عثمانلي :
حسب قانون العقوبات السوري يقصد بتلك الجريمة تلك الدعوات التي تهدف إلى إثارة أجواء القلقلة والرعب والإحباط في نفوس أبناء الأمة عن طريق نشر الأكاذيب والإشاعات المغرضة التي تخيف الناس وتدفعهم للتقاعس عن أداء واجبهم بالدفاع عن الوطن والاستسلام للعدو وللأخطار المحيطة به .وتبدو هذه الجريمة متشابكة ومتداخلة في أحكامها فالمشرع لم يحصرها بزمرة الجرائم الواقعة على أمن الدولة الخارجي وإنما اعتبر بعضها يؤلف جرائما مخلة بامن الدولة الداخلي ، فالجرائم التي تنال من هيبة الدولة ومن الشعور القومي والتي اعتبرها المشرع مخلة بامن الدولة الخارجي
يمكننا تلخيصها بما يلي :
أولا – الدعاوى التي ترمي إلى إضعاف الشعور القومي او إيقاظ النعرات العنصرية أو المذهبية : وهو من قانون العقوبات : ” من قام في البلاد في زمن الحرب أو عند توقع نشوبها بدعاوة ترمي إلى إضعاف الشعور القومي أو إيقاظ النعرات العنصرية أو المذهبية عوقب بالاعتقال المؤقت ” .
ونلاحظ من هذه المادة أن المشرع وضع مجمل شروط لتوفر الركن المادي لهذه الجرمية حيث يجب أن تكون الدعوات الرامية إلى إضعاف الشعور القومي أو إيقاظ النعرات العنصرية والمذهبية قد ارتكبت على الأراضي في زمن الحرب على البلاد أو في وقت يتوقع فيه نشوب هذه الحرب يستوي في ذلك أن يكون الفاعل سوريا أو أجنبيا ويقصد الشارع ” بالدعاوة ” التي ترمي إلى إضعاف الشعور القومي هي تلك الدعاوة ” الشعوبية ” التي يؤدي اعتناقها إلى إضعاف ولاء المواطن للعربي لأمته العربية أو التقليل من شأن ” العروبة ” أو إثارة النعرات الإقليمية ، والعقوبة التي فرضها المشرع على هذه الجريمة هي الاعتقال المؤقت وهي عقوبة جنائية الوصف تتراوح مدتها بين الثلاث سنوات والخمس عشر سنة ، القاضي بإنشاء محاكم الأمن القومي اختصاصات هذه المحاكم لتشمل مناهضة تحقيق الوحدة بين الأقطار العربية أو مناهضة أي هدف من أهداف الثورة بنشر الأخبار الكاذبة بقصد زعزعة ثقة الجماهير بأهداف الثورة .
وبالعودة إلى قانون العقوبات فنلاحظ انه هنالك عناصر لا بد من توافرها لتجريم الدعاوة الواردة في نص المادة وهذه العناصر هي :
1 – أن تكون تلك الدعاوة رأيا أو مذهبا .
2 – السعي لنشر هذه الفكرة وحمل الآخرين على الاقتناع بها أو اعتناقها واتخاذها أساسا لسلوكهم وتتجلى هذه الغاية باستخدام وسائل العلنية وهذا ما يجعل الفعل الذي تعاقب عليه أحكام المادة 285 عقوبات جريمة من جرائم الرأي تارة وجريمة من جرائم النشر أو المطبوعات تارة أخرى ، وعليه يستوي في الدعاوة أن تكون بالمقالات أو الخطب أو الكتابات أو الأفلام السينمائية أو التلفزيونية ،
أما إيقاظ النعرات العنصرية أو المذهبية في زمن الحرب أو عند توقع نشوبها فتعتبر من أخطر الجرائم التي يمكن ارتكابها وتؤدي إلى تناحر أبناء الأمة الواحدة وتقسيمها إلى ملل ونحل متصارعة ومتنافرة كما يمكن أن يدخل في هذا الإطار إثارة العصبيات القبلية أو العشائرية لأنها تحقق نفس الغرض بابتعاد المواطن عن الولاء لوطنه وأمته وبالتالي ولاءه لمصالح فئوية ضيقة ، ومما لا بد ذكره في إطار تطبيق أن المشرع اكتفى في معرض تطبيقه لها أن ترمي تلك الدعاوة إلى تحقيق أحد غرضين وهما :
1- إضعاف الشعور القومي
2- إيقاظ النعرات العنصرية والمذهبية . فلا يستلزم المشرع هنا ضرورة أن تهدف الدعاوة إلى تحقيق الغرضين معا بل يكفي غرض واحد لتطبيق نص المادة المذكورة
ثانيا – نقل الأنباء التي من شانها أن توهن نفسية الأمة : حيث نصت عليها المادة عقوبات عندما نصت :
” 1 ـ يستحق العقوبة نفسها من نقل في البلاد في الأحوال عينها أنباء يعرف أنها كاذبة أو مبالغ فيها من شأنها أن توهن نفسية الأمة “.
2 ـ إذا كان الفاعل يحسب هذه الأنباء صحيحة فعقوبته الحبس ثلاثة أشهر على الأقل ” .
والعقوبة التي أقامها المشرع على تلك الجريمة تنطوي على وصفين جرميين هما :
1 – الجناية : عندما ينقل الفاعل في سوريا في زمن الحرب أو في زمن توقعها أنباء يعرف انها كاذبة ومن شانها توهين نفسية الأمة .
2- الجنحة : عندما ينقل تلك الأنباء وهو يظن أنها صحيحة حيث تكون عقوبته هي الحبس ثلاثة أشهر على الأقل .
يتجلى نقل الأنباء بروايتها وإبلاغها سواء بالكتابة أو الخطابة أو الحديث الشفهي أو باستخدام الفاعل لأي وسيلة من وسائل النقل والشهر ، أما الأنباء الكاذبة فهي جميع الأخبار والبيانات والإشاعات والمعلومات التي لا حقيقة لها ولا يشترط للعقاب في هذا الجرم أن يكون الفاعل وحده مصدر المعلومة الكاذبة بل قد يكون الكذب من صنع غيره لكن الفاعل قام بنقله وإذاعته وهو يعلم أن المعلومة لا تمت للحقيقة بصلة أو أن يكون الخبر صحيحا لكن الفاعل قام بديباجة الحدث وإضفاء بعض التعليقات والإسقاطات عليه بشكل يبالغ فيه بتصوير الخبر وهنا تقوم محكمة الموضوع بلعب الدور الرئيسي لتقدير صحة الخبر أو كذبه أو كونه مرويا بطريقة دقيقة أو مبالغا فيها وسلطتها في ذلك سلطة مطلقة لا معقب عليها أبدا ؟.
تجدر الإشارة في هذا السياق القانوني إلى أن نص المادة عقوبات وإن اشتمل على ” الأنباء ” بصيغة الجمع فإن ذلك لا يستلزم من حيث الضرورة أن ينقل الفاعل أكثر من نبأ أو خبر و لا يكفي في هذه الأخبار أن تكون كاذبة أو مبالغا فيه بل لا بد أن تؤدي هذه الأخبار إلى توهين نفسية الأمة وكما هو ملاحظ فإن هذا التعبير ” توهين نفسية الأمة ” هو تعبير ورد على إطلاقه ودون تحديد مما يصعب معه تحديد فحواه أو مضمونه وعلى القاضي هنا أن يوجه نظره إلى طبيعة الأخبار المنقولة وفحواها ووسائل نقلها ونشرها والغرض من ذلك والملابسات التي رافقت عملية نقل الخبر وانصراف نية الفاعل إلى توهين نفسية الأمة من خلال نقله لهذه الأخبار لان القصد الجرمي الوارد في المادة هو قصد جرمي خاص أي أن يكون الجاني على تمام العلم بأن الأنباء التي يقوم بنقلها هي أنباء كاذبة أو مبالغ فيها وأن تتوجه إرادته إلى ترديدها ونقلها وهو مدرك لطبيعتها موطنا في قرارة نفسه أن يؤدي ذلك إلى إصابة ” نفسي الأمة ” بالضعف والوهن لأن الروح المعنوية للأمة هي الأساس في صنع النصر والتغلب على الصعوبات وقمع كل محاولة ” إنهزامية ” تؤدي إلى الإحباط والتخبط والضياع والخوف لذلك فإن من يحاول زرع الخوف وتوهين نفسية الأمة جدير بالعقاب بالاعتقال المؤقت من 3 – 15 سنة وهي عقوبة جنائية الوصف لكن لا يمكن إنزالها بالفاعل كما ما لم يكن قد اقترف جريمته في زمن الحرب أو عند توقع نشؤها أما في غير هذين الشرطين فلا تطبق عليه الفقرة لا من الممكن خضوعه لغيرها حسب مقتضيات الحال والمتعلقة بمن ينقل أنباء من شأنها توهين نفسية الأمة وهو يظن أن ما ينقله هو معلومات صحيحة فعقوبته هنا تكون جنحية أي الحبس من ثلاثة أشهر حتى الثلاث سنوات
