سمير صادق :
برهنت التطررات في العالم العربي في نصف القرن الأخير عن أهمية الدولة الحديثة من ناحيتين , الناحية الأولى كانت ضخامة كم وكيفية التأخر العربي النسبي والمطلق تحت رعاية وقيادة عشائر وعائلات مسماة دولا , والناحية الأخرى ,كانت كم وكيفية التوظيفات الضرورية لازالة هذه العشائر والعائلات , ازالة رؤوس هذه المؤسسات العشائرية العائلية المسماة دول كلف لحدالآن تقديرا أكثر من 50 بليون دولار , هذا ماعدا التكاليف المنتظرة من خلال ازالة تركات هذه المؤسسات العشائرية العائلية , اضافة الى ذلك هناك تكاليف الدم والدمار والخراب التي سببته هذه العشائر والعائلات قبل رحيلها المتوقع .
لم تكن لمنظومات العائلات والعشائر نظرة علمية حول الدولة الحديثة ,فبدائية هذه المنظومات لاتسمح لها بنظرة من هذا النوع , لقد كان على هذه المنظومات رؤية الدولة بوصفها ” مجموع ادوات عقلنة المجتمع ” , ولتحقيق ذلك كان لابد من مؤسسات يشكل مجموعها الدولة , التي تحتكر قيادة هذه المؤسسات نيابة عن الشعب , الذي ينتخبها ديموقراطيا , العمل نيابة عن الشعب يلغي المصلحة الخاصة لكل مؤسسة من هذه المؤسسات ,ويلغي مصالح الأفراد الخاصة , كلمة” خاصة ” تعني تقدم مصالح الفرد على مصالح المؤسسة .
لايقتصر النجاح أو الفشل على نظام دولة معينة حصرا ,فكافة الأنظمة المألوفة في العالم تعرف النجاح وتعرف الغشل , فدولة رئاسية قد تنجح وقد تفشل , ودولة نيابية يمكن لها أن تنجح أو تفشل , وحتى دولة ملكية توريثية يمكن أن تنجح ويمكن لها أن تفشل , من النادر أن تتعرض الدولة التي تلتنزم جديا بمهامها للفشل ,
بعد أن تأسست هذه الدول وفشلت بدون استثناء يذكر ,قاد البحث عن اسباب الفشل الى اكتشاف نوعا من البدائية في تأسيسها ورعايتها , أهم معالم هذه البدائية كان توزيع المواقع السياسية كاقطاعيات على المقربين والأصحاب والأزلام وأفراد العائلة , ليس بقصد نيل الشرف من خلال تحمل مسؤولية سياسية مميزة , وانما بقصد وضع هؤلاء على مراكز تمكنهم من ممارسة النهب الريعي , فالقرابة من رأس السلطة العشائرية اوصداقتها والاستزلام لها كان معرقلا لأي محاسبة , فالدولة الفاشلة هي دولة الامتيازات بامتياز ,هنا تنقض عصابة السلطة العشائرية العائلية على كل نفعية ,تأكل أولا الأخضر , واليابس لاينجومن شراهتها , ولكي يتم ذلك بدون عراقيل , يجب تقويض كل مؤسسة يمكن أن تقف في طريق الامتيازيين من فريق النهب , يجب القضاء على القضاء , يجب القضاء على السلطة التشريعية وحتى التنفيذية , والسلطة الرابعة, كل هذه السلطات كانت معطلة عن القيام بالواجبات التي وجدت من أجلها وذلك في كل الدول العربية .
لتحقيق ما تصبو اليه السلطة العشائرية العائلية , يجب القضاء على المشاركة السياسية , التي تراقب وتعاقب وتحاسب وتطالب , لامراقبة ولا محاسبة ولا معاقبة ولا مطالبة , لانه لاوجود لمن يراقب ويحاسب ويعاقب ويطالب , لا علاقة لانحراف السلطات عن مهامها التي وجدت من اجلها بالقانون المكتوب , فسلطة الدولة الفاشلة العشائرية العائلية لاتلتزم بالمكتوب , انما تتصرف مزاجيا , تتكلم كثيرا عن التراث والماضي المجيد والعادات والتقاليد والثقة والتضحية والوفاء للقائد , الذي يفسد دائما , ويعد بالاصلاح دائما ,كل ذلك بدون أي سؤال عن عواقب الافساد,دائما وراء شعار,عفى الله عما مضى ,الى الأبد وراء القائد !!
الدولة التي لاتريد الفشل , هي الدولة التي تعتمدعلى المشاركة السياسية , التي تنشط العملية الانتاجية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية , الدولة الفاشلة , هي الدولة التي تحتقر المشاركة السياسية, وكيف سيكون حال الدولة , التي لاتكتفي باحتقار المشاركة السياسية , بل تمنع المشاركة بسلطة القانون , كما كان الأمر في ظل المادة الثامنة ولا يزال , فمن يريد المشاركة يعاقب بحكم القانون , لم تكن المادة الثامنة سوى البرنامج الدستوري للقضاء على كل معارضة أو مشاركة فعلية, كانت المادة التي تفرخ من جهة الأذناب والذيول , ومن جهة أخرى السادة والسيادة …انها المادة التي تلغي البنية المؤسساتية للدولة , الكفيلة بتحقيق نوعا من التغيير والتطوير الى الأمام , انها المادة المشجعة على تطوير كم المنهوبات والمسروقات الى الأعلى والى الأكبر والأعظم .
لكي يتم القضاء على المشاركة السياسية , لابد من القضاء على الحقوق العامة كحق التعبير عن الرأي وحق التظاهر والتجمع , أو تلك الحقوق المتصلة بالامتيازات الشخصية للأفراد , كحق الترشيح والانتخاب , أو تلك المتعلقة بحصانة الفرد واحترام خصوصياته ..مثلا المراسلات وممارسة غريزة الكلام بدون مراقبة ومعاقبة , الدولة الناجحة لاتفتك بنعمتها , التي تأتي من المشاركة , والدولة الفاشلة تفتك بلنعمة وتخربها وتحولها الى نقمة , هي الدولة التي تضع على كل فم كمامة , هي الدولة التي تمسخ الانتخاب الى استفتاء , هي الدولة التي تعين مايسمى منتخبين ..نصاب البعث وأذياله يجب أن يفوق على ٥٠٪ من اعضاء مجلس الشعب , كيف يستقيم التعيين مع الانتخاب ؟؟؟؟, ٥٠٪ شاء الشعب أم ابى , ومهما كانت نتيجة الاستفتاء عمليا , تبقى بنسبة ٩٩,٩٩٪ رسميا لصالح من تم انتقائه سلفا من القيادة القطرية , فالقيادة القطرية تنتقي من انتقاها … هذا هو مبدأ “الدويخة”, المبدأ الذي يدوخ المواطن , الذي لايعرف من أين تأكله السلطة وتدمره وتبتلعة وتطرحه كبراز, الانسان المواطن هو براز الديكتاتور هو الجرذ أو الجرثوم , وماذا يفعل المناضل الديكتاتور بالجرذان والجراثيم ؟؟القضاء عليها !!.
الدولة الحديثة , التي تريد النجاح , هي الدولة التي تعتمد الديموقراطية , كأساس لبنائها ومسلكيتها , هي الدولة التي تحصن الفرد ضد تجاوزاتها (ماكس فيبر), هي الدولة التي تمنع شخصنة السلطة وأبديتها ,من يفكر في اللحظة السورية , يجد الكثير من مؤشرات ومعالم وعوامل الفشل التي ذكرتها باختصار شديد , وما قامت به السلطة في نصف القرن الماضي لايمثل الا الطريق الحتمي الى الفشل , الذي نحن بصدده في هذا الزمن الظالم المظلم .
