لايوجد أي شك بوجود الفساد , كما أنه لايوجد أي شك بضرورة مكافحة الفساد ..الى هذه النقطة هناك توافق بين الحكومة وبين منتقديها ومؤيديها , وللأسف لم يحدث نقاش جدي وعميق لحد الآن حول الطرق التي يمكن عن طريقها مكافحة الفساد ومكافحة النواقص العديدة الأخرى , التي لايشك أحد بوجودها .
الثورة أو الاحتجاج أو الانتفاضة ..أو غير ذلك من الأسماء, ليست أمر طوباوي , انها أمر يخضع للنقاش والتحليل ثم لمبدأ التفاضل ..نريد التغيير والتطوير ..ثم نختار أفضل الحلول , التي ليست بالضرورة مثالية , وانما عملية , وقد نوه الكثير من مؤيدي النظام على أمر بدى في البدأ وكأنه غير مهم وغير صحيح , هؤلاء قالوا , ان الوضع في سورية يختلف عنه في مصر وتونس , هذا الادعاء , قوبل , على ما أظن , بالكثير من الشك , ولكل الحق بالشك بما يعتبره مشكوك به , تطور الأحداث أثبت, ولو جزئيا, صحة هذا الادعاء ..لم يتبرع أحد لثوار مصر وتونس بجوالات “الثريا” ولم يهرب أحد الأسلحة الى شباب ساحة التحرير , ولم يطلق شباب ساحة التحرير النار على المارة , ولم يفكر أحد من شباب ساحة التحرير باعلان قيام ولاية اسلامية , ثم ان شباب التحرير لم يقعو في الفخ الأصولي الديني , وذلك على الرغم من قوة هذا التيار ,على الأقل في مصر .بالنسبة لأسباب الاحتجاج لايوجد فرق جوهري بين سورية أو مصر أو تونس , الفرق واضح وموجود في “تطور “حركة الاحتجاج أو الثورة .
هناك أكثرية تعارض الفساد وتؤيد الحرية والديموقراطية في سورية , هذه الأكثرية أصيبت بالصمت المتزايد وبالصمم من هول لعلعة الرصاص ومن هول رؤية الجثث المقطعة اربا اربا , والقول ان بعض عناصر الأمن مارست الكثير من الأخطاء هو صحيح , والقول أن الكثير أو بعض عناصر الحركة هربوا الأسلحة واستخدموها للترويع والقتل صحيح أيضا , الأكثرية التي أصيبت بالصمم والبكم , والتي تدرك مواطن الفساد , أكثر من ادراك البلطجية لهذه المواطن , لاتريد الموت على قارعة الطريق برصاص من قبل أي كان , هذه الأكثرية شعرت بالخوف من مستقبل دموي مدمر , وفقدت الثقة بالجميع ,وأولهم الثقة بالحركة , التي تقبلت اسلحة وأموال الخدام والحريري ورفعت وبندر وغيرهم ..استخدام السلاح والعصيان المسلح في بانياس وغيرها من المدن يمثل غباء استراتيجيا لايوصف ..الشعار كان خيار الانتحار ,ومن قال ان معظم الشعب السوري يريد الانتحار معهم, خيار معظم المواطنين كان ولا يزال الحياة وليس الموت .
أرى ان الحركة فشلت أو ستفشل , لأنها تقلصت وضمرت وتقوقعت على نواة أصولية دينية , يجب على الحركة , التي تريد النجاح , أن تتوسع شعبيا , وأول مظاهر تقلص وانكماش هذه الحركة , هي انطلاقاتها من المساجد ..خاصة أيام الجمعة , وتزعمها من قبل المشايخ ..ان كان في درعا أو في بانياس أو حي الميدان أو باب عمرو ..لا أستطيع الهرولة وراء المشايخ لكي أصل الى شاطئ الحرية والديموقراطية ..هنا أعود الى المفاضلة ..للنظام أخطاء لاجدل حولها , أما المشايخ فهم بكاملهم خطأ , النظام اعترف بالعديد من الأخطاء , ومهما كانت نتائج جهوده في اصلاح هذه الأخطاء ضحلة , يبقى الوضع أفضل من التوضع في الكماشة الدينية , التي لاصالح بها ولا اصلاح لها , هذا هو ,على ما أظن ,الحس الشعبي العام .
من العسير رصد بزوغ فجر الحرية من خلف شعارات المشايخ ومن الجوامع أسام الجمعة , ومن الصعب جدا الانضمام الى رتل السيد الدكتور محمد رحال الاخونجي القاعدي , الذي جاهد مع القاعدة ورسم نفسه مؤخرا منظرا ومرشدا وقائدا للثورة والثوار ,مايريده الاخونجية معروف , والخبرة في التعامل معهم ليست جديدة , وتصدر الاخونجية للحركة , هو الذي قضى أو سيقضي عليها , رصاص رجال الأمن لايقضي على ثورة شعبية , عدم شعبية الحركة وعدم مقدرتها على التوسع شعبيا هو الذي حولها من “ثورة ” الى شيئ آخر لايمت للثورات بصلة ..الشيخ العيروط ليس غيفارا , ومحمد رحال ليس ماوتسي تونج, وابتعاد الكثير من أبناء الشعب عن المشايخ لايمثل ابتعادا عن المطالب المحقة , وانما ابتعادا عن حماقة عسكرة الحركة , واستزلامها للمشبوهين من أمثال الخدام وبندر والحريري ..لاتكفي معرفة ما لانريد ,وانما يجب معرفة ماذا نريد ..وما نريده لايتفق مع ارادة مصلين يوم الجمعة ولا مع مشايخهم !!
