الوقاية من الديموقراطية في دول “الاتجاه المعاكس “

جورج  بنا :

هل يتنظر عاقل من التطور الديموقراطي العربي  أن لايتعثر ؟  وهل توجد معطيات  تؤكد حتى نجاح القدر الأدنى المتواضع منه ؟  وهل عمل العرب , طوال  تاريخهم  , شيئا جديا بخصوص  السير  في الطريق الديموقراطي ؟ ,, ومن  هم أولئك الجادين في  تطور ديموقراطي ؟ ثم  هل توجد ارادة  “شعبية”مستقلة ؟,  , هل توجد أصلا “شعوب ” عربية بمعنى   “شعب ودولة  ” لهذه الكلمة ؟  وهل تصلح  الديموقراطية  لجماعات  تسيطر عليها الصفة البدوية  والعشائرية والعائلية ؟؟.. هناك المئات من الأسئلة حول هذا الموضوع ,  وبالمقارنة مع الشعوب الأخرى  يمكن القول على أن العرب   من أكثر شعوب الأرض حديثا  عن الديموقراطية , ومن   أقل  شعوب الأرض   ممارسة  لها…

أالعرب  هم  أكثر  من  يتحدث  عن  الديموقراطية , وأقل  من  يمارسها!! ,وبالتالي  يعيش  العربي في مفارقة مؤلمة   , فالعربي هو انسان كغيره  يطمح   للأفضل   , لذا يتحدث  عن الأفضل, والحديث عن الأفضل لايخضع لقيود  موضوعية , بينما   تخضع الحياة   في الديموقراطية لعوامل   وشروط  موضوعية …تاريخية  أو   سياسية   ..أو  اجتماعية,  الديموقراطية  ليست  منجزا  كلاميا   ,انما     انجاز   عمليا  و شاقا,

  تتشابك  الأمور …تتعارض  أو  تتعاضد,  تتداخل المصالح   أوتتباين   ..كل ذلك  يؤكد حقيقة  , ألا وهي ان أمر   الديموقراطية   ليس  بالأمر    اليسير ,  “التعثر” في التطور الديموقراطي  هو  الثابت الوحيد , الذي  يجب  توقعه, بالرغم  من رفضه  وعدم تمنيه  ,  أنه أيضا  العنصر الذي       تعتمد   عليه  الديكتاتوريات    في  تبرير  وجودها ,  والحاجة  لهذا   الوجود   المستمر  ,أطلقت  الديكتاتوريات على هذا العنصر   أسماء مختلفة  ,مبارك سماه “الفوضى” وقال  اما أنا أو الفوضى , وبشار سماه نهاية وجود سوريا  ..التقسيم  والتشرذم ثم نهاية المقاومة  وتمدد اسرائيل من الفرات الى النيل ..    أي  الهلاك النهائي, والفرق بين  تقديرات مبارك وتقديرات  الأسد   كان التالي , فمبارك حذر  من   عواقب تلقائية , أما الأسد  فقد تحدث عن عواقب تلقائية اضافة  الى   “العقاب  ”   الذي سينزله  بحق الدواب السوري , اذا تجرأت الدابة السورية على رفضه وطالبت برحيله أو ترحيله , لذا فان المغامرة السورية من أجل حياة ديموقراطية  خطرة جدا , ففي حال  الفشل  , سيبقى الداء الأسدي موجودا  , وقبل النجاح  سيحرق الاسد البلاد , ومن يصدق مضمون هذه المعادلة  لايثور  ويفضل البقاء “كدابة ” مع الأسد الى الأبد .

     لذا يمكن القول  على أن التاريخ العربي الحديث والقديم أيضا  , لايعرف فعلا جادا من أجل الديموقراطية , واذا اقتصرنا في تقييمنا  للتطور على فترة مابعد الاستقلالات العربية  , سنجد بكل وضوح  على أن العمل الجاد كان في اتجاه تدعيم الديكتاتوريات , أي في العمل كان   ”للوقاية  ” من الديموقراطية ,  وهل يمكن للديموقراطية  أن تسقط من المريخ  أو تأتي من الوحي عن طريق الملاك جبريل ؟؟؟ لم نزرع لنحصد ,لنزرع أولا ثم نحصد ثانيا!

 يقف النظام والدولة في  بلادنا على طرفي نقيض,الدولة تتبع النظام  في حين  يجب  على  النظام   أن يتبع  الدولة  ويأتمر بأمرها , واذا  كان  الديموقراطية  هي  حكم  الشعب  معجميا ,فانها  قانونيا   تعني تقدم  الدولة  المجردة على  أي نظام  وعلى  أي  سلطة شخصية  أو عائلية   أو حزبية  أو طائفية ,تقدم  النظام  على  الدولة   أي على سلطة  الشعب   يعني منطقيا   أختيار  النظام  للشعب  وليس  اختيار  الشعب   للنظام , أي  أن  الآلية معكوسة  والديموقراطية  معكوسة ومعظم  أمورنا    السياسية  والاقتصادية   والاجتماعية  سارت   في   الانجاه  المعاكس   ,الذي   عرقل  استتباب   أمر  الديموقراطية  حتى  بأشكالها   البسيطة, أما   الشكل    اليوناني  للديموقراطية  فقد  تحول  الى  الاستحالة. 

ينطبق الأمر  بشكل  مشابه وباتجاه  معكوس  أيضا  على علاقة  الدين   بالدولة  وبشكل أشد   كارثية , فمصدر  السلطة في  الدولة  التابعة  للطائفة  هو  الله  كنظير   لعسكر  الديكتاتورية , والدستور  هو  الشرع  كنظير  للدساتير   المفصلة على  مقاس  الديكتاتور , ,وكما في  الديكتاتوريات  يختار  الله  شعبه  , والشعب ليس له مايختار  باستثناء  الذل  والمهانة!

عوامل  تعثر  الديموقراطية  في  بلادنا متعددة , من  جهة   الدين  , ومن جهة  أخرى  الديكتاتورية  العسكرية ,   ثم من جهة  ثالثة  تقاطع  مصالح  ديكتاتور  السماء  مع  ديكتاتور  الأرض ,   لاتعارض  في  المصالح  الا عندما  يخل  طرف  من  الأطراف  في  عملية تقاسم   الغنائم   , عندها  تبدأ  الحرب  العدمية   التي  نحن بصددها   منذ     سنوات !

جورج  بنا :syriano.net

رابط المقال :https://syriano.net/2019/12

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *