سمير صادق :
* نظرة تأملية على النظم العربية مثلا النظام السوداني قبل الأخير , الذي أتى على ظهر الدبابة وأسس نظاما مارس الشمولية وفرض الاسلام ثم الغى الأحزاب السياسية الرئيسية في البلاد , نظام استعدى العالم بكامله من الجيران شمالا وجنوبا الى القوى الدولية الفاعلة , نظام تفجرت في وجهه الأزمات والكوارث والانقسامات والمذابح والمطاردة من قبل محكمة الجنايات الدولية , وبالرغم من ذلك لم يكن بالامكان ترحيل البشير الى بيته أو الى السجن
.لقد كان لدى الأنظمة قدرا كبيرا على امكانية المناورة خارجيا وداخليا , وفي هذا السياق كانت هناك بعض التنازلات , التنازل الوحيد الذي لم يكن ممكنا , كان مغادرة الحكم والتفريط في السلطة , لقد كان هناك استعداد لبيع مصالح الوطن أو تدميره أو الفتك بالشعب , حتى التجريد من السلاح ..الكيماوي في سوريا على سبيل المثال كان ممكن وتم بسرعة مذهلة , ليس من الممكن تجريد النظم من الأسلحة المخصصة للحروب الداخلية الأهلية(٨٠ من اسلحة الجيش السوري معدة للاستعمال في الحروب الداخلية) , مصير الأسلحة الموجهة الى الخارج كان أقل أهمية .
القاعدة التاريخية العربية -الاسلامية تؤكد بأن هذه الدول لاتتغير من الداخل , أي من خلال الثورات والانتفاضات الشعبية , فلا وجود في قاموس السلطات العربية لما يسمى تنازل طوعي تحت أي ظرف او حالة كانت , وذلك تيمنا بالحفاظ على التراث والممارسات التي سادت طوال ١٥ قرن من الزمن , التغير حدث من خلال انقلاب عسكري أو تدخل خارجي مسلح , بالرغم من تغير العالم علما وانتاجا وصناعة وسياسية , ظلت النظم العربية -الاسلامية مستعصية على التغيير بطرق شعبية أو ديموقراطية , اعراس الديموقراطية في الانتخاب أو الاستفتاء تحولت الى تأبين وجنازة للحقيقة والنظافة والشفافية والاستقامة..الى مأتم وتهريجية في نفس الوقت . ماهي أسباب استعصاء هذه الأنظمة الشمولية نسبيا على آليات التغيير الداخلية كالتظاهر أو التمرد أو العصيان المدني ؟
أحد أهم الأسباب هي ثقافة الطاعة , طاعة السلطان أو الوالي ضرورة , وقد جاء في توصيف هذه الحالة عن لسان عبد الرحمن الكواكبي قوله ” العوام هم قوة المستبد وقوته , بهم عليهم يصول ويجول , يأسرهم فيتهللون لشوكته , ويغصب أموالهم فيحمدونه على ابقاء الحياة , ويهينهم فيثنون على رفعته , ويغري بعضهم على البعض فيفتخرون بسياسته , واذا أسرف في أموالهم يقولون كريما , واذا قتل منهم ولم يمثل يقولون رحيما ,يسوقهم الى خطر الموت فيطيعونه حذر التأديب , وان نقم عليهم منهم بعض الأباة قاتلوهم كأنهم بغاة.
ولد الاستبداد من رحم “الانصياع” الذي يعتمد على الطاعة وليس على القناعة , الطاعة عمياء في طبيعتها , تلغي عقل المطيع وتحذف ارادته التي تحتلها عندئذ ارادة الاستبداد , وبالتالي يتم اختذال العقل , الذي لامهمة له في ظل الاستبداد , اختزال العقل يعود بالمخلوق البشري الى حالته الحيوانية , التي تتمثل بممارسته لغرائزه والحفاظ على وجوده الفيزيائي , الذي تضمنه قناة الهضم…مخلوق المعلف…. فالمخلوق البدائي يتحول الى مايشبه القناة , حيث يدخل العلف من جهة وتخرج الفضلات من جهة أخرى , ,على المجتمع في هذه الحالة تحمل عددا متزايدا من الطفيليات المستهلة والغير منتجة , ومن يسير في هذا الطريق طوعا أو قسرا سيصل الى العدم والاندثار , انها حتمية لامناص منها !.
من الأسباب المهمة تشييئ الانسان , مما يسهل للطغاة البطش والفتك به , لاقيمة تذكر للانسان , انه بقيمة الشيئ التافه الرخيص,…خسارة الانسان تحت التعذيب مثلا هي خسارة للأشياء , وهكذا تتحول قيمة الانسان الى قيمة الرصاصة التي تخترق رأسه.
من أهم ميزات الطغاة العرب , ميزة التوحش والحيونة مع انعدام أي سقف أخلاقي , الفتك بالبشر ضرورة أمنية , استسهال رجم الزانية كاستسهال رجم المعارض او المتمرد , لذلك يتردد البعض في تعريض حياتهم للخطر , من أجل وطن ليس بالوطن … من أجل سجن كبير …من أجل حديقة حيوانات بحجم الوطن , الانسان السوري متهم ولاديا, أي فورا بعد ولادته, وعليه في مابقي من حياته عبادة اله الأرض والتملق له الى جانب التفاخر بممارسة الانصياع والطاعة , الانسان السوري يولد ويموت في نفس اللحظة …. لايعرف التاريخ الخلافي العربي والعثماني ثورة شعبية واحدة , بين ١٩٢٠ و١٩٣٠ كانت هناك في سوريا عدة ثورات على الانتداب الفرنسي , حتى قبل التعرف على خصائص هذا الانتداب, من الصعب ممارسة العصيان على جمال باشا السفاح ,الأمر بالنسبة لديغول آخر !
هناك خلل كبير في ادراك العموم لمفهوم الدولة والسلطة , فالدولة وجدت لتبقى , أما السلطة فوجدت لتزول , وبؤسنا يتمثل في العكس , السلطة وجدت لتبقى بينما لامانع من زوال الدولة , وحتى ولو بقيت السلطة بدون دولة , السلطة “دين”وجدت لخدمة الدولة , بينما يعتبر بؤسنا الدولة خادمة للسلطة …الدين وجد لخدمة الانسان , بينما عموممنا يعتبر الانسان خادما للدين ,السلطة تابعة للدولة , بينما يعتبر عمومنا الدولة تابعة للسلطة ,انها دولة السلطة وليست سلطة الدولة …بشكل عام يعاني المفهوم الشعبي للدولة والسلطة من الالتباس …لايريد الناس اقتلاع السلطة عندما تكون السلطة هي الدولة , والسلطة ترى بأنها الدولة , عندما تعتبر تعتبر محاولة اجتثاثها هي محاولة لاجتثاث الدولة , هناك تماهي بين الدولة والسلطة , وبالتالي تردد الناس في السعي لازالة السلطة , وتطرف السلطة في الدفاع عن نفسها لأنها الدولة
*في نقد الدولة الشمولية
