النسبي والمطلق وحتمية الاقصاء !

نبيهة  حنا  :

*    هناك تناقض بين النسبي والمطلق , قد لايتضمن هذا التناقض نظريا على الأقل اقصاء أحدهم للآخر , الا أنه عمليا لايمكن لأي منهما الا أقصاء الآخر ,لو أخذنا التطرف الديني على سبيل المثال, وقلنا تعريفا على ان التطرف هو “تجاوز” للحدود المنطقية  , يجب   السؤال هنا عن ماهية  هذه   الحدود  المنطقية  ومن عرفها  ورسمها ؟ , من اين تبدأ وأين تنتهي؟ , اذن هناك غموض بما يخص الحدود , هنا يأتينا  فلان محاولا  علاج الغموض  بمخترع “الوسطية” , وبالوسطية يزداد الأمر غموضا, اذ أن الوسط هو نصف المسافة بين نقطة ألف ونقطة ياء , فللتعرف  على الوسطية لابد من معرفة التطرف بحدوده التي من الصعب رسمها ,
لنأتي الآن الى الموضوع, الذي هو الأصولية والعلمانية, حيث يمثل كل منهما قطب التناقض , الذي يمكن تعريفه بأن الأصولية تحول النسبي الى مطلق , والعلمانية تريد تحويل المطلق الى نسبي , مع العلم بأنه في هذه الحياة لاوجود  لماهو مطلق   سوى  للبعض   مما اخترعه الانسان ,كالأديان   مثلا  , بالتالي يمكن القول على أن الانسان باختراعة للأديان وتزويدها بالمطلق قد   ساهم عامدا متعمدا في النيل  من   طبيعة الانسان, التي لاتستقيم طبيعيا وغريزيا مع ماهو مطلق.

اننا أمام ظاهرة الأصولية أي ظاهرة المطلق , وظاهرة العلمانية التي هي ظاهرة النسبي , وأي شكل للوسط بينهما سيقود الى تخلي كل منهما عن ذاته , أي حذف ذاته  , نظرا للحياة وضرورة ادارتها ,  نحن  نحن أمام   ادارة  أصولية وادارة  علمانية  , أي  أمام  مطلق  متملك  الحقيقة ,وأمام نسبي لايبحث  عن “حقيقة” ,لأن التغير والتطور الطبيعي ينفي صفة “الحقيقة” الأزلية عن كل شيئ .

  صدام     العلمانية   مع    الأصولية   سيقود   الى  انتصار  طرف  على  الآخر, ولو افترضنا ان النصر كان على جانب     الأصولية   …المد  الأصولي, هنا لايمكن للنصر الا أن يكون مؤقتا ومرحليا ,  وستفشل  هذه    الأصولية , لأنها   تعالج  بالمطلق ماهو نسبي , وفي سياق  الفشل   المتعاظم    لامناص للأصولية   من القاء المسؤولية على الغير أي على  العلمانية  أي  الكفار الذين خربوا   الطبخة  , وبما أن الأصولي “مطلق” , لذا سيكون تعامله مع مخرب الطبخة مطلق , ومطلقيته تعني هنا التكفير , وللتعامل مع التكفير اخترعت     الأصولية  قواعد وأحكام , ومن القواعد والأحكام   تصفية  الكافر وحذفه من الوجود ونيل المكافأة الربانية على   هذا   العمل  الفضيل , واذا سمينا ذلك ارهابا , يمكننا عنئذ  القول بأن   الارهاب  حتمي بالنسبة للأصولي , ولا يمكن تجنبه بالحواجز والرصاص والطائرات , أي أنه لامناص من   اقصاء   هذه  الأصولية   والاتيان  بالعلمانية  النسبية والغير قطعية  والتي  تؤمن  بامكانية صناعة الانسان  عن طرق  احترام وجوده وحقه في ممارساته الشخصية كالتعبد والعبادة ثم حقه في التنعم بالحرية , لأن حرية  العلمانية تعني حرية الغير أولا ,

العمل   على  تجنب  تكرار   الفشل منطقي  ..فأهلا وسهلا بالانسان الذي يترك مطلقاته وغيبياته في بيته ومعبده, لأن هذه الأمور “شخصية “ وعليه عندئذ دخول حلبة الصراع أي السياسة بشخصه فقط وبمرافقة شخوص يملكون رؤيته بدون تأبطه لسيف الدين والغيبية والايمان ومحاولة زجهم في عملية التنافس مع الآخرين

كم كان ويكون من الأنسب لو لم يتعتر المجتمع  بالمطلق   الالهي , ولم يتعثر تطور المجتمع بالمطلقية المشوهة لطبيعة البشر , العلمانية كفيلة برفع كل هذالتناقضات وبغير ذلك فالحرب الدينية قادمة , عفوا …. لالزوم لها أن تأتي , لقد أتت وأصبحت واقعا  تعثيريا مميتا , وهل هناك حياة في هذه البلاد التي تحولت الى مقبرة وقتيل…

*الحاج  نسبي  , جريدة  اللواء

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *