تعقيب على رسالة أدونيس الى الرئيس

June 19, 2011
By

السيد المثقف مخاطباً السيد الرئيس

بين المآخذ الكثيرة على الرئيس بشار الأسد، حينما أطلّ للمرة الأولى في مجلس الشعب السوري، ليعلّق على الأحداث الدموية التي كانت لا تزال رقعتها محصورة بدرعا، قبل أن تمتد إلى باقي الجغرافيا السورية، ابتسامته العريضة التي عدّها كثيرون جزءاً من الخطاب نفسه. فقد أرادت هذه الابتسامة أن توصل رسائل لا تقلّ دلالة عن الرسائل الأخرى التي تضمّنها الخطاب نفسه، ومنها “الثقة بالنفس”، “الارتياح”، “التحكم”، والأهم من ذلك كلّه أن ما جرى ويجري لم يؤثّر في معنويات “الحكم” والنظام. بذلك، فإن هذه الابتسامة نفت بصورة آلية ما جهد كثيراً الخطاب ليعترف به مواربةً، وهو وجود أزمة حقيقية تستوجب القلق والتفكّر إن لم نقل الحزن والغضب الشديدين، إذا أخذنا في الاعتبار الثمن البشري الباهظ لهذه الأزمة. الشكل مهمّ إذاً، وليس محض تفصيل عابر.

شكلاً، تشبه رسالة أدونيس (“السفير”، 14/ 6/ 2011) المفتوحة إلى “السيد الرئيس” ابتسامة السيد الرئيس نفسه. فهي، شأن ابتسامته وخطابه، باردة، متعالية، متثاقفة، والأهم من ذلك كله متأخرة جداً. لا أعرف حقاً لماذا اختار أدونيس، إذ قرّر أن يتكلم ويعلّق، أن يوجّه خطابه إلى السيد الرئيس، متعالياً في ذلك على الشعب السوري نفسه، وقافزاً بكل بساطة فوق الواقع والزمن والأحداث، وكأن هذه الرسالة كُتبت عشية الانتفاضة السورية أو حتى قبل انطلاقها، لا بعد أشهر من انطلاقتها، شهدت سقوط مئات الضحايا من المدنيين، الذين كانوا يستحقون كلمة تعاطف واحدة من “السيد المثقف”، ولو ارتدى خطابه رداء العقلانية والحكمة واتخذ طابع وضع “خريطة الطريق”، التي لا أحسب أن السيد الرئيس كان مفتقداً لها ومتشوقاً إليها ولا مناوئيه كذلك.

أجل، يتوقع المرء من أحد كبار المثقفين العرب أن يتخذ موقفاً واضحاً، لا أن يتخذ لنفسه موقعاً زعاماتياً، مخاطباً بوعي أو من دون وعي، إنما بنرجسية مطلقة، مَن يحسب أنه يساويه شأناً وقامة، أي السيد الرئيس، ومَن في يده الحل والربط والقرار. فإذا صدق ظنّ أدونيس وكان السيد الرئيس هو صاحب القرار حقاً، أفلا يُسأل، بوضوح ودونما مواربة، عن الألف وثلاثمئة ضحية، والعشرة آلاف معتقل سياسي، والسبعة آلاف مهجّر، قبل مناشدته بأن يقود بنفسه الإصلاح والتغيير؟ كأن أدونيس في رسالته هذه قد حوّل نفسه من مثقف وشاعر إلى سفير لإحدى الدول الكبرى، عليه مراعاة كلماته، وسكبها في جرعات محسوبة، لأن الصورة – صورة الخاسر والرابح في المعركة الحالية – غير واضحة المعالم بعد. أو ربما كان يتصرف كزعيم سياسي يدرك أن كل كلمة يقولها سيكون لها أثرها في الشارع. تالياً، وتجنباً للعواقب المريرة التي تترتّب على كلماته، فإنه يحرص على اختيار هذه الكلمات جيداً. ولا أعني بالكلمات المفردات فحسب، بل إيقاع الخطاب ونَفَسه ومؤداه.

يدعو أدونيس في “أطروحته” إلى الفصل الكامل بين ما هو ديني وما هو سياسي واجتماعي وثقافي، منطلقاً في دعواه هذه من أن النظام قد تحول شبه مؤسسة دينية، تالياً لن يكون وصول إلى الديموقراطية من دون هذا الفصل، وهي الديموقراطية التي يذكّرنا أدونيس بأن العرب لم يعرفوها لا في ماضيهم ولا حاضرهم (نسأل هنا متى عرف الكثير من البلدان الغربية الديموقراطية كنظام سياسي فاعل، وهل هذه الديموقراطية متجذرة حقاً في التاريخ الأوروبي السياسي؟)، وبأن سوريا بعد سقوط النظام لن تصبح ديموقراطية بصورة فورية. ألا يستدعي مثل هذا الفصل، أن يتخلى أدونيس نفسه عن مخاطبة السيد الرئيس على أنه ولّي الأمر الذي، كما قلنا، في يده الحل والربط، والذي يكفي أن يتخذ قراراً شجاعاً وأخلاقياً “خصوصاً بوصفك رئيساً منتخباً”، حتى تجد سوريا الخلاص وتضع قدميها على أول طريق الديموقراطية. لا، أيها السيد المثقف، الحلّ لم يكن يوماً ولن يكون في يد من بات – لا كشخص فحسب بل أيضاً بما يمثله وبالمصالح التي يقف على رأسها – جزءاً أساسياً من المشكلة.

يقسم “السيد المثقف” المحتجين أو “المعارضة” قسمين: “الأصوات” (وهم الكتاب والفنانون ومن شابههم) وهؤلاء لا تأثير لهم في الأحداث الجارية على الأرض، و”الأعمال” مصنّفاً إياها كالآتي: “تظاهرات، اصطدامات، محرّضون، رافعو رايات وشعارات، قتلى، ومقاتلون”. لكنه في ذلك كله لا يقول مَن هم هؤلاء حقاً. لا يقول ببساطة إنهم الشعب السوري نفسه أو على الأقل قطاعات مهمة من هذا الشعب، بل يكاد يوحي بما يوحي به النظام نفسه بأن ثمة مواجهة بين طرفين، وبأن الطرف الآخر المعارض “يقاتل” الطرف الأول، أي النظام، ولا يتظاهر سلمياً، ويقتل بكل دم بارد، فاستحق إذاً القتال. يشعر المرء بأن الكلمة التي تردّدت على طرف لسان أدونيس هي “الغوغاء”، لكنه لم يستخدمها حياءً ربما، وربما حذراً، مغفلاً أن من بين المحتجين مثقفين وأدباء علمانيين وناشطين حقوقيين من الجنسين يدفعون ثمن احتجاجاتهم غالياً، وعدد كبير منهم لا يزال قابعاً في سجون السلطة بسبب المواقف التي أبداها منذ اللحظات الأولى للصراع، وأحياناً قبلها بكثير.

لا خلاف على الكثير من الأفكار التي يطرحها أدونيس حول سوريا والعلاقة بين الحزب والمجتمع وبين الديني والدنيوي والمساواة والديموقراطية… إلخ، لكن هذه الأفكار تبقى عامة، تنطبق على معظم المجتمعات والنظم العربية، أو العالم ثالثية. وينطبق على هذه الرسالة ما ينطبق على خطاب السيد الرئيس نفسه: لو أنه قيل قبل سنوات أو حتى قبل أشهر من وقوع الأحداث، لكان له معنى وتأثير، أما اليوم وبعدما سال الدم في الشوارع، وفي جوّ وخطاب سياسي ودعائي لا يوحي إلا بالمزيد من الفوضى والدماء، فإن المطلوب – ما دام المثقف لا يغيّر في واقع الأمر شيئاً – ما يطلبه أدونيس من “قادة حزب البعث” من “أن تكون لهم الجرأة الأخلاقية والتاريخية”، وتسمية القتلة، كما المقتولين، بأسمائهم، لا الوقوف على شرفة شاهقة العلو والقيام بالتوصيفات وإبداء النصح وإسداء “التمنيات الصادقة… لسوريا وشعبها، ولك أيها السيد الرئيس…

سامر أبو هواش

Tags:

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • للحصول على “صكوك ” الوطنية رجاء الوقوف بالدور أمام كوة ابراهيم الحمدان !

    المهم ليس شخص ابراهيم الحمدان , لأن الحمدان ثرثري  كغيره من  أزلام النظام , ثرثري  في نظام ثرثرة وسمسرة ,أتطرق للحمدان   كنموزج  عن الانسان المشوه  , الذي يمثل نظاما […]

  • مجازر على إيقاع الحراك الدولي!!

    مجازر على إيقاع الحراك الدولي بشير عيسى يكاد ينحصر دور العقل الفاعل والمؤثر في عالمنا العربي في تدبير المكائد ونسج المؤامرات، وذلك من خلال إثارة العواطف والرغبات المكبوتة، بغية السيطرة […]

  • تلك أمة قد خلت…..

     بقلم:محمد حبش أثارت كلمات سريعة كتبتها معارضة سورية غضبا شديداً في الشارع السوري واعتبرت تجديفاً في الدين وتشويها لتاريخه، ونالت الكاتبة سيلاً من الشتائم المقذعة الفاحشة التي لا يمكن روايتها […]

  • الانقلاب التركي على السلطة السورية

      لماذا انقلبت تركيا على السلطة السورية ؟ السبب على مايبدو متعلق بالربيع العربي , تركيا متأكدة من زوال الأنظمة  العربية , وقيام نظم جديدة , وتركيا تريد أن تكون […]

  • انها مجزرة كغيرها , وصواريخ كغيرها أيضا

    يدعي نزار نيوف  على أنه يجيد الكذب أكثر من وكالة سانا , وقد انتقد نزار نيوف سانا  , لأنها صرحت واعترفت بأن  سبب مجزرة الجامعة في حلب   هي الصواريخ  , […]