سمير صادق :
توظيف السياسة دينيا , وتوظيف الدين سياسيا ليس بالامر النادر عالميا وتاريخيا , الا انه مكثف جدا في منطقة الشرق الأوسط حاليا , بالنتيجة ولد ماتسمى السياسة المقدسة , التي تلاشت بفعل العديد من المراجعات في الغرب,وفي الشرق العربي تجذرت وتكثفت بفعل التراكمات , اختفى في الغرب مايسمى الحق الألهي , وفي هذه المنطقة ترعرع وتضخم الحق الالهي , هناك نزعت القداسة عن العمل السياسي , وفي الشرق ارتفع منسوب المقدسات في السياسات, في الغرب قبرت القرون الوسطى , وفي هذا الشرق ولدت القرون الوسطى من جديد …
لكل ذلك أهداف ومسببات ,من أهم أهداف الفصل في الغرب كانت حماية مصالح الشعوب , ومن أهم أهداف الدمج في الشرق كانت حماية مصالح من يحكم هذه الشعوب , لذلك تم هناك فصل الدين عن الدولة , وفي هذه المنطقة تم دمج الدين مع الدولة , انفرطت العلاقة هناك بين رجل الدين وبين الحاكم , وفي الشرق التصق الحاكم برجل الدين , ليتحولوا الى حلف للدفاع المتبادل , المؤسس على عدم تمكن الحاكم من الاكتمال اي التأبيد والترويث والاستغلال بدون رجال السماء , ولا تتمكن السماء من الاكتمال بدون حاكم الأرض , لاتكتمل أركان الدين الا بالاستيلاء على السلطة كليا او جزئيا , وعلى الجزئي أن يتحول الى كلي بطريقة التدرج .
ليس من النادر لابل من الحتمي ان يكتشف او يشعر فرعون الأرض بمآرب السلطات السماوية وبالعكس ايضا , فالفرعون ميال الى نقض اتفاقية السياسة المقدسة , ميال الى التهام السماء ايضا , وشهيته لاتقل عن شهية السماء لالتهام الأرض وما عليها , لذلك فالصدام متوقع وحتمي , ومتميز عادة بالعنف المفرط الدموي , فقضية الصدام تبدأ باعتبارها قضية حياة او موت من كلا الطرفان …اما قاتل او مقتول !!!! , الا أن رعونة وتطرف البداية لاتلبث ان تتحول في معظم الحالات الى قناعة وتوافق , بأن وجود طرف متعلق بوجود الطرف الآخر , هنا يبدأ التباوس من جديد وتختبئ خناجر الطعن وراء الظهور , وتبدأ الحناجر بانشاد أناشيد التسامح والعيش المشترك والوحدة الوطنية والقواسم المشتركة ومصلحة الوطن بالتضامن والتكاتف , في هذه الأجواء ” البناءة ” توضع أسس توافق جديد , لتتم خيانة هذا التوافق والالتفاف عليه بعد فترة , ثم يعود الطرفان الى التناحر من جديد ,
يتسم التوافق والتعارض بكونهما حالات مرحلية مبرمجة ومؤسسة على ثنائية المصلحة والضدية في العمق , التوافق والتحابب والتباوس ليس سوى هدنة تليها مرحلة التعارض والتضارب والتحارب , يتصف التناوب بين التوافق والتعارض بشكل من الثبات والجمود الزمني في اطار حبكة جاهزة تؤمن للتوافق والتضارب المتناوب نوعا من الاستمرارية المحدودة , الأمر شبيه الى حد ما بزواج المتعة او الزواج بنية الطلاق أو زواج المسيار , او غير ذلك من حالات الزيجات المرحلية المؤقتة بالنسبة للشخص والمستمرة بالنسبة للمبدأ والنهج .
تقدم الدول العربية ظاهرتان متلازمتان , هما المقدس السياسي والسياسة المقدسة , ولهذه الظواهر تأثيرات بالغة السوء على وعي السياسي وعلى وعي المقدس , هنا تغيب في معظم الحالات الحدود بين السياسي وبين المقدس ويحصل الالتباس , وهذا مايلاحظ على العديد من النقاشات التي تبدأ بالسياسي وتتطور فورا أو بسرعة الى المقدس , الى الحلال والحرام والى النصوص ثم الى الحديث والسيرة وغير ذلك , يقود الالتباس الى التضليل والباطنية , ولنسعين ببعض الأمثلة , تزمجر نمور الأصولية السلفية ضد اليهود , ومن يسألهم عن سبب تلك الزمجرة , سيجيب الصريح منهم كالحويني وأشباهه , ان السسب هو العداء التاريخي لليهود , والذي بلغ من العمر ١٤٠٠ سنة , لا علاقة لهذا العداء مع قضية فلسطين الحالية …. هنا التبست قضية فلسطين السياسة مع قضية بني قريظة الدينية ,
الالتباس ليس وحيد الاتجاه او وحيد الجانب , لقد رأى البعض مشكلة فلسطين السياسية من منظور ديني مقدس , وهناك من يرى مشكلة دينية من منظور سياسي , وهكذا حول هؤلاء زمجرة الملالي الدينية الى ضجيج سياسي , اذ حسب رؤيتهم لا علاقة للمقدس بالفتوى الدينية بقتل سلمان رشدي , ولا علاقة للملالي بالمقدس الديني , انما فقط بالسياسة في هذه الحالة , الرؤية سياسية بينما المشكلة دينية ,
دمج السياسي بالمقدس ودمج المقدس بالسياسة , هو تعبير عن أزمة عقلية عميقة , ترفض اي حدود بين السياسي الغير مقدس وبين المقدس السياسي , الدمج موروث تاريخي من الخلافة بشكلها القريشي وبشكلها العثماني السلطاني , تلك الأشكال كانت اندماجية ببنيتها, معظم شعوب المعمورة فصلت , بعكس شعوب هذه المنطقة التي دمجت ,وتدمج بتزايد , مما يضعف الأمل بفرج قريب .
