بين ارهاب الأسد ورحاب الحسون…..

سمير  صادق  :

    في سياق حديث للمفتي حسون  قبل   سنوات   قال : لاتخافوا على المسيحيين  لأنهم في “رحاب الاسلام” ,  ولكن  هل  يمكن طمأنة المسيحيين  لتواجدهم في رحاب الاسلام ؟  أو أن وجودهم  في ” رحاب الاسلام ” هو السبب  الأساسي  للمخاطر التي تحيق بهم ؟ ففي رحاب الاسلام  تحولوا من مواطنين الى   ضيوف  أو  نزلاء , اذ   يمكن في أي  وقت مطالبتهم  بالمغادرة  بسبب انتهاء وقت الزيارة,  وهذا  مايحصل    يوميا .

 في أحسن الحالات هم زوار   اضافة الى ذلك كفار  , وحتى  يقوى المسلم الورع   على  تحمل  ضيم  وجودهم , عليه   استنزاف  امكانيات  التسامح   والانسانية  والشفقة  ,  لذا عليهم والحالة  كذلك الرحيل طوعا  قبل  أن  تبدأ  المرحلة  النهائية من دق الرقاب , أقول  “المرحلة النهائية”,  لأن دق الرقاب لم  يتوقف   على مدى  القرون السابقة  , ودق الرقاب  اتخذ أشكالا مختلفة  ,منها  الشكل  الاسلامي الكلاسيكي   الذي يمارسه البغدادي  , ومنها الشكل “المخاتل ” الذي تمارسه الأسدية , ومنها  الشكل “المجنون ” الذي مارسه صدام  , أو  شكل الجنون الآخر الذي مارسه  القذافي  , وأظن على  أن القارئ  الكريم  لايعرف على أنه كان على المسيحي الليبي  في عهد القذافي أن يدفع الجزية  ,  جزية البغدادي  ليست  الأولى من نوعها  في هذا المشرق الكريم.

بشكل و بآخر  تمكنت الأسدية خلال نصف قرن من دفع  أكثر  من نصف مسيحيي سوريا على الهجرة , عن عمد أو  عن جهل  , لقد هاجروا  لأن الأسدية عاملتهم ” بلطف ”  زائد كمواطنين من الدرجة الثانية  , لا أعرف من أدبيات الأسدية أي عبارة   غير لطيفة  بحق المسيحيين  , وذلك بعكس    عبارات البغدادي   المتسمة  بقلة الأدب  , فبشار  والمرحوم والده  كانوا مهذبين مع  شعب “الفتات” ,  وشعب “الديكورات” , ومن يقارن  حقبة الخمسينات مع  حقبة نصف القرن الماضي  يدرك تماما  الدوافع التي   أجبرت المسيحيين    على  الهجرة   والبحث عن أوطان جديدة .

ليس من الضروري  مفاكرة  الأسدية  بخصوص  الهجرة المسيحية ,    بسبب  عقم   هذه   المفاكرة,  التي   لن تأت  بأي نتيجة , سوف  يستشيطون   بترداد  مقولات  تدينهم ,  مثلا   سوف يدعون على أن  أهم  مايميز السياسة الأسدية  هو حرصها  على  الأقليات  ,  انهم لايدرون  على  أنه من أهم  المخاطر التي تحيق بأقلية  هو  الاعلان عن  الدفاع عنها  , كما يفعل الأسد  بنية طيبة!!! , اعلان من هذا النوع  سيكون له  ارتكاسا سلبيا  على أمن واستقرار الأقلية ,  سيستفز  الأكثرية  ويخلق نوعا  من العداء بين  فئات الشعب  , يمكن   القول   ان  وما عاناه المسيحيون  من  خلال   هذه السياسة الغبية  لايقارن  بما عاناه  العلويون , وما  ينتظرهم مستقبلا  من  رفض  وكره وثأر وانتقام ,  مقارنة مع العلويين  يمكن القول على أن المسيحيين بألف خير , الا أن هذا “الخير”  لم يكن  كافيا  لممارسة  حياة    المستوى الأدنى  .

لماذا  على طائفة أن تعيش  في “رحاب” طائفة أخرى  ؟  وماهي  هذه التشكيلة السياسية   القاصرة  التي تدفع  مفتيا   اسلاميا   لوضع “رحابه” الاسلامي  تحت تصرف طائفة أخرى ,  الحسون مشكور على أي حال  , الا  أن  عرضه  السخي  وتفانيه    وطمأنته  للمسيحي ,  لكي لايقع المسيحي فريسة للخوف , يكشف خللا في  الوطن , فلماذا “رحاب” الاسلام  وليس “رحاب” الوطن ؟ , الاسلام  تبرع  على لسان مفتيه   بطمأنة المسيحيين  مشكورا ,  وماذا فعلت الدولة في هذا الخصوص ؟ ,  وهل  يطمئن المسيحي في رحابها  , وهل لها أصلا” رحاب ” ؟

من يبحث عن  “رحاب” السلطة الأسدية  لايجد  الا  “ارهاب ” السلطة الأسدية ,  ارهاب سلطة   لايستقيم  مع أي تطور  يمكن هذه السلطة  من  تحويل البلاد  ألى “رحاب”  للجميع ,  وعدم مقدرة السلطة على تحويل البلاد الى  “رحاب” للجميع  ,, وكما قلت في الأسطر السابقة, فالطائفة  العلوية  التي  تظن  أنها آمنة  في “رحاب” السلطة , هي  من أكثر الطوائف  تضررا من هذا “الرحاب ” الأسدي   ,  فالرحاب للجميع  لايتحقق  بارهاب البعض أو حتى ارهاب الجميع ,  واذا بحثنا  عن مجتمعات   يجد  المواطن  بها  رحابه  وطمأنينته  وأمنه  نجدها  في  الدول الديموقراطية , وفي دول القانون  ودول الحرية , ولكي لانبتعد كثيرا   نجد  ذلك   ايضا  في الخمسينات السورية  ,حيث  كانت هناك  بداية لديموقراطية واعدة, اغتالها العسكر  ولا يزال  يمثل  بجسدها  حتى   الآن .

لايمكن لحماية  اقلية أن تتحقق عن طريق  الهيمنة  العنصرية على أكثرية , ولا يمكن للسيف  أن يحقق أي حماية  لأقلية , ومن أبسط مبادئ  حماية  الأقليات (في هذه الحالة , الاقليات المذهبية)    خلق وضع  وطني  لايسمح بتعريف المجتمع على أنه مجتمع  أقليات  أو أكثريات  مذهبية  , من أبسط المبادئ  مبدأ  المجتمع المدني   العلماني , الذي  يعرف عن طريق  فئاته السياسية  الديناميكية  وليس عن طريق  مذاهبه  المتكلسة , والتي لاتسمح  بأي ديناميكية  , مجتمع  الخصوصية الشخصية الدينية  التي  تتوضع   خلف  العمومية  الوطنية ,  وفي  هذه  النقطة  فشلت  الأسدية فشلا ذريعا  , وفشلت الصدامية  والقذافية  وغيرهم .

ما نجده الآن  هو مجتمع سوري  متمذهب  ,   تحارب مذاهبه بعضها البعض , حيث القتل على الهوية , والاذلال على الهوية  , وعلى الهوية أيضا  الهيمنة  والسلطة  وغنائم الحرب  , والسيد الرئيس  أيضا  والبعث  والوظائف  والسرقات والاعتقالات   والسجون , ولا يمكن في هذه الحالة  القول على أن البغدادي  هو  سبب  الاشكالية , انه  المنفذ   لبعض جوانب  اشكالية عمرها عقود  لابل   قرون  , ومن الجرأة القول  على أن حصر رئاسة الدولة بمسلم  يشابه من حيث الآلية  حصر  الوطن بالمسلمين , والبغدادية  ليست الا أسدية متأزمة , والعاقل من المسيحيين  هو  الذي يحزم حقائبه   ويهاجر  قبل أن يقام  الحد  عليه  !

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *