ممدوح بيطار :
يقال على أن العرب استعمروا شعوبا كغيرهم من المستعمرين ,بدون أي شك لاوجود لأي دولة أو مجتمعا الا واعتدى على غيره , البشرية تعرف الشرور منذ ان وجدت , وجود الشرور لايشرعنها ولا يحولها الى قاعدة للحياة وللتعامل مع ابناء الحياة , الشر دائما استثنائي .
لقد برع كل مستعمر في تبرير استعماره بشكل وطريقة ما , أهداف الاستعمار كانت في معظمها ريعية مادية موجهة لخدمة المصلحة الذاتية , بريطانيا استعمرت الهند , ومن مصلحتها كان تأمين الطريق الى الهند , لذلك ارادت السيطرة على قناة السويس ,استعمر العثمانيون بلدان الشرق وشمال أفريقيا بشكل غير مسبوق تاريخيا بما يخص الاستغلال وممارسة الاستعباد والاستهلاك والتوحش البربريي , بحجة كونهم استمرارا لخلافة مقدسة.
الفتح شكلا من أشكال الاستعمار , وله مدلولات سياسية تعني “ضم البلاد المفتوحة إلى الدولة الفاتحة ليس اداريا فقط , انما تملكا واعتبار الملك الجديد جزءا من املاك الفاتح ,غنيمة حرب !, لاواجبات للفاتح تجاه الشعوب المفتوحة , سوى ما يخص مصالح الفاتحين المادية , جزية او جواري ..الخ , لغويا لاتخلط العربية بين مفهوم الفتح ومفهوم الاستعمار , اذ تشير مفردة “فتح” في المعجمم الوسيط الى ” التغلب عليه وتملكه , بعكس اللغات الأجنبية, التاي لاتفرق بين مفهوم الفتح ومفهوم الاستعمار.
يدعي البعض بأن الفتوحات لم تستهدف الأراضي والسكان, وإنما هدفت نشر الدعوة عن طريق الجهاد , ولكن الغزاة لم يكونوا دعويون , انما كانوا ذبيحة , همهم الأول والأخير كان الغنائم وتحصيل الجزية وخطف السبايا والجواري , لقد كان استهدافا للارض ولسكان هذه الأرض ايضا , فاعتبار الأرض ولاية او جزءا من ممتلكات غنائم الحرب كان استهدافا للارض, دفع الجزية عن يد او التعرض للحرب ثم خلق المجتمع الطبقي كان استهدافا للبشر , استهداف أجبر البشر على تغيير انتمائهم الديني والاجتماعي والحضاري , وحتى انه كان على الآخرين كالكردي والامازيغي ان يتعربوا ,في اطار برامج ومشاريع كان السيف وسيلتها وأداتها , الاستعمار يستغل ولكنه لايغير عادة خصاص شعوب المستعمرات , الفتح يستغل ويغير خصائص الشعوب المفتوحة كاللغة والانتماء باشكاله المختلفة , الفتح شكل من ابشع اشكال الاستعمار, لذلك منعت عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى الفتح وحتى استخدام مفهوم الفتح , الفتح ليس استيطاني فقط , انما تملكي , وبالرغم من ذلك لايزال هناك من العديد من الفئات , التي لاتزال تمجد تملك اوطانهم من قبل الفاتحين . .
قاد الاستعمار بأشكاله المختلفة من احتلال الى فتح او غير ذلك الى تأزم علاقات الشعوب التاريخية مع بعضها البعض , لذا ولدت الحاجة للتصالح مع التاريخ , والتصالح يتطلب الاعتراف بالأخطاء التاريخية , وهكذا تصالح الشعب الألماني مع التاريخ , بعد أن أجرم في زمن القيصر وفي زمن الفورر هتلر , وأشعل نيران حروب عالمية ,اعترف الألمان بالخطأ ثم اعتذروا وعوضوا وتعهدوا بعدم تكرار ماقاموا به في القرن العشرين , وبذلك تمت تسوية وضعهم عالميا , أسسوا دولة جديدة تمكنت من تصدر العالم علميا وحضاريا وانسانيا.
لم تتصالح بعض فئات شعوب هذه المنطقة مع التاريخ ولم تعترف بالخطأ ولا تزال تمارس نمطية الادعاء بأن القريشيون فتحوا اسبانيا لانقاذ اهلها من ظلم “القوط”, جاء خالد ابن الوليد لانقاذ بلاد الشام من الرومان , وذهب عمر ابن العاص الى مصر لينقد المصريين , وعقبة بن نافه لانقاذ الأمازيغ من الامازيغ , كل ذلك كلف بدو الجزيرة ارواحهم ودمائهم التي بذلوها لانقاذ البشرية ورفع الظلم عن البشر , ولكن لماذا بقي المنقذ مئات السنين مسلطا سيفه على رقاب الناس , أما كان لهم أن يمضوا من حيث أتو!! , تلك الطروحات تفتقد الابجدية والمصداقية, انه تسربل بجلابية المثالية , طروحات مغرقة بالسواد المغلف بالتضليل واحتقار الخالق , الذي يتهمونه بأنه كان الآمر بخصوص الفتوحات والآمر بخصوص السبي والآمر بخصوص السرقة والنهب !!!.
لايزال العروبيون والاخونج يعتبرون فتح سوريا وبلاد الشام تحريرا لها باستعبادها وتملكها واذلال شعوبها بالجزية والطورقة والعهدة العمرية , لايزال معظمهم يعتبر طرد البدو من اسبانيا عملا شريرا , فاسبانيا أصبحت عربية قريشية بعد فتحها من قبل بن زياد وبن نصير , وعليها العودة الى مالكيها , ليس فقط اسبانيا انما مصر وشمال أفريقيا وحتى الهند أيضا , حيث خرب غاندي طبيخ الخلافة , التي كان لها أن تتأسس في الهند , كاستمرار لحكم المغول , لايفهمون ولا يدركون اسباب تحول مشاريع العديد من الدول الى الفشل وعلاقة الفشل مع التراث البدوي كما هو حال بلاد الشام وغيرها من المستعمرات التملكية .
الاعتراف بالخطأ ضروري للتصالح عن طريق الاعتذار , ولكن الصغار يستصعبونه , الاعتذار من شيم الكبار ,والكبار وحدهم يملكون الرصيد المعاوض , يملكون من الحسنات مايغطي السيئات , وأين هي حسنات العروبيين , التي يمكنها أن تعاوض عن أخطائهم بفتحهم اسبانيا او حتى اجزاء من شرق اوروبا وبلاد الشام وغيرها , لذلك لم يعتذروا ولن يعتذروا , بل بالعكس يبشر بعضهم بضرورة عودة الفتوحات , حتى أن بعضهم تعثمن وساعد تركيا على فتح واحتلال شمال سوريا , وطنهم ليس سوريا , انما بلاد العرب ” اوطاني ” , او الأمبراطورية القريشية حسب نظرة حسن البنا وغيره من المجاهدين .
لقد اتضح الأمر لمعظم السوريين , اتضح انه لامكان في سوريا سوى للسوريين كمواطنين انتماء وهدفا ومصيرا , لا وجود لدولة أخرى داخل الدولة السورية , لاوجود لدولة حسن البنا ولا لدولة عفلق- الأرسوزي داخل الدولة السورية , ومن يحاول خلق دولة ضمن دولة سوريا , انما هو جزء من الطابور الخامس , الذي سوف لن يسمح له بممارسة تخريب سوريا بشكلها الجديد المرتقب .
