سمير صادق :
القضية الرئيسية هي قضية سعادة وتشخيصه لأمراض العروبة , ولتقل بعبارة أليق تحليله لأمر العروبة , فالعروبة التي قصدها ووصفها بالمرض , كانت عروبة البعث , التي تعرفنا عليها بشكل عملي خاصة بعد وفاة سعادة , كذلك عروبة حافظ الأسد التي تعرفنا عليها أيضا بعد رمي سعادة بالرصاص واردائه قتيلا , انها أيضا عروبة ساطع الحصري , وحتى عروبة عفلق وعروبة الأرسوزي , انها بشكل عام عروبة القومية العربي وعروبة الأمة الاسلامية ثم عروبة الوطن العربي من المحيط الى الخليج , هذه هي بالضبط العروبة التي قال عنها أنطون سعادة بأنها مرض نفسي , و أضيف الى ذلك مفردة عضال , أي انها مرض نفسي خبيث يقود الى الموت في كل الحالات تقريبا .
العروبة … المرض الخبيث العضال , توهمية واتكالية ومفلسة وخيالية وبعيدة عن العلمية بعد الخرافة عن العلم , انها مرض نفسي , لأنها تشوه النفس والعقل وتشوش عليهما بزرع الألغام الفكرية في العقل , ولو تثنى لي العيش في النصف الأول من القرن السابق , لانتابني شك كبير في صحة مقولات سعادة , ولما تمكنت من تصور العروبة كمرض عضال , حتى لو عاش نزار قباني في ذلك الزمن , وحتى لو أقسم على الكتب المقدسة , على أنه قد فكر مليا قبل أن يقول ان العروبة ” عقاب ” وأضيف الآن الى تشخيص نزار قباني مفردة خراب أيضا ,. هذه هي العروبة الوهمية والمفلسة والاتكالية والخيالية والغير علمية أو واقعية , انها مرض نفسي , لأنها تشوه العقل وتشوشه بزرع الأوهام به , أما لماذا اطلق الشاعر هذا الوصف على العروبة وشاركه سعادة بذلك ؟ , لأن أمر العروبة اتضح وانفضح في النصف الثاني من القرن العشرين , اتضح أيضا على أنها فاشلة قاتلة عنصرية وشوفينية , لاتجمع بل تفرق ,ماضوية كهفية اسلامية وليست تعددية , نابذة وليست حاضنة , انعزالية وليست تواصلية , انها كحال بلادنا الآن …. خراب .
لايمكن لسعادة أن ينظر الى العروبة الا بعين التعجب , وليس بعين الاعجاب , فسورية سعادة مختلفة جدا عن عروبية عفلق , الذي وعى تداخل الاسلام مع العروبة وتشابك العروبة مع الاسلام , حتى أنه, بناء على ذلك , روج , على ما أظن في أوائل اربعينات القرن الماضي أو أواخر ثلاثينات ذلك القرن , لكون العروبة اسلام ,والاسلام عروبة , يقينا منه , بأنه ليس بامكان العروبة أن تتعايش مع الأخرين سوى بعد التجانس , لا بد من التجانس واذابة فئة بأخرى , والا عمل السيف والساطور , ومن أجل التجانس المرضي اراد عفلق أسلمة المسيحيين أيضا , وقتها كانت نسبتهم في عدد السكان مهمة , نزعة التجانس استمرت في تخريب التعددية الى أن وصلت سوريا الى ماوصلت اليه ,مثلا مع الأكراد وغيرهم الذين سيتحولون الى مثلهم ,
العروبة مقدسة كالدين وتحمل كاللغة شحنات دينية , كل مجموعة أو كيان يحرص على التجانس , بطبيعته رافض لمن لايذوب به , ونابذ لمن بقي داخل فضائه , كما كان الأمر مع الأكراد وسيكون مع غيرهم في ظل العروبة , هذه هي عقلية الفتوحات والأسلمة وعقلية نشر الاسلام, العروبة كانت بشكل عام فاشلة , ولم تنجح سوى في تخريب الأوطان ,
تشمل القومية العربية كل العرب الناطقين بالعربية , حتى من خارج الوطن السوري , وتشمل الأمة الاسلامية كل المسلمين حتى من خارج الوطن السوري , وفي داخل الوطن السوري يتم استثناء السوريين الذين ليسوا عربا أو أنهم لايريدون أن يكونوا عربا من حق المواطنة كليا أو جزئيا , فالمسلم السني التركي العثماني أقرب اليهم من الكردي السوري , والمورياني أقرب اليهم من السيرياني , وبذلك تحول الاسلام الى عامل انقسام داخلي في اوطان التعددية , وتحولت العروبة أو القومية العربية الى عامل تشرذم داخلي , وليس عامل جمع المختلفين حول قواسم مشتركة , هذه هي القومية الممخرقة , والتي تريد جمع ما جعلته الطبيعة والحياة والظروف مفترق ,وتفرق ما جعلته الحياة والظروف موحدا , هذه هي القومية العربية , التي قال عتها سعادة انها مرض نفسي شوه العقل والمنطق والادراك ,
قال سعادة قبل ٧٠ عاما تقريبا , ان العروبة أفلست في الوقت الذي كانت به بديهية كهوية , كيف يمكن الآن تقييم العروبة والفكر القومي العروبي بعد تلك السنين , هل انتصرت القومية العربية في أي من معارك الحياة …الوحدة ..التقدم ..السلم ..قضية فلسطين .. الديموقراطية … الحريات .. الاقتصاد .. اسكندرون ..كيليكيا … وحدة الأرض ,… انشقاقات على أساس قومي … انقسامات على أساس مذهبي , استمرار ضرورة امتلاك اداة الهيمنة الفئوية أو المذهبية , تزايد تآكل التفاهم بين الناس وفي كل مجالات الحياة الأخرى , اين هو نجاح القومية العربية في أي مجال من مجالات الحياة ؟
بنظر عفلق تعتبر الهوية العربية بديهية مقدسة , هكذا رأى في مقالة له عام ١٩٥٧ تحت عنوان القومية العربية والنظرة القومية مايلي :أن القومية العربية لدى البعث هي واقع بديهي يفرض نفسه دون حاجة لنقاش أو نضال,أما مجال الاختلاف وضرورة النضال فهما في محتوى هذه القومية , ليس لهذه البديهية من شبيه سوى تركيبة الجبهة الوطنية السورية , لقد جمع عفلق الضديات في أسطر مقالته , الصفة العرقية العنصرية حقا غير قابلة للنقاش , ولما كانت العروبة اسلام أي دين فهي غير قابلة للنقاش أيضا , وممارسة التكاذب الذاتي والتفاخر الفارغ غير قابل للنقاش , وتصورات الآمال والأحلام لاتخضع للنقاش ايضا ,وبموجب قانون عدم القابلية للنقاش يجب فهم المسؤولية عن موضوع نشوء المسألة الكردية وتفاقمها والمسؤول عن دفع الأكراد للتفتيش عن حقوقهم البديهية بالمواطنة المتساوية التي سلبتها منهم القومية العربية “الجامعة” المبدأ المريض يقود ألى المرض.
نجحت القومية العربية في شرذمة ما جعلته الطبيعة والحياة موحدا, وهذه القومية هي القومية التي قال عنها سعاده أنها مرض نفسي شوه العقل والمنطق و الإدراك السليم .
العروبة التي اعتبرها سعادة مرضا نفسيا , هي العروبة المتوهمة والبعيدة عن الواقع , عروبة الأصل والعنصر واللغة والدين , وهل من المعقول أن يصطف سعادة في صف الذين يربطون بين العروبة والسامية , أي في صف العنصريين , وهل من المعقول أن يصطف سعادة في صف الذين يقحمون الدين بالدولة , أليس من المتوقع أي يقول سعادة للذين يمزجون الدين بالدولة انتم حالات مرضية وتحتاجون الى علاج طبي , فمن يرى القومية من خلال الدين مريض , لا تتأسس القومية على الدين , الدين أممي بطبيعته والقومية وطنية بطبيعتها , أي أنها مرتبطة بوطن محدد جغرافيا , القومية هي وعي الناس لوحدة حياتهم الاجتماعية -الاقتصادية -السياسية بغض النظر عن دينهم أو أصلهم وفصلهم ,السوريون ليسو عنصر ولا لغة وليسوا دين ولا كل هؤلاء مجتمعين , لايخضع السورين كشعب أو أمة للدين ولا يأتمرون بأمر الدين , ولكن لايهمهم اعتناق السوري لأي دين , ولا يهمهم ممارسة التدين في المجال الشخصي…. للمقال تتمة
سمير صادق :syriano.net
رابط المقال :https://syriano.net/2020/04
