سوريا التي أعطتكم عمرها …
سمير صادق:
من يقرأ الأخبار عن تقديرات كلفة الخراب السوري يصطدم بأرقام خيالية …مابين ٦٠٠ مليار دولار و٩٠٠ مليار دولار ,على أي حال كمية من الدولارات التي لايستطيع الشعب السوري تأمينها ولو بعد مئة جيل من اليوم يسأل الانسان نفسه , من دمر سوريا والحق بها ذلك الخراب الذي لاينفع الطب معه ؟
لاتقتصر الخسائر على المادة , انها اضافة الى ذلك خسائر جسدية ونفسية وأخلاقية وسياسية ومستقبلية , بشكل عام يمكن القول على أن تطورات السنين الأخيرة توحي لابل تبرهن عن قصور في الحاكمية وقصور في التعامل مع الشعب وتعامل الفئات الشعبية مع بعضها البعض , ولو سألنا الاخونجي المعسكر عن أسباب الدمار السوري , لقال لك سبب الدمار هو الاستبداد البعثي , وهنا تجدر ملاحظة , وهي صحة كون البعث مسؤول عن سوريا فسادا.. استبداد.. وتأخرا أيضا وذلك لفترة قصيرة نسبيا , وقد انتهى دور البعث سياسيا قبل عشرات السنين , وحتى وجود البعث تقلص تدريجيا بعد عام 1970 , ومنذ أكثر من عشر سنوات لايوجد بعث , وانما يوحد آل الأسد , الحكم ليس بعثي الآن وانما أسدي بامتياز.
لو سألنا البعثي أو لاحقا الأسدي عن أسباب الدمار , لقال : ان المسبب هي الأصولية السنية , ولا أصوليىة غيرها , على كل حال , فان محاولة تحليل هذه المقولات هي محاولة عقيمة , ذلك لأن الأطراف المعنية بالدمار لاتفكر الا بشكل قطعي , وقطعية الفكر هي الغاء لوجوده , ولا يمكن لمن تحجر في الآية والحديث أن يعترف بأي خطأ اعترافا منتجا , لأن ذلك يمثل طعنا بالله , كما أنه لايمكن للأسدي القطعي أن يعترف صادقا بأي خطأ , لأن ذلك يمثل طعنا بالقائد الخالد , وللأمانة يجب القول على ان كل جهة تعترف “كلاميا” ببعض الأخطاء , الا أن هذا الاعتراف لايمثل الا “خدعة” فالذي يعترف حقيقة بالخطأ عليه أن يحاول اصلاحه , وحالة الدمار التي توجد بها البلاد الآن لاتوحي بحدوث أي اصلاح منتج ايجابيا .
ليس غريبا أن تخرب الأصولية المسلحة بالاشتراك مع الأسدية المسلحة البلاد , وليس غريبا أن يكون هذا التخريب عملاقا , ذلك لأن الأصولية المسلحة غير مؤهلة فكريا لأن تتفاعل مع الغير الا في التخريب , لأن البناء غير ممكن على قواعد أكل الدهر عليها وشرب , والبيت الذي يبنى على الرمل ينهار , وحال الأسدية ليس أفضل , وما يميزها عن الأصولية المعسكرة هو ان تخريبها المرتكز على منهجية الفساد مبرهن عليه , فالأسدية تحكم منذ أربعين عاما , واليوم نرى البلاد حطام , لذا لايمكن هنا اللف والدوران , أصولية الفساد الأسدية المعسكرة خربت البلاد بالاشتراك مع الأصولية المعسكرة الأخرى , وبفضل هذا الحلف قطعت البلاد شوطا كبيرا في التحول الى خربة , وسجلت في هذا الخصوص رقما قياسيا .
قد يشك احد في وجود هذا الحلف , اذ كيف يتذابح الحلفاء بالشكل الذي نعرفة من عام 1982؟الجواب بسيط , سبب التذابح الأساسي كانت الكرسي , وتوزيع الغنائم , والحياة المشتركة الأصولية السنية -الأسدية تعرف فترات كثيرة وطويلة من الوفاق والوئام , ولحد الآن !, فرغبات مسقط الأمطار والعارف بالأسرار الشيخ البوطي هي أوامر يجب تنفيذها بالحال , فالبوطي مقتنع وراض عن الطريقة التي يتم بها تقسيم الغنائم, بينما غيره من الأصوليون غير راض عن ذلك , وهنا هو لب وقلب الاشكالية بين الأصوليتين .
لقد كان على الأصولية البعثية-الأسدية ممارسة الاستبداد للاستئثار بمقدرات البلاد , منعت كل لسان من التكلم وكل فكر من التفكير وكل حرية وديموقراطية من الممارسة , الا أن المساجد بقيت مفتوحة للأصولية الأخرى , التي مارست بها تربية الأجيال , والأصولية البعثية-الأسدية ساعدت الأصولية الأخرى كثيرا , حيث لايعرف التاريخ السوري تصاعدا في عدد المساجد شبيه لتصاعد هذا العدد تحت اشراف الأسد , وأصولية البعث -الأسد افرغت البلاد من السياسة (كما فعل شاه ايران ) تماما , وانقراض السياسة أو انحسارها , ترافق تلقائيا بتضخم المد الديني , الذي شغل الشاغر السياسي , وبنتيجة ذلك نحن الآن بصدد مجتمع ذو انتماء طائفي نشيط يرقص على اشلاء الانتماء السياسي , الذي اعطاكم عمره , ويجدر هنا التذكير , بأن المد الديني لم يقتصر على فئة دون الأخرى , للمد الديني رجل سنية وأخرى علوية . لذا فان تطييف الوعي الاجتماعي كامل وشامل تقريبا .
اذا كان الاستبداد البعثي-الأسدي ضروري لنمو الأصولية الدينية التي تتمركز في المساجد , فان الأصولية السنية أو الدينية بشكل عام ضرورية للأصولية البعثية-الأسدية , حيث تتمكن أصولية البعث -الأسد من ممارسة التخويف من الأصولية الدينية بشكل يضمن لها مايكفي من مبررات لتسويق الاستبداد وبالتالي المقدرة على ممارسة الفساد , ولتسويق الاستبداد هناك شعارات معروفة نسمعها كل يوم عشرات الألوف من المرات … من أجل صيانة الوحدة الوطنية ..من أجل محاربة الطائفية ..من أجل الوقوف في وجه الظلاميين والتكفيريين ..من اجل الممانعة والمقاومة , من أجل دحر تآمر الخليجيين والسعوديين الوهابييين , ومن أجل محاربة الصهيونية .. الخ
لا اعرف مدى وجاهة وصحة ماقلت عن الحلف الذي تحدثت عنه , الا أن هناك فكرة أخرى أريد التنويه اليها , وهذه الفكرة تقول , أليس من الملاحظ على أن حجم الأصولية الدينية حاليا أكبر بكثير من حجها الطبيعي , الذي اقدره بحوالي 10% من الشعب السوري , وليس من الملاحظ على أن حجم الأصولية السلطوية أكبر بكثير من حجمها الطبيعي , الذي أقدره بحوالي 10% من الشعب السوري أيضا , أي أن هناك “انتفاخ” أصولي على الجهتين, ولا يمكن أن يكون لهذا الانتفاح من سبب الا تعاون الجهتين عمليا , وللتمويه تبادل الشتائم والسباب
Post Views: 464