مها بيطار , ميرا البيطار :
لا نظن بجدوى ممارسة نقد المقدس بمقدس آخر , ولا تجدي مواجهة فكر بأدوات هذا الفكر , وليس بالامكان التصدي للخرافة بخرافة , ومن غير العقلاني مواجهة الدين بدين آخر, ولايمكن نقد المقدس من وراء حجاب الخطاب الديني المؤسس على التقديس , من يمارس ذلك يكرس اعادة انتاج الخطاب الديني بطريقة او اتجاه آخر … , قد لايكون من المبالغة القول على أن ذلك يمثل نوعا من التحايل التكتيكي , الذي اتقن الفكر الديني ممارسته وتكريسه عبر التاريخ, والذي لايقبله ولا يتقبله الفكر النقدي .
النصوص الدينية واضحة وصريحة في تقزيم الانسان , وتعريفه بانه ممثل لأحد اشكال العبيد باسماء مختلفة , الدين كمعتقد رسخ وكرس مفهوم العبودية ,التي بقيت مبدأ ساري المفعول على كل جوانب الحياة على الأرض , وذلك بالرغم من تحديد المعبود بالخالق السماوي , عبودية الخالق سقطت على الأرض وتحولت الى عبودية المخلوق , ولا أسهل من أسقاط هذا المبدأ على الأرض, ولا أسهل من تأليه بعض البشر وبالتالي عبادة بعض البشر ,
يؤسس الدين في بنيته الاعتقادية لجدلية المالك والمملوك , السيد والعبد , الحرة والأمة , يؤسس للسمع والطاعة والى الخضوع والخنوع ,للاتكالية والقدرية ثم التوحيد السماوي , الذي سقط ايضا على الأرض فور ولادة الدعوة وأسس للديكتاتورية , الخليفة كان الفقيه والسياسي الديكتاتوري الممثل للخالق على الأرض , الدين وخلفائه استرقوا بعضهم البعض , واسترقوا في فتوحاتهم الغير وأحرار الغير ايضا , الذين دفعوا الجزية عن يد وهم صاغرون ,كل ذلك كان تطبيقا للحق الألهي , ومن تطبيقات الحق الالهي كان اختطاف عشرات الألوف من الاسبانيات البكر وغير الاسبانيات من قبل جيوش البدو , ثم ذجهم في كراخانة دمشق وفي كراخانة بغداد, الدين بطبيعته استعبادي , صراحة وصف الله البشر بالعبيد , الذين خلقهم ليعبدوه .
لا يمكن للدين الا أن يكون استعبادي, فالأمر لايقتصر على اعلان الخالق بأن سيد الجميع الذين خلقوا ليعبدوه , فكل الديباجة الالهية مؤهلة للاستعباد , السمع والطاعة يؤهل للاستعباد , الايمان يؤسس للاستعباد , الغيبية التي لايعرف لها رأس وأساس مؤهلة للاستعباد , التوحيد المناقض لطبيعة البشر مؤسس للطغيان وللديكتاتورية على الأرض وللاستعباد , احادية السلطة والتسلط ديكتاتورية بطبيعتها , التقديس تسلط والمقدسات ديكتاتورية قاتلة , وكم قتلت المقدسات من بشر! وكم خاضت من حروب ! وكم خربت من ديار ودول ومجتمعات , أخضعت بالمطلق للمقدس وبساطور الذبح …جئتكم بالذبح !!! , وكان عليها أن تتزلف لممثلي السماء على الأرض , ثم أن تتقبل مبادئ وأخلاقيات مناقضة للوعي الأخلاقي السليم الحر , الذي شوهه فرض الهيمنة عليه من قبل الغيبية الدينية , فرض تم بقوة يمين السيف والعسكر , الذي انحنت الرقاب له قسرا ثم خنوعا وسجودا .
هل هناك ابشع من أن يتم تقديم الانسان “كهدية ” نكاحية من قبل تقي ورع الى تقي ورع آخر , كما هو بليد ومنافق أن يضرب الفاروق أمة لأنها تجرأت على لبس الحجاب والتشبه بالحرائر , هل يمكن للعقل السوي ادراك معنى “ملك اليمين ” لغة وثقافة , وملك اليمين لايمثل كل الظلم والظلام , انه بقعة سوداء الى جانب مئات البقع السوداء الأخرى , التي تشمل مجمل مايسمى شرعية النص العنصري …كمثال على ذلك مفهوم أهل الذمة.
الذمي هو مصطلح اخترعته الدعوة الجديدة , وبه تم توصيف ما سمي أهل الكتاب , الذين خضعوا لسلطة أهل السيف في بلدانهم التي فتحت من قبل أهل السيف , الذين فرضوا على غيرهم تطبيقا للشرع “المقدس” من عدة شروط أو خيارات , منها ترك ديانتهم والتحول الى الدين الجديد , ومنها دفع الجزية ثمنا لحماية الرأس من البتر , وذلك لمن اراد البقاء على دين الكفر , كانت الجزية وسيلة ضغط مادية هدفها ارغام الناس على الدخول في الدين الجديد , والارغام لايستقيم مع مفهوم الخيار الحر ,الذي اغتالته احكام الغزو مثل ضرورة الطورقة وكل ماجاء في العهدة العمرية الممثلة للشناعة والانهيار الأخلاقي وللانحطاط , الذي لايعرف التاريخ شبيها له , والذي يمارسه البعض حتى هذه اللحظة , من جهة يشكو هؤلاء من ظلم الاستعمار لهم , ومن جهة أخرى يروجون لاستعمارهم القبيح للغير , هؤلاء مصابون بما يسمى “الداء الاستعماري ” , الذي حول استنكارهم لاستعمار الغير لهم الى رياء ونفاق وسوء اخلاق.
لايقتصر تزييف الوعي واغتيال العقل والأخلاق على اشكالية حجاب أمة الفاروق , وعلى اختراع مفهوم أهل الذمة ثم على موضوع الجزية وعلى روح وجوهر أحط وثيقة عرفها التاريخ , اي العهدة العمرية , التي صاغها من يعتبروه قمة العدل , فهناك مجمل التراث المشابه , والمعبر عن عنف داخلي متجذر في النفوس , قتل المصابين بداء الاستعمار قبل أن يقتلوا اعدائهم , قتلت الأخلاق بممارسة الرزيلة , قتل الحب بممارسة الكره , قتل التقدم بعشق التأخر , قتل الحق بالادعاء بأنه مطلق وبالتالي لا وجود سوى لحقوقهم , كل ذلك , ويمكن اضافة الكثير, مثل مايسمى الجهل المقدس او حيونة الانسان كما عبر عن ذلك الكاتب ممدوح عدوان ,
انطلاقا من المصلحة الذاتية لابد هنا من محاولة الاصلاح , فالجهل لايقضي على الجاهل فقط , انما على من يعيش معه وبجواره ,نحن نعيش مع جهل وحيونة هؤلاء , لذلك فانه من مصلحتنا تنويرهم بالتنوير الناقد , لا اصلاح وتجديد بدون نقد , عليه الابتعاد عن اساليب الجهلة المصابين بداء الاستعمار , سيخسر النقد معركته التي تخاض بسلاح الخصم …كأن يتم نقد آية بآية أخرى , لايمثل استعمال سلاح الآيات سوى تكريسا لعلم ومنطق مفهوم الآية , لايمثل سوى اعترافا غير مباشر بمرجعية الآية وتكريسا للفكر الديني ,الذي لايمثل حتى بتناقضاته أي شكل من أشكال الانفتاح والمنطق والعقلانية
Post Views: 734