الاحتلال العسكري أمر معروف تاريخيا , والمعروف عن الاحتلال أيضا سعيه لتتغيير خصائص الشعوب التي يسيطر عليها , لقد احتل عرب الجزيرة بلاد الشام , وتحت هذا الاحتلال تغير العديد من خصائص شعوب بلاد الشام , لغويا حلت العربية محل الآرامية , ودينيا حل الاسلام محل المسيحية , اضافة الى تطور العادات والتقاليد باتجاه بدوي ,الآن وبعد ١٤٠٠ يتكلم الناس العربية ودين معظم الناس أصبح الاسلام , لاتقتصر تطورات من هذا النوع على بلاد الشام , لقد حدث شبيه لذلك في شمال أفريقيا , النجاح في تدجين شعوب المستعمرات كان مختلفا, لقد كان النجاح حليف مساعي التعريب والأسلمة في بلاد الشام وشمال أفريقيا , هذا النجاح قابله الفشل في اسبانيا وبلاد فارس , هذه الممارسات كانت دائما مرفوضة ومكروهة , لذلك لم يعترف مستعمر بممارستها صراحة, وفي بلاد الشام كانت هناك تلفيقة اضافية … تلفيقة التحرير وتلفيقة تحقيق ارادة الله ..الخ , كل ذلك معروف وحتى أنه ممنوع في هذا العصر , حتى استخدام مفردة “فتح” ممنوع بقرار دولي (عصبة الأمم) منذ أكثر من مئة عام.
اختلف الناس في تقييمهم للحدث , فالسوري الذي يعتبر تاريخ سوريا وحضارتها هي الأصل وهي الأهم والأعمق والأنقى والأرفع , يعتبر ماتعرضت له سوريا من احتلالات كان طارئا مرفوضا وبدائيا منحطا , حتى ولو دام الاحتلال عدة قرون , لقد زال الاحتلال العربي لاسبانيا بعد حوالي ثمانية قرون , وتمكن الشعب الاسباني من تنظيف البلاد من بقايا العسكر العربي ومن بقايا التراث العربي , أما في سوريا فالوضع مختلف بعض الشيئ , هناك من يستهجن ذلك التدخل في موضوع الدين واللغة والطبائع ويعتبره اجراما بحق الشعوب السورية , ويسعى الى التحرر من ذلك التراث البغيض , خاصة بالنظر لما عرف عن قسرية ذلك الاحتلال او الفتح , ففي بلاد الشام كان الانسان على درجة عالية من التقدم والتطور النسبي ,مقارنة مع بدو الجزيرة الحجازية , تقدم وتطور هذا الانسان لايشعره بالحاجة لاستبدال لغته بلغة الصحراء , التي لم يكتب بها شيئ في ذلك الحين , أما الانتماء الديني المسيحي فقد كان مترسخا ومنتشرا , ولماذا يغيير المسيحي دينه الى دين آخر لم يكن قد كتب عنه كتاب ؟,ثم أن المجاهدون من اتباع الدين الجديد أتوا بالسيف , وليس بغصن الزيتون , والعديد منهم كان مخضرما ومجرما اضافة الى ذلك , لقد كانت هناك مذابح ومجاذر , ومن ينظر الى أفعالهم خلال ١٤٠٠ سنة لايستطيع تصور سلميتهم بعد الاحتلال مباشرة , حتى في هذا العصر وفي السنين الأخيرة وبالرغم من تقدم البشرية والقوانين الدولية, فاق توحش ودموية أحفادهم من العروبيين كل وصف أو تصور , فكيف يمكن تصور أفعالهم قبل ١٤٠٠ سنة ؟.
تتواجد سوريا الآن تحت عدة احتلالات , منها الخارجي التركي ومنها الايراني ومنها الروسي , ومنها الداخلي عن طريق الفصائل والكتائب وغيرهم , وبالرغم من الاختلاف الكبير في طبائع المحتل, نشاهد تطورات شبيهة بتطورات الماضي السحيق , لقد فرضت لغة المحتل في المناطق التي يسيطر عليها مثلا الشمال السوري , ذلك يعتبر ذلك اغتصابا لاستقلال البلاد ومحاولة لاطالة زمن الاحتلال عن طريق تجنيس الشعب بجنسية المحتل , اضافة الى اللغة …هناك من يمارس تغيير المذهب الديني مثلا بممارسة التشييع , وفئة السنة (داعش) لاتختلف في هذا الخصوص عن فئة الشيعة , الا من حيث تباين القوة العسكرية الضرورية من أجل التمكن من فرض هذا المذهب أو الانتماء أو ذاك .
يمكن ويجب اعتبار تغيير خواص الانسان السوري لغويا ودينيا قبل ١٤٠٠ سنة من قبل المحتل استلابا ثقافيا كامل المعالم , وانتهاكا صارخا لحقوق الشعوب وحقوق الانسان , وتشويها لهوية البشر وهدرا لكرامة الانسان وترسيخا لبقاء المستعمر أطول فترة ممكنة وحتى الى الأبد , يمكن ويجب تسمية السطو على معالم انسان الشعوب الخاضعة للاحتلال , بالنسبة للغة احتلالا لغويا, وبالنسبة للدين احتلالا دينيا , وبالنسبة للبدوية احتلالا بدويا .. وبالنسبة لغنائم الحرب احتلالا اقتصاديا , وبالنسبة للجواري والسبايا احتلالا منحطا , وكل هذه الاحتلالات كانت ترجمة للاحتلال العسكري في كارثيته , الغزوة الاسلامية كانت عبارة عن احتلال العقول الى جانب احتلال المعاقل , والغزوات الجديدة عبارة عن احتلال المعاقل وجزئيا احتلال العقول , خاصة من قبل المحتل الايراني والتركي .
التاريخ يعيد نفسه , وما حدث قبل ١٤٠٠ يتكرر اليوم, انه افراغ للهوية السورية من مضامينها , وتدمير لهذه الهوية , تدمير شمل حتى آثار الحضارة السورية …تدمر …شمسين , لقد حاولوا حذف الزمن !