وتبقى المدنية هي الحل

June 24, 2011
By

وفق حتمية الصيرورة التاريخية بات من المؤكد أن سورية الغد لن تعود كما كانت بالأمس، لكن الأمر المختلف عليه حالياً بين النخب السياسية بانتماءاتها المتعددة سواء في السلطة أم في المعارضة، يكمن في الأسلوب الذي ستنتقل فيه سورية من قاعدة «قوة الدولة القائمة على آليات أمنية رسخت سلطة متصلبة تفتقد للكثير من ميكانزمات التطور الطبيعي» إلى قاعدة «قوة الدولة متنوعة المصادر السياسية والاقتصادية والاجتماعية فضلاً عن القوة العسكرية والأمنية»، فالعيب الذي عانت منه سورية لعقود ماضية ليس في المواقف الكلية للدولة السورية إنما في امتداد السلطات الأمنية إلى جميع مفردات المجتمع، وتحولت قاعدة حكم الحزب القائد للدولة والمجتمع إلى ضرر فادح ذوَّب الأنساق الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في نسق واحد عقيم تتحكم فيه سلطات ظل لا تخضع لأي نوع من الرقابة سوى الرقابة الرأسية لرئيس الدولة، وتلاشت الفواصل بين السلطات الثلاث «التشريعية والتنفيذية والقضائية»، فغابت المسؤوليات وتوحد الخطاب الإعلامي في لغة واحدة لا تميز فيها بين وزير أو قيادي في الحزب أو عضو في مجلس الشعب أو حتى إعلامي.
إن هذا التحليل لا ينطبق على نخب السلطة فحسب، بل يتعداها إلى نخبة المعارضة التي لا تزال تتهم النظام بلغته الخشبية وكأنها تتحدث عن سلطات في مجتمع غير معنية فيه، وهي إن نظرت إلى ذاتها فسوف تجد أن لغتها خشبية أكثر من لغة النظام ذاته، فهي لا تتقن فن الحكم إنما تتقمص دور الناقد دوماً دون أن تطرح رؤية متماسكة قوية تقدم حلولاً مطمئنة للمجتمع، وهذا ما يجعلها غير جديرة بالخلافة السياسية للسلطة القائمة، فحتى في الديمقراطيات الراسخة التي تتغنى بها المعارضة وتشكل الولايات المتحدة نموذجاً مثالياً بالنسبة لها، أخفق مرشح الحزب الديمقراطي في مواجهة مرشح الحزب الجمهوري جورج بوش الابن لأنه ركز في المواجهة الإعلامية بينهما على انتقاد سياسات بوش في ولايته السابقة ولم يستطع أن يقدم بديلاً مقنعاً للجمهور.
من هنا فإن الانتقال السليم في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ سورية ليس مسؤولية السلطة وحدها، حتى لو كانت نخبة السلطة تتحمل مسؤولية أكبر فيما وصلت فيه الأوضاع حالياً، بل تتحمل المعارضة نصيباً من المسؤولية، فسورية تقف على مفترق طرق الواضح منها اتجاهان، الأول أن تنجح بكل مكوناتها في الانتقال إلى مجتمع تحكمه دولة مدنية حقيقية تتوزع فيها المسؤوليات على حسب السلطة المتاحة ونوعها «تشريعية، تنفيذية، قضائية» وتحتكم لآليات انتخابية تجعل الشعب هو مصدر هذه السلطات، أما الثاني فهو أن تدخل سورية في حقبة استعمارية جديدة دفع فيها السوريون في الماضي أثماناً باهظة حتى نالوا استقلالهم، عدا وجهات أخرى ليست واضحة المعالم ولا يستطيع أي مراقب أن يضع تصورات حقيقية لها.
هنا تقف الوطنية حَكَماً فصلاً بأن المسار الأول هو المطلوب التحقق، غير أن المواطنة كانتماء هي المكون الأساسي الذي يجب العمل على تثبيته وبسرعة لتجاوز الانتماءات العشائرية والطائفية والمذهبية التي هي انتماءات غير مدنية ولا تبني مواطنة مسؤولة، فالمواطن المدني الذي يملك حريته يستطيع من خلال ضميره الوطني أن يلفظ كل من يستدعي قوى الخارج التي تعيده لعهود الاستعمار، لكن على الجميع الاستماع لصوت العقل الواعي وعدم التمترس وراء الرأي المطلق، والاحتكام إلى القاعدة الشرعية التي وضعها الإمام الشافعي «رأيي خطأ يحتمل الصواب ورأي غيري صواب يحتمل الخطأ».
إن المرور نحو الدولة المدنية يمر حتماً في مرحلة دولة الإكراه من أجل بناء الشخصية الوطنية المميزة، هذا ما صنعه بسمارك لألمانيا وأتاتورك لتركيا، والمدنية تختزل في طياتها جميع المكونات الدينية والثقافية والاجتماعية، والوطني الحقيقي يحمل في تكوينه هذه المكونات مجتمعة. لقد اختزلت مدينتا دمشق وحلب الصورة الوطنية العربية السورية الحديثة لذلك كانت هاتان المدينتان صمَّام الأمان للوطن في الأزمة المعاشة ولم تستطع قوى التحريض غير المدنية أن تحرك هذا الثقل المرجح للكفة، فكل الحراك فيما عداهما انطلق من مكونات إما ريفية وإما مدنية تقليدية لا تحمل المكونات السورية المتعددة الحاملة للهوية العربية السورية.
إذاً أصبحت الهوية الوطنية العربية السورية راسخة البنيان بحيث لا تستطيع القوى الخارجية هدمها، وبات بالإمكان اجتياز المخاوف غير المبررة للانتقال نحو المواطنة المدنية بمكوناتها الاجتماعية السياسية بكل الأبعاد التي تمت الإشارة إليها، وأولى الخطوات العملية في إعادة البناء السياسي بعد فتح الحريات الفصل العملي بين الأنساق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فيأخذ كل نسق دوره وتتحمل فيه النخب المكونة له مسؤولياتها تجاه الوطن، فتكون الأحزاب السياسية مؤسسات سياسية للتنظيم والبناء السياسي وتتصدى للمسؤوليات السياسية بما تحمله من إمكانيات النجاح أو الفشل، وإتاحة المجال للنشاط السياسي الحزبي للشباب الذين يشعرون بأنفسهم أنهم قادرون على تشكيل حزب سياسي يخضع للآليات الديمقراطية، وتكون الاستحقاقات الانتخابية البلدية والتشريعية والرئاسية مقاييس متعددة لفرز الغث والسمين من هذه الأحزاب بحيث يستطيع المواطن كمُستَقبِل للرسائل السياسية أن يكون مقرّراً بهذا الشأن.
من جانب آخر، من غير الطبيعي أن يكون لدى جميع المواطنين الرغبة في العمل السياسي من خلال الأحزاب كمؤسسات سياسية غير رسمية تخوض الانتخابات وتشارك في تشكيل المؤسسات الرسمية «رئاسة الجمهورية والبرلمان والحكومة»، غير أنهم معنيون بشؤون اجتماعية سياسية خاصة، وتفرض المدنية هنا أن يتاح لجماعات المجتمع المدني من نقابات وجمعيات مدنية أو حتى أهلية أن تكون مؤسسات للمواطنين الذين لا يريدون التصدي للشأن السياسي البحت، وتحتفظ مؤسسات المجتمع المدني بأدوارها كجماعات ضغط على الحكومة.
العقدة الأخطر في عملية الإصلاح السياسي تكمن في دور الجيش في المرحلة اللاحقة، فقد شكلت قاعدة «الجيش العقائدي» بديلاً من الجيش المتدخل في السياسة التي كانت قائمة قبل حكم حزب البعث، لذلك يبقى السؤال مطروحاً حول آلية التعامل مع هذه القاعدة بما لا يشكل عودةً لسورية إلى عهد الانقلابات العسكرية وخصوصاً أن نموذجي تونس ومصر في انتقال السلطة مزجا بين الثورة الشعبية والانقلاب العسكري.

مصعب يوسف محلا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • بيان لكتاب وفنانين عن الأزمة السورية !

    التقت مجموعة من الكتاب والفنانين والناشطين  وجرى تداول في الأوضاع في سورية , وأصدروا البيان التالي : ان أخطر ماتعيشه سورية اليوم , ومن خلال أزمتها العالم العربي  وقضية الصمود  […]

  • في أعقاب التقرير الأخير للجنة التحقيق الخاصة بسوريا التابعة للأمم المتحدة

    بقلم:المنظمة السورية لحقوق الانسان , سواسية  بيان: أصدرت لجنة التحقيق الدولية الخاصة بسورية يوم 27-8-2014 تقريرها الثامن المتضمن ما مفاده:  إتهام كل من النظام السوري و تنظيم الدولة الاسلامية باقتراف […]

  • المسيحيون لايزرعون الزيتون

    بقلم:نبيل فياض قبل سنوات، كنت في منطقة القشلة الدمشقية! فجأة، اندلع شجار بين رجل يهودي وبعض من غير اليهود. كان اليهودي يصيح: ” اتركونا نذهب إلى بلادنا!! ” وكان يقصد […]

  • ديرشبيجل تنقل عن حسون أن الأسد يرغب بالتنحي

    اني من قراء جريدة الوطن السورية  , وقد استوقفني  خبر  نشرته هذه الصحيفة  حول تداعيات المقابلة التي اجرتها معه مجلة   دير شبيغل , ومن هذا الخبر استوقفتني عبارة  تخص […]

  • “سوريا لو نطقت و تكلمت”

    بقلم: نبيهة حنا: في موقع “الخبر اليقين”  الأسدي  وقعت عيني على قصيدة  لم يذكر  اسم كاتبها  , وفي هذه القصيدة النثرية  يوجه الشاعر  كلامه  على الأرجح  الى المعارضة  التي لم […]