مشكلة التوترات الطائفية والنزاع بين مختلف فئات الشعب , التى تسمى الآن “طوائف”, بعد ان كانت فئات سياسية , لاعلاقة لها بالدين وبالاختلاف المذهبي , الذي لايفرز بشكل طبيعي اقليات أو أكثريات سياسية , وانما مع البنية التحتية للمجتمع , التي تصيغها بشكل رئيسي السلطة , التي تسمح أو لاتسمح بنشوء وضع صحي صحيح , وضع يلغي التفاوت بين مواطن وآخر في مجال الحقوق والواجبات , ألا أن “العصبوية ” والدولة المرتدة الى الى النمط القبلي لاتستطيع الغاء التفاوت ,ذلك لأن النمطية القبلية لحال ماقبل الدولة تتعرض في حال اصرارها على احترام عدم التفاوت الى الهلاك , وذلك بسبب عداء كامل الشعب لها ,لأنها لاتستطيع تأمين مايكفي من ايجابيات لكامل الشعب , وفي هذه الحالة تختار الفئوية العصبوية فئة قابلة للتجدنيد في خدمتها ,والاختيار يقع عادة على الطائفة , التي توفر تجنيد بعض أفرادها في جيش السلطة وكتائبها , عادة دون مردود مادي يستحق الذكر , وانما لقاء مردود معنوي في غالبية الحالات.
الأقليات غير موجودة في مجتمع ذو بنية تحتية ديناميكية , والديناميكية هي ترجمة للمدنية العلمانية , ذلك لأنه باستطاعة أي فرد في العلمانية أن يتنقل بين فئة وأخرى , وباستطاعته أن يصبح أكثرية أو أقلية عندما يريد وكما يشاء .
الديكتاتوريات الاسترزاقية تريد البقاء والاستمرار في الاسترزاق , لذا عليها أن تفكر في السبيل الذي تمكنها من البقاء , ونظرا لعدم مقدرتها على العناية بمصالح الشعب بشكل عام , وهي في عداء تاريخي مع الشعوب , لذا تلجأ الى الى وسيلة القمع والاستبداد , ولممارسة القمع يحتاج المستبد الكبير الى المستبد الصغير (الكواكبي ) , والمستبدالصغير يجب أن يكلف أقل مايمكن ويجني للديكتاتورية أكثر مايمكن ,والمسنبد الصغير ينتمي عادة الى أقلية مذهبية..قد تكون عرقية أو قومية أيضا , حيث تجند الديكتاتورية من هذه الفئة المذهبية مايلزمها من جند , ضامنة عن طريق وحدة المذهبية الكثير من وفاء المستبد الصغير للمستبد الكبير اضافة الى المردود المادي والمعنوي , الذي يساهم في توطيد الولاء للمستبد الكبير , ومعظم المردود يدخل في جيوب اقلية من (القوادين), أما أكثرية الجند فتكتفي عادة بالمردود المعنوي , الذي يدل عليه كون الديكتاتور منهم .
الديكتاتورية توظف مذهبيتها في خدمتها , وعادة هي مذهبية أقلية دينية , ولكي تستطيع استيراد الجند من أقليات أخرى , يرتدي الديكتاتور البدلة العلمانية فوق جلابيته الطائفية , وذلك للتستر , ويعلن من أجل ارضاء الأقليات الطائفية الأخرى انتمائه للمدنية العلمانية , وكم قيل عن الأنظمة السورية والعراقية العصبوية المذهبية الفئوية زورا على أنها علمانية !, وهذه العلمانية “الشكلية ” اللفظية تستخدم كأداة قمع سياسي ضد الأكثرية العددية , وتبررحربها على الحرية والديموقراطية “ايديولوجيا” , حيث لايمكن اجراء انتخابات مثلا , لأن الانتخابات ستوصل الاسلاميين الى السلطة , أي الى وضع رجعي , والتقدمية العلمانية لاترضى بذلك , لذلك تقوم الطائفية المتسترة بالبدلة العلمانية بالغاء حرية التفكير وحرية الرأي , ذلك لمنع انتشار أفكار الأصولية الهدامة , وبذلك تمارس العلمانية الشكلية ما تريده الأصولية الحقيقة , التي لاتؤمن بالحرية والديموقراطية و فالأصولية تؤمن بالقمع ولا تستطيع ممارسته على مستوى الدولة , لأنها لاتحكم , والعلمانية الشكلية تؤمن قولا بالحرية ولا تمارسها فعلا ,مع انها تحكم , وهذا التناقض بين القول والفعل هو الذي أعطى الضوء الأخضر للأصوليات لكي تمارس ذات الخداع ..انها تطالب بالحرية والديموقراطية وتجوب الشوارع منادية بالحرية والعدالة الاجتماعية , مع العلم على ان القاصي والداني يعرف حقيقة الأمر… لاحرية ولا ديموقراطية مع الأصولية .
قد يفهم البعض من العبارة الأخيرة , على انها دعوة للبقاء تحت نير الطائفية المقنعة بالرداء العلماني (العلمانية الشكلية ) , وهذا هو الخطأ بعينه ,ذلك لأن الحفاظ على طائفية الديكتاتوريات المقنعة بالقناع العلماني , هو من أهم المسببات لزيادة قوة وانتشار الأصولية , أي ان الأصولية ستتقوى في ظل القناع العلماني , وقد تبلغ من القوة ما يمكنها من الانفراد بالسلطة انفرادا لاعودة عنه (ايران) على المدى القريب والمتوسط , والضمان الوحيد للتغلب على الأصولية هو اسقاط الديكتاتورية المقنعة, أي العلمانية الشكلية , وذلك قبل أن تبلغ الأصولية من القوة مايجعل ازاحتها أمرا صعبا أو مستحيلا .
وجود الأصولية هو جزء من الواقع , وكلما ضعفت الأصولية , يصبح التعامل معها أسهل , لذا فانه من أجل انقاذ العلمانية الحقيقية يجب , وقبل كل شيئ , اسقاط العلمانية المزيفة , التي لاتسطيع الأصولية المزايدة عليها …اذ أنها تقول وتفعل.
العلمانية الشكلية التي تستر الديكتاتورية الطائفية الاسترزاقية , هي رأس المشكلة , ومن يريد الحل عليه أولا قطع هذا الرأس (تعبير مجازي),ثم التوجه للكفاح ضد الأصولية ..ديموقراطيا
