيد مكررا لا مصلحة وطنية ببقاء الحال على حاله ومن الطرفين,ولم اشر إلى عدم وجود معارضه لا بل أن المعارضة يجب أن تكون حاضرة و في شتى المجالات,من خلال برنامج واضح المعالم ,وهذا هو الوضع الصحي للمواطنة الحقيقة. .
لم يكن الوضع السوري في نصف القرن الأخير متزن اطلاقا..انتابه الكثير من الغموض والسرية والتناقض….سورية ليست لاعبا دوليا كأمريكا ,الا انها كانت ملعبا للقوى الدولية, شأنها شأن بقية دول الشرق الأوسط..
حربيا خسر الاخوان معركة حماه , سياسيا خسرت السلطة معركة حماة , تاريخيا خسر الطرفان ,
لا أظن ان هناك مصلحة دولية أو بشرية انسانية مع الأصولية ..الأصولية متعبة , وقد تستعملها بعض القوى العالمية تكتيكيا للعض أو النباح , استراتيجيا لامصلحة بالأصولية الا للمشايخ .
مايخص عفلق فقد ذكرته فقط للدلالة على ان التناقضات السورية اتخذت , وحتى الآن , احيانا اشكالا دموية ..القتل والعنف كان دائما ولا يزال سيد الموقف , وشكرا على التنوير بخصوص عفلق ودوره الفكري , والسياسي ,أفهم من ماقيل ..غفلق دمر نفسه فكريا باقحامه لنفسه في الساحة السياسية , ….أستطيع أن أقتنع بهذا العرض .
لاشك ان للفساد بشكل عام وللرشوة بشكل خاصعدة أقطاب , وأهم هذه الأقطاب هو الراشي وبعده يأتي المرشي , , ولا أظن ان المواطن السوري بشكل عام مترفع عن ممارسة الرشوة , هناك فرق بين أفراد متفرقين يمارسون الارتشاء , وبين مؤسسة تحتكر الارتشاء , وتزود سوق الارتشاء بما يلزمة من العنصر البشري ..من السهل قمع رشوى الأفراد ,ومن الصعب قمع الرشوى المؤسساتية , خاصة عندمايتمثل بالمؤسسة كل شيئ ..انها المصدر لعناصر الفساد والافساد ..انها المسؤولة عن خلق “الحاجة” لتوظيف العنصر البشري في سوق الرشوة خدمة للزبانية , وبيد هذه المؤسسة كل شيئ ..الحل والربط في كافة المجالات والمؤسسات ..قضائيا ..تنفيذيا ..تشريعيا ..الخ .
اعتذر عن التـاخر في الاجابة ,وشكرا لك ,لقد تعلمت أكثر ..
لي تعليق بسيط وسأحاول قدر المستطاع تجنب تحويل النقاش وتبادل الآراء إلى جدال”جل ما أكرهه وأتنصل منه”
إن سوريا لم تكن بعد الانفصال عن مصر إلى طرفا قويا في المنطقة إقليميا تمسك بزمام الأمور وإني لأجد مغالطة سياسية كبيره بالقول عكس ذالك “وللدلائل ما يكثر في هذا المجال”فأنا من وجهه نظر أعتبرها منطقية إلى حد بعيد أبارك السياسة الخارجية التي أثبتت نجعتها في ظل المتغيرات السريعة وعلى مستويات عديدة.
أما بإشارتي أن الطرفين كان له خسائر فهنا أشير إلى البعد الإنساني فقط “وليس الحربي أو السياسي”لقد ربح أحدهم على الأصولية”التي أنبذها””عزرا على إبراز المشاعر للان المطلب التحليل العلمي والسياسي”فقط أما لو كان الطرف الثاني “في مفارقة صغيره”هو غير الأصولية لجاز تعبير الربح و الخسارة كما تفضلت ,لا يمكن توصيف الرشوة بالشكل المؤسساتي إلى في عالم المخابرات “حيث البيع و الشراء” حيث لا يمكن المحاسبة على النيات “قد أضمر عكس ما اظهر””إن أحد أكبر حالات الفساد والرشوة و الكم الأكبر منها هو شخصي ولو انبثق من شكل مؤسساتي”وهو الأصعب قمعا لعلة المحدودية وشدة الحبكة وقلة التفرع. تقبلي مروري