اعادة بناء الانسان …

سمير   صادق :

اقتلاع سوريا   يتم انجازه بدقة عالية , وحتى الأرض التي لايمكن اجتثاثها وزرعها في مكان آخر تتعرض للاقتلاع , أما الشعب فقد تم اقتلاعه بطرق أكثر فاعلية ,لاوجود لسوريا الآن كدولة  مساحتها 185 ألف كم2 ,الا في المراسيم والاعترافات الدولية, أما الشعب فلا وجود لمعظمه الا في المخيمات والمقابر , الخراب والأمل المفقود حل محل الأرض والشعب .
يتحدثون عن اعادة الاعمار , والقصد هنا اعادة تعمير المساكن والطرقات ويحددون المبالغ الضرورية لذلك …حتى لو توقفت الحروب  هذا اليوم, فسيكون  من المستحيل تأمين مبالغ    تتجاوز تقديرا أكثر من 500 مليار دولار , ومن سيقدم ذلك ؟ فشبه دولة ميزانيتها السنوية أربع مليارات دولار لاتتمكن من تأمين مبالغ بهذا الحجم , لذلك فان اعادة الاعمار , ان تم البدء به غدا , سيقتصر على بعض التجميلات الشكلية هنا وهناك .
الأهم من التجميلات هو اعادة اعمار من نوع آخر , اعادة اعمار الشعب الذي هاجر وهرب  وتشوه   وغاب   عن   المدرسة … , ومن هرب ولجأ من السوريين ينقسم الى قسمان , القسم الأول وهو الأكبر والمتواجد في مخيمات الأردن ولبنان وفي تركيا , وهذا القسم , هو القسم الذي يحتاج الى رعاية وتمويل ,هذا القسم يحتاج الى فرص عمل والى دعم مادي وغذائي ودوائي , هؤلاء لم يعد لهم بيوت وان بقي من هذه البيوت بقايا ستحتاج الى ترميم , ومن سيدفع ومن سيمول ومن سيؤمن فرص العمل أو تقديم المساعدات ؟ ولا أظن بأن مساعدة الأمم المتحدة ستكون  كافية حتى لتغطية الحد الأدنى من التكاليف ,
اعادة اعمار الشعب تتطلب ترميم أوصال البلاد المقطوعة جغرافيا وشعبيا , اذ لم تعد هناك روابط عامودية وأفقية تربط مابقي من الناس مع بعضهم البعض,روابط شكل تقاطعها منظومة الكيان الوطني السوري قبل هجرة مايقارب نصف سكانها تحت وطأة ظروف داخلية أو استعمار داخلي تمارسه السلطة بالشراكة مع الفصائل المسلحة الاسلامية , التي تفرخها الفقاسة السلطوية باستمرار , السلطة ضرورية للفصلئل , والفصائل ضرورية للسلطة .
القسم الثاني من السوريين هو القسم الأكثر تأهيلا لممارسة مهنة معينة … مهندسين .. اطباء , كيمياءيين ..فيزيائيين صناعيين ..الخ , وهل من المنتظر أن يعود هؤلاء بعد أن أسسوا في بلاد لجوئهم وهروبهم عملا, وبعد أن دخل أطفالهم المدارس وشبابهم المعاهد والجامعات, وبعد أن اعتادت الأسر على الحياة في  كندا أو استراليا أو أمريكا أو أوروبا بشكل عام ؟, لا أظن بأن عددا كبيرا منهم سيعود , اذ لاوجود لمشجع اجتماعي أو سياسي أو مادي على العودة .
سوريا خسرت كل شيئ ,حتى بعض التنوع الديموغرافي الذي تمازج في الماض بشكل قابل   للتحمل  , الآن   هناك   اضافة   الى  ذلك اقامة الكانتونات  الداخلية  المعزولة عن بعضها البعض , وبالتالي   اقامة  اقامة السدود النفسية والرفض النفسي للغير الذي يكرس الاقصاء والكره والثأر والتخوين والتكفير  ,
سوف لن تكون هناك معاوضة كافية  لغياب من هم أكثر تعلما وتأهيلا وثقافة من   المهاجرين , فمنظومة التربية والتعليم منهارة ,  ومدارس    وحلقات  تحفيظ  القرأن    تكرس    هذا   الانهيار ,وما هو مستقبل طفل تشرب الطائفية منذ نعومة أظافره ؟ وكيف سيتمكن هذا الطفل من اللحاق بالمدرسة بعد افناء السنين الدراسية الأولى من عمره بتحفيظ القرآن , خاصة عند استمرار تشويه خصائصه الاجتماعية والنفسية عن طريق تدريبه على الجهاد والعنف ورفض الآخر,انه  من   النادر رؤية  طفلا  زار  مدارس     تحفيظ  القرآن وتربى على العنف في مصاف المثقفين وحملة الشهادات الجامعية العالية   ,أين هو الكيميائي أو الفيزيائي أو المهندس أو عالم الذرة أو المبدع في الفن أو الفلسفة أو علم الاجتماع  بين هؤلاء الذين  تخرجوا  من  مدارس   تحفيظ    القرآن وتربوا على الجهاد ورفض الآخر ؟
يبدو وكأن هامش التفاؤل ضيق جدا , فمن أين سيأتي التفاؤل عندما تكون أبواب الفرج موصودة بالفوضى وتنامي الطائفية وترسيج الانقسام الجغرافي والديموغرافي وشرعنة القتل والتعفيش والخطاب الماضوي المتعفن , وهل يتمكن الانسان المدمر والمسحوق من ازالة الدمار ؟؟
يتطلب التفاؤل بمستقبل أفضل خلق الانسان السوري الأفضل أولا , أظن بأن هذه العملية صعبة الى مستحيلة دون مشروع دولي كمشروع مارشال ودون اشراف دولي بشكل وصاية , وهل هناك في العالم دولة تقبل  تحمل   اعباء الوصاية على سوريا ؟  

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *