بين المواطن الانسان , والانسان المواطن !

  *    لقد اصطنع الانسان حب الأطان , ليس لسبب في نفس يعقوب ,وانما  كممارسة تضمن  للانسان نوعا من الأفضلية النسبية , المواطن في وطنه ملك ,والوطن هو ملك للمواطن  والانسان يحافظ  غريزيا على ملكيته وملوكيته .

من هنا كان من الضروري ان ترتشح هذه العلاقة بمزيج  نفعي – وجداني يحرم الخيانة ويفرض الأمانة ..الوطن أمانة في أعناق مواطنيه , انه مسؤولية  يجب التحلي بالمقدرة على تحملها , وبالمقابل يعمل الوطن على جعل المواطن ليس مالكا  فقط وانما ملكا  , وحتى لو كان الوطن  مزبلة , فملك المزبلة أفضل من المذلة!! , سيد في جهنم الوطن أفضل من عبد جنة الغربة!!.

تلك هي الاطارات التقليدية الكلاسيكية للمواطنة والوطن , ولطاما سارت الأمور في طريق يحافظ على النفعية المتبادلة , طريق يؤمن للمواطن حقوقه , يقوم المواطن عندئذ بواجباته ويحترم وجدانية العلاقة …بشكل وبآخر انها شراكة على السراء والضراء !.

سير الأمور  بشكل خاطئ  , ووجود واقع مخل  بمبادئ  ووجدانيات العلاقة, ويؤمن امكانيات لشراكة جديدة  ,يقود الى   تغير قواعد التعامل , المواطن -الانسان  يتحول الى  الانسان -المواطن , أي الى صيغة  الانسان     كمخلوق بشري  غير مرتبط ,  والى    صيغة تتقدم على صيغة المخلوق البشري كمواطن مرتبط (كالتحول   من  صيغة  افراد  المجتمع   الى   جماعة  الأفراد) , وبهذا تتقلص روابط المواطنة ,ليدفع   ذلك  الانسان  للبحث  عن  بدائل   ,صيغة   الانسان –  المواطن   شبيهة   بصيغة   مجتمع  او  الأصح  جماعة  الأفراد , وصيغة  المواطن –  الانسان   شبيهة  بصيغة   افراد  في   المجتمع   , فرد   في  مجتمع  يعني   ارتباط    الفرد   بالمجتمع   ,  هؤلاء  الأفراد  يعيشون  مع  بعضهم  البعض  في  ظل   الرابط الاجتماعي ..(.مواطن  مرتبط ) !!!   ,  أما جماعة  الأفراد  ونظيرها   الانسان – المواطن   , فهم  مخلوقات   بدون  ارتباط   اجتماعي ,  يعيشون   الى  جانب   بعضهم  البعض , وليس  مع  بعضهم  البعض , كما  هو  الحال   في   صيغة   أفراد  المجتمع   او  المواطن  -الانسان , جماعة   الأفراد   لايمثلون  مجتمعا بارتباطات  داخلية ,  وهذا   هو  حال   الانسان -المواطن    بدون  ارتباط  , وهذا  هو  الخلل  الذي    يدفع    الأفراد   للبحث  عن  ارتباط  اجتماعي     أي  التحول    الى  افراد  في   المجتمع  أي   المواطن   -الانسان .

الروابط   الاجتماعية   مفيدة  للجميع بما  تقدمه  من  ايجابيات  ومكاسب من  خلال  التضامن  والتكافل  ,  وذلك   بعكس  جماعة  الأفراد   او  الانسان – المواطن , هنا  يكون  كل فرد  مسؤول  عن  نفسه,  ولا  تربطه   بالمجموعة  التي   يعيش  الى  جانبها   أي روابط   أساسية  ,  ترغمه  على  المشاركة  في مشروع   التكافل  والتضامن   الاجتماعي ,    تمثل   صيغة   الانسان – المواطن   كصيغة  جماعة  الأفراد  خللا في  علاقة  المواطن  بوطنه, خللا  يولد  من  رحم   صيغة  جماعة  الأفراد  أو  اللامجتمع ,     صيغة  المجتمع  هي  ضرورة   لابد  منها من  أجل    اقامة  ورعاية  الأوطان   , فلا  وطن  دون  مجتمع  , وطن   الأفرد   هو  وطن  فاشل ,  انه  موطن   المساكنة  وليس  وطن   المشاركة ,

لقد   شجع  عصر  العولمة   على   قيام  مواطن   المساكنة   اي جماعة  الأفراد    وصيغة    الانسان -المواطن  ,   الأوطان    تطورت   باتجاه   المواطن   العالمي   …مواطن   العالم   بدون   ارتباط   اجتماعي  مع   مجتمع   الوطن …  الوطن   أصبح   كل   العالم  , وبذلك  يمكن   القول  بأن   الوطن   الاقليمي  خسر  صيغة    المجتمع   المحدد …..صيغة   الفرد  في  مجتمع الوطن  المحدود   بحدود   ,  وما   خسره   الوطن  من   صلاحيات  وامكانيات كسبته  العولمة   العالمية  ..   المواطنة   المتعولمة   ,  التي لاتملك   معالم الوطن  الكلاسيكي  ضمن  جغرافيا  محددة ,   يعيشون  ويعملون   في  أي  مكان  في   العالم , العالم  وطنهم     ,  لذا  تحولوا  الى  مواطنين  عالميين  , .

تختلف   شورط  المزاطنة   العالمية   عن  شروط   المواطنة     الاقليمية  ,الأولى  عابرة  للحدود والثانية  ملتزمة  بالحدود , وتحتلف   ايضا  بخصوص   الحقوق  والواجبات ,   معظم  العلاقة   بين  الوطن  العالمي   وبين  الانسان -الوطن نفعية  تبادلية   , بينما  تتميز  العلاقة  بين  وطن   الحدود  والمواطن –   الانسان   بوجود  حيز     اعتباري   عاطفي   عضوي   نفسي  ارتباطي    ,  فالبعض   يضحي   بحياته  من   أجل  وطن    الحدود ,  بينما   لايفكر    المواطن  المتعولم  اطلاقا  بالتضحية  بحياته  من   أجل  الوطن  اللامحدود   .

عودة  الى  وطننا  السوري    المحدود  وعلاقته  مع   المواطن  -الانسان ,  فالعلاقة  متأزمة  بشكل  مطلق, والتأزم  وصل  الى  مرحلة  الطلاق,الوطن  يطلب  من  المواطن  أن يعيش أكثر من أربعين سنة  في  حالة  قمعية لامثيل لها , ثم  يطلب  منه   الانتظار  عشرات  السنين الاضافية  حتى  يتم  اصلاح ماتم  افساده  , والانسان  يعيش  بشكل  وسطي  حوالي  سبعين  عاما  , أي أن الوطن يطلب  من  المواطن  قضاء  أكثر  عمره  في التعاسة  وما  بقي  من  العمر  في  انتظار  السعادة , التي ربما  لاتتحقق  ,  الثقة  والصدق  ليسوا  من  شيم  الواعد  , الانطباع  هو  ان الواعد  يتوعد  , مستخدما  خدعة  جديدة  وكذبة  جديدة  وتهدئة  جديدة لامصلحة  للانسان  بمن  يتوعده  ,  انما  بمن  يفي  بوعوده .

يسأل  المواطن   السوري  نفسه ,لماذا   عليه  دفع   ثمنا   عاليا  من  الصعب  تصوره   لبضاعة  هي  أصلا  ملكا  له , كالحرية مثلا  , أطنان  من الدم  وبحور من  الذل  والمهانة  والاستبداد, هم سعر لحرية ممارسة غريزة  الكلام  , وفي وطن آخر أو   في   وطن   العولمة  او  الوطن  المتعولم  , يستطيع  الاانسان  أن  ينهل  من  الحرية  حتى  التخمة  ,وكيف  هو  الحال  مع  الملك  على  مزبلته ؟؟,  عندما   تتحول  جلالته في هذا الوطن   الى  جزء  من   الزبالة  ,   ثم موضوع  السجون  والشجون   وسلخ  الجلد  وسرقة  المال  وانتهاك  العرض   ومصادرة  الأرض  وقتل  العقل  ومنع الفكر , وكمامة  الفم , وقلع  العين  وقطع الأذنين ,ثم اقتلاع الأظافر  وقتل الأطفال , ومنع  ممارسة  التنفس  , ثم  احتكار البعض لمؤسسات   الاتصالات  والمعارض وحتى المعارص …. تباع  رقاب  الناس  وتحبس  الأنفاس ..لماذا  تطلب ياوطن مني كل ذلك ؟, وماذا تقدم لي  ؟, أقدم لك الامكانية  لتصبح  اجتماعيا مؤنسنا ,  بالمقابل  تصر  على  أن  تكون  ملك  فرد  أو  أفراد   بزبانية  وشبيحة  وذبيحة   , عند  أي  تشكيك   باستقامة  أمور  الوطن ,   ينفجر  هؤلاء  غيظا   ويقتادون   المنكد  الى  المحجر,  على  اعتباره  خائنا   للوطن …..  الى   المحجر   للتعليق    على  سقف   السجون  كالعجل   المذبوح ,اضافة  الى  ذلك   الكهرباء والسوط   والساطور  والدولاب    وآخر  فنون   التعذيب …. وتعجب   ياوطن  من  هروب   الناس  وتحولهم   الى مواطنين   في   وطن  اللاحدود ,   ألا  تعجب   ياوطن  من   كون تعداد   سكان   سوريا ٢٣  مليون ,  بينما   عدد كل   السوريين  تجاوز   ٤٦  مليون ,  نصف   السوريين  تواجد قبل  عام  ٢٠١١   في   العالم  خارج   سوريا  , وبعد  ٢٠١١   انضم     الى  النصف   نصف  النصف   أي  حوالي ٨  الى ١٠  ملايين ….

لقد  انقلبت  المفاهيم وأصبح الهروب الى المهجر الغير  محدد واعدا  بالسعادة  , والبقاء   في  المحجر  الكبير   أو  الصغير  متوعدا   بالتعاسة, وبالتالي   محرضا  ومشجعا   على   الهروب ,هذا  الوطن   لايخجل   عندما   يطلب  من  الفقير  التضحية  بحياته   , ويطلب  أو  على  الأقل  يسمح  للحيتان  بتملك  كل   شيء …كنا  في  الخمسينات   باقطاعية  زراعية  خفنا  منها , والآن  بعد  ولادة   الاقطاعية  المالية   نخاف  عليها ,  وياليتنا     لانزال  في طور  الاقطاعية  الزراعية  ,  التي  ,بالرغم  من  توحشها ,  لم  تصل الى  درجة   توحش  الاقطاعية  المالية  , والآن  نحن   باقطاعية  مالية ,  مؤسسة  على  السرقة   المفضوحة,  التي مارسها  من يدعي  حمايتنا  منها !!!  لاهنذا  تبنى  الأوطان  ياناس   !!

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *