ربا منصور :
هناك التباس في العديد من أوجه حياة السوريين , يقال على انهم مواطنين ويعيشون في وطن, لذلك عليهم أن يكونوا وطنيين , الا انهم حقيقة ليسوا مواطنين ولا يعيشون في وطن , ولا علاقة لمدلول الوطنية المفروض عليهم بالوطن , انما بالتذلل لشخص احتل البلاد , لا لزوم للشعور بالمبالغة وعدم الدقة بسبب مفردة “احتل البلاد ” , فعلا احتلها بالعسكر, واستعبدها ونهبها وخربها ودمرها , الاحتلال يعني فرض سلطة على البشر قسرا , وبرهان القسر في اليد , فلو أراد الشعب مايريده الأسد لما اشتعلت نيران الحرب الأهلية .
قد يقول المحتل على أن من يحاربه ليس سوري !,نعم ليس سوري , الا أنه حموي وحلبي ودرعاوي وادلبي … ألخ , لقد تلاشت سوريا واندثرت ,ولا وجود للسوري ,عندما لم يعد هناك شيئ اسمه سوريا , لكن بالمقابل من يحارب الدرعاوي والحلبي والدمشقي بالتأكيد ليس سوري , انه الروسي والايراني واللبناني والأفغاني والحوثي ومن انتحل صفة المواطنة السورية من الذين يسكنون في سوريا برسم المساكنة وليس برسم المواطنة .
أما عن الوطن فهناك التباس أكبر , بعد فقدان الوطن تبخرت المواطنة , والشعب انقسم الى نصفين, , نصف أصبح في المنفى الخارجي , والنصف الآخرلايزال في المنفى الداخلي , أي أن الحياة هنا هي حياة في المنفى السيئ مقارنة بالمنفى الخارجي الأفضل , لو لم يكن الأمر كذلك, لما حاول من يعيش في المنفى الداخلي الهروب الى المنفى الخارجي , ذلك لأن المنفى الخارجي يحترم كرامة الانسان , ويطعم الجائع , ولا يهدم البيوت فوق رؤوس أصحابها , وفي المنفى الخارجي توجد كهرباء وماء وغذاء ومدارس ومستقبل أيضا , ولا يوجد في المنفى الخارجي تجنيد قسري على طراز “سفر برلك” , كما أنه في المنفى الخارجي لاوجود لسرقة المعونات ولا للمخابرات , وفي المنفى الخارجي لا قتل ولا اقتتال .
لايؤمن المنفى الداخلي لقمة العيش , واذا تواجد من يؤمنها له , يقوم المحتل الداخلي بسرقتها , وعن الاهانة والتعذيب والتعتير والاعتقال فالوضع مرعب , حتى الكلام ممنوع في المنفى الداخلي ,لايكفي الجوع والاهانة في المنفى الداخلي, هناك الصاق تهمة الخيانة على الجميع تقريبا , فمن لايزال يعيش كالدابة في المنفى الداخلي هو خائن بنظر البعض الى أن يثبت العكس , على الانسان الذي لايزال في البلاد أن يبرهن على الدوام على أنه سلطوي , سيان ان كانت السلطة أسدية أو فصائلية .
التبس المنفى بالوطن ,والتبست المقبرة بالوطن والسجن بالوطن , ثم الموت بالوطن , ومن يدخل الى مدينة موالية يصطدم بالأشباح الميتة من الشبيحة معلقة كصور على كل جدار , لقد تحولت الجدران الى مقابر , آلاف الصور تمجد القتل والعنف , صور لأشخاص بلباس قاتل البشر اضافة الى آلة القتل والى بقية عتاد القتل من ذخيرة ونظرة ووقفة وتحدي وتبختر بالآلة التي لاوظيفة لها الا القتل , انهم كما يقول المكتوب على الجدران “شهداء” وأبطال ومجاهدين في سبيل الله والأسد والوطن , وأي وطن هذا الذي لم يعد له وجود ولم تعد له حدود , وطن يمجد القاتل ويحرضه الى مزيد من القتل ليس بالوطن ,انه كيان منتحل لصفة الوطن, لماذا الموت من أجل الأسد الذي لايموت من أجل أحد , قالها وقالوها صراحة سنحرق البلد ان ذهب الأسد ,عندما يصبح الشخص أهم من الوطن يفقد الوطن قيمته المعنوية والرمزية والمادية, ويتحول الى سلعة تافهة .
نحن أمام دواب من مختلف الأنواع والأشكال , وعلى حديقة الحيوانات يسيطر مخلوق لم تنجب النساء له شبيها , وبعد ولادته توقفت النساء عن الانجاب , هل هذا المخلوق بتلك الخواص الخارقة لكل معايير البشر ؟؟؟ , بخواصه الجيدة أو بخواصه السيئة ؟ للأسف يجب القول على أنه خارق لأنه خوزق عشرات الألوف في سجونه , وقتل مئات الألوف في ربوع ماكان يسمى “وطن” , شرد الملايين , والملايين الباقية تنتظر أول فرصة من أجل الابتعاد عن الجيفة ,كل ذلك لم يؤثر ايجابيا على مزاجه وعلى عزمه افراغ البلاد واعطائها لمن يدافع عنه , انه المجدد الذي سيجدد الشعب وسيستبدله بشعب آخر.
من الأمور المهمة , التي شعر بها السوري هي حالة “المؤقت”, أعرف العديد من النازحين , الذين ظنوا في بداية الحرب , على أن نزوحهم “مؤقت” , وبعد اسابيع سيعودون الى بيوتهم , الا أن المؤقت تحول الى ديمومة , وبالتالي انحرفت حياة البشر عن الطريق الطبيعي , غدا المؤقت طبيعي والطبيعي مؤقتا, دون أن يكتسب أي منهما صفات الآخر, فلا الطبيعي بقي طبيعي, ولا المؤقت أصبح طبيعي , والاندماج في المؤقت لم يكتسب صفة الطبيعي ولم يبارح أصله.
حياة تشبه الموت , وموت لايشبه الحياة , وحتى مقارنة حياة “المؤقت” مع حياة البدو الرحل غير صائبة , البدو يرحلون من هنا الى هناك بناء على دورة بيئوية معروفة ذات علاقة بالمطر والخضر , أما حياة المؤقت السورية فتتسم بالمؤقت في المجهول والمجهول في المؤقت , على أي حال بلغت حالة انعدام الأفق درجة من الكارثية تعجز الكلمات عن توصيفها.
لا أزال أجد صعوبة في التصالح مع كلمة “منفى” وكلمة “مؤقت,لا أستطيع دون مقاومة داخلية الاقرار بأن رحيل الناس ضرورة موضوعية ,موضوعيا يجب على ٢٣ مليون سوري أن يرحلوا بطريقة ما, وذلك على الرغم من صعوبة التيقن من كون أوطان السوريين الجديدة أفضل من مكان ولادتهم وترعرهم , الا أن الواقع يفرض نفسه بقوة , نعم الأوطان الجديدة هي الأوطان النهائية , التي ستلغي مفردة “مؤقت” ومفردة “منفى” , وهي التي ستعيد حياة البشر الى دورتها الطبيعية, التي تتميز بالاستقرار وبالتالي الاستمرار,المعادلة بسيطة وواضحة , المنفى السوري هو سجن لاتتوفر به الا امكانية التعذيب والاذلال , اضافة الى كونه المكان المناسب للموت جوعا ومرضا وقهرا , لقد تغيرت مفاهيم الوطن والحنين اليه ثم العودة , من يحن الى بلدته أو قريته التي ذاق بها المر لسنين ؟, ومن هو الذي يطلق اسم الوطن على مكان المذلة والجوع والمرض والتشنيع والاعتقال والتشليح والسلبطة ؟؟ ابحثوا عن اوطان أخرى
