اندثار الأوطان واختلال المعاني ..

سمير  صادق  :

   تعززت العلاقات بين   فئات   الشعب السوري  بعد ولادة  الدولة  السورية  على صعيد الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية لفترة قصيرة جدا, وبفعل عوامل ومؤثرات عديدة ومختلفة في ظل الرابط الوطني السوري , هذه العلاقات التهبت  وتقيحت بعد ذلك بفعل الاتجاهات السياسية  المتضاربة  التي ولدت مع ولادة الدولة السورية ….مع ولادة الدولة السورية أو قبل ذلك ببعض السنين ولد اتجاه قومي واتجاه اسلامي سياسي , وبعد ولادة الاتجاه القومي والاتجاه الاسلامي  السياسي بدأ انتهاج سياسات التمييز والاضطهاد  والتنكر   لحقوق  الآخر , مما قاد وبسرعة الى احباط متزايد لمنهجية مفهوم الوحدة في التعددية وتحوله الى منهجية لاوحدة مع التعددية , هذه المنهجية التي ترفض الوحدة في التعددية لازالت قائمةحتى  هذه  اللحظة , ومن نتائجها كان التشظي والتجزأة والانقسامات التي تطورت الى خلافات وبالتالي ألى أزمة عميقة قادت الى حروب دمرت البلاد وأوصلتها الى حد الاندثار.

بدأت الاندثار مع صدور الدستور من عام١٩٥٠ , الذي أكد  عروبة سوريا وشعبها , وبالتالي انعكس ذلك على كل سياسات الدولة وتوجهاتها ,سياسات اتصفت بالغربة عن الواقع السوري والروح السورية لصالح واقع افتراضي عربي , تاهت سوريا في اللخبطة العربية ولم يعد من الممكن فك الارتباط بين سوريا وواقع التوهم العربي الافتراضي ,الذي  قاد  عام 1958الى  قيام  الجمهورية العربية  المتحدة , والتي عمرت حتى عام 1961 ومنعت أي تظاهر لوجود التعددية والتباين الثقافي , تجلى   ذلك  على  سبيل  المثال  بمنع التحدث باللغة الكردية ثم محاربة الاتجاه القومي السوري الذي بدأ قبل ذلك بعقد من الزمن والذي كانت مقدمته الحكم يوم ٨-٧-١٩٤٩ على أنطون سعادة بالموت رميا بالرصاص وتنفيذ الحكم قبل شروق شمس ذلك اليوم.

مارست حكومة الانفصال من عام ١٩٦١ استمرارية الاعتداء على فئات من الشعب السوري, مثلا  على  المكون  الكردي , اذ  انتزعت من عشرات الآلاف من الأكراد جنسيتهم وبالتالي  حرمتهم  من حقوقهم , والبعث الذي أتى عام ١٩٦٣ استمر في ممارسة العنصرية  ضد  الأكراد , فقام بتنفيذ مشروع الحزام العربي الذي تم بواسطته انتزاع الأراضي من الأكراد واعطائها للعرب في ريف حلب والرقة وذلك على طول شريط حدودي بطول ٣٥٠كم وعمق ٢٠ كم , دستور ١٩٧٣اختذل  البلاد بالعروبة والعروبة بالبعث   ,  الذي  تطور  الى  اختذال البعث   بالطائفة , واختذال  الطائفة  بالعائلة  والعائلة  بالبيت  وحتى  البيت  بالشخص  , انتقال السلطة الى الوريث عام ٢٠٠٠ لم يغير الا الى الأسوء , عام ٢٠٠٨ صدر مرسوم تشريعي بخصوص تملك الأراضي على  الشريط الحدودي  الشمالي  , ثم جاءت ثورة ٢٠١١ التي كانت ثورة المصارحة والصراحة من قبل النظام الذي أراد انتزاع الجنسية من الانسان السوري واعطاء سوريا لمن يدافع عنها,  وحسب منطق السلطة يعني الدفاع عن سوريا الدفاع عن السلطة الأسدية وخاصة عن الأسد  لكون  الأسد  هو  سوريا .

لم  تتمكن المعارضة  التي نشطت عام ٢٠١١  أن تعلن عن تصور حضاري منصف بخصوص  الأكراد   , والفصائل التي ولدت بعد عام ٢٠١٢ لم تكن ثورة ولا علاقة لها بمفهوم الثورىة,  وما  تعرفنا  عليه  بخصوص  الفصائل  لايميزها عن النظام الأسدي, هذه الفصائل كانت ولا تزال أسيرة عقليّة الإنكار والإلغاء وعدم الاعتراف بالتعدّد والتّنوع والخصوصيّة , اضافة الى كونها ممثلا دمويا للطائفية في خطابها وتفاعلاتها مع الغير.

تمثل التعددية ويمثل التنوع حقيقة التربة الخصبة والطبيعية للابداع والتطور والاثراء الانساني , ثم أن التعددية والتنوع هم من طبيعة البشر والبشرية منذ أن وجدت, وحتى ضمن الطائفة هناك تعددية وضمن الحزب وضمن العائلة , والقضاء على التعددية غير ممكن عمليا, الا  أنه  ممكن  مخاتلة  وتلفيقا  عن  طريق   ثقافة  الزبانية  والأذناب  من   المرتزقة  الطفيلية ,  المرتزقة   تصفق   للقائد  المدعوم  استفتاء  من  قبل ٩٩,٩٩٪  من  الشعب ,    وتعلن   تضحيتها  بالدم  في   سبيله  لطالما  استمر  الدفع من  قبل  القائد ,  الذي   ينهب   الناس  باليمين  ويوزع  على  شلته   باليسار    ,  طبعا  حسب  احكام      غنائم  الحرب ,  القائد   يمارس  الحرب  على  الشعب    وينهب  الشعب  وله  من  المنهوب   أربعة  أخماس   على  الأقل    وخمس  للزبانية   وذلك  بعكس   القاعدة  التي  اتبعها الخلفاء   في  توزيع  غنائم  الحرب .

بالمجمل  يمكن  القول  بأن  تطور   سوريا  الى   الاندثار كان  أمرا   حتميا ,  لم  يتمكن  السوريون  بجهودهم  من  حل  أي  اشكالية   ..لا  اشكالية   المكون  الكردي  وغيره  من  المكونات   ولا  اشكالية  تاميم  البلاد  من   قبل  القائد  ثم  العشرات  من  الاشكاليات   الأخرى   التي  تراكمت    دون   حل, الآن   يروج  البعض    بخصوص    انقاذ   البلاد الى  التآلف   والتحابب   والتآخي  ووأد  الاختلافات   بقصد   التمكن  من  النهوض  بالبلاد  , وتجاوز  المحن   والأزمات  ,  وذلك  على  اعتبار   الأزمة  استثناء ,  لذلك   يجب   الدمج   واذابة  الجميع    بشكل  استثنائي     في  بوتقة   أخوية   تحاببية  واحدة ,   ولكن  ماهي    النتائج    على  المدى  المتوسط  والبعيد   لعقلية  الدمج ؟  ,   وهل  في  الدمج  الاستثنائي  القسري     قوة ؟   وكيف   سيتطور  الدمج  بعد   التغلب  على    المحنة  والأزمة ؟؟

 لاجدوى  من   الترويج  للدمج ,  لأن  الدمج  بالشكل  الساذج  الذي  يتم  الترويج  له   مستحيل    ,  الا  في  حالة  واحدة   هي  حالة   الهيمنة  , أي  أن  يهيمن  فريق  على  الآخر ,  الاسلاميون  يروجون    للوحدة  والدمج  الاستثنائي , ولكن  تحت   أي  قيادة ؟  هنا   سيأتينا   الجواب   طبعا  تحت   قيادة  الغلبة   ,  وما  هو  مصير  قيادة  الغلبة  بعد   انقشاع  الأزمة ؟؟؟  هنا   أترك  الجواب   لتصوراتكم !, . خلفية   هذه  الدعوة هي  الحنين  لاشعوريا  الى  الديكتاتورية , فالدمج    أصلا    مزيف,  و لايتم   سوى  شكليا, وعن  طريق    الديكتاتورية  الفردية    أو  عن  طريق  هيمنة  فئة  على  الفئات  الأخرى  , أي  عن  طريق  ديكتاتورية  جماعية  .

تعرضت  معظم   شعوب  المعمورة  الى   صعوبات   كبيرة  ,  قد  تكون   أقسى  من  صعوبات   المجتمع  السوري ,    في معظم   الحالات  تم  تذليل   الصعوبات   بوسائل   فعالة  لاتمت لدعوات  التآخي   الساذجة    بصلة,  فالتآخي  ليس  تلك  العصا  السحرية  التي   يمكنها   حل  مشكلة  عجزت    أمم   الكون   عن  حلها , ومن  المنطقي   أن  تعجز  أمم  الأرض   عن  حل  المشكلة ,   فالعجز  ليس  بأمم   الكون    وانما  بالانسان    السوري   ووعيه   للوطن  وممارسته   للوطنية ,  وذلك   قبل   أن  يكون  في  الديكتاتور  الذي    استحقه  هذا  الانسان  السوري,  ولطالما  بقي    الانسان   السوري  كما  هو   فقد  ينجح   في  ترحيل ذلك  الديكتاتور   ,  الا   أنه  من  المتوقع    أن  يأتي   ديكتاتور  آخر   قد  يكون   أسوء  من   الديكتاتور  الحالي  ….  تمعنوا بتلك   السهولة التي  تم  بها   القضاء  على  ثورة   عام  ٢٠١١ ,  وتمعنوا   في  الشعب   التائه  في  المعاني  والذي  اعتبر    داعش   والنصرة   “ثورة”  ,   صفق  ولا  يزال  يصفق ,  وعلى  مرأى  من  هذا   الشعب , توالت   الدساتير    بدءا  من  دستور  “الاندثار”   عام  ١٩٥٠  الذي   أكد عروبة   سوريا   التي   أوقعت  البلاد  في  مطب   الوحدة   التي    ألغت  الحياة  السياسية  في  البلاد ,  ثم   أتى  الانفصال   وبعد  ذلك   البعث ثم  دستور   دستور١٩٧٣  الذي   اختذل   البلاد بالعروبة والعروبة بالبعث   ,  الذي  تطور  الى  اختذال البعث   بالطائفة , واختذال  الطائفة  بالعائلة  والعائلة  بالبيت  وحتى  البيت  بالشخص  , انتقال السلطة الى الوريث عام ٢٠٠٠ لم يغير الا الى الأسوء ,  ثم جاءت ثورة ٢٠١١ التي كانت ثورة المصارحة والصراحة من قبل النظام الذي أراد انتزاع الجنسية من الانسان السوري واعطاء سوريا لمن يدافع عنها,  وحسب منطق السلطة يعني الدفاع عن سوريا الدفاع عن السلطة الأسدية وخاصة عن الأسد  لكون  الأسد  هو  سوريا .

  هل  تظاهر  سوري  واحد   ضد  التوريث   أو  ضد   دساتير   التعريب    أو  ضد   الديكتاتورية      قبل  عام  ٢٠١١؟؟؟ ,  حقا  تحتاج  البلاد  الى   ثورة  عارمة  ,  ولكن  أين  هم  الثوار ؟    فقبل  الثورة على الديكتاتورية   الفوقية   المتسلطة ,  يجب  على  الشعب  السوري  ان  يثور  على  نفسه أولا ,   وعندما  ينجح  في  ثورته  على  نفسه ,  أي  على  الديكتاتورية  التحتية , و يجدد   ذاته   نضوجا  ووعيا   بوطنه    ومواطنيته ,  يصبح    أمر  رحيل  الديكتاتورية   الفوقية     أمر  تلقائي  وبديهي !

سمير  صادق   :syriano.net

رابط  المقال :https://syriano.net/2020/07

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *