الحرية والحنين الى الديكتاتورية !
سمير صادق :
نلاحظ نوعا من الاستهجان أو حتى عدم تقبل البعض لمنهجية سيريانو بخصوص حرية النشر والرأي الآخر (مع العلم بأن بعض الخربشات الكتابية لاتمثل فكرا , ثم أن السوقية والشتائمية لاتمثل رأيا أووجهة نظر ) , سيريانو يتفاعل مع النقد بايجابية , ويعتبر النقد مكسبا ضامنا للاستقامة والتقدم , سأحاول الدفاع عن منهجية الصفحة الضامنة لحرية كل الآراء , اريد التذكير بداية بما أفسده قمع حرية الرأي وما سببه من كوارث في البلاد , كوارث لاعلاج لها الا بممارسة حرية الرأي الكقيلة بايجاد الحل الأمثل لكل مشكلة , حرية الرأي ليست انتقائية , وحرية البعض فقط , هي استعباد للبعض الآخر .
الاختلاف والتباين كان ولا يزال من طبيعة البشر ,اضافة الى كونه ضروري للابداع ,لا يمكن اللاختلاف والتباين أن يبدع الا اذا تمكن من التعبير عن نفسه عن طريق ضمان حرية الرأي , هذه الحرية تسمح عندئذ بالتعرف على الصحيح والخاطئ نسبيا من الآراء ,وبالتالي تسمح بتقويم اعوجاج بعضها .
شأن الطهارة الفكرية كشأن الطهارة الطائفية ,لقد ألغيت الطائفية شكليا عن طريق منع التطرق اليها تحت طائلة العقاب, عمليا تم التستر عليها , وتحت الستار نمت وترعرعت واحتقنت الى أن انفجرت , وفجرت الوطن معها الى حد الاندثار ,الغاء التداول الفكري حول اشكالية الطائفية لايعني اجتثاث الطائفية , كما تم خداعنا في نصف القرن الماضي , وهكذا انتقلنا من خدعة الطهارة الطائفية الكاذبة الى واقع التطهير الطائفي القاتل ,
أأما الطهارة الفكرية التي تم فرضها أيضا تحت شعار حماية الوحدة الوطنية , فقد كانت قاتلة بشكل آخر , لقد قادت الى العقم الفكري والى ازدهار كار شعراء البلاط والى الانسداد والتأخر والى الأخطاء التي لم يتمكن الفكر الوحداني العقيم من حلها , لقد ااستغل النظام ميول الناس الى مفهوم التوحيد الالهي , حيث تم اسقاط هذا المفهوم على الاله الأرضي , الذي مثل الرأي الواحد والموقف الواحد والأعتقاد الواحد والديكتاتور الواحد كبديل عن الاله الواحد , الذي يجب حمايته من شرور الحرية المشرذمة للقطيع الواحد , فديكتاتور المستنقع الآسن يموت في الماء النقي الصافي , اغتيال الحرية الذي قاد الى اغتيال الوطن لم يكن على يد الديكتاتور حصرا , ابتلاء الناس المدمر بمفهوم التوحيد حقق للديكتاتور مايريد ,وما هي نتائج كل ذلك ؟
التوحيد عدو لطبيعة البشر , وصديق حميم لمشوهات هذه الطبيعة , لولا خدعة التوحيد لما بقيت الديكتاتوريات لتلك الفترات العملاقة …عمليا حتى الممات طبيعيا أو اغتيالا …الخلافة بألف سنة عربية ثم أربعة قرون عثمانية كانت ديكتاتوريات تعكزت على التوحيد وتمكنت من الغاء الزمن , والعثمانيون هم من ابدع في الغاء الزمن , لقد وضع العثمانيون المخلوق البشري وفكره في الكهف أو الثلاجة أربعة قرون , ثم جاء الاستعمار الداخلي ليكمل تكهيف الانسان وعقله وفكره , ولما استيقظ هذا الانسان بفعل بدعة الحرية والاستقلال على يد الحلفاء , وجد نفسه في عالم آخر لم يتمكن من فهمه , ولم يتمكن العالم من فهم هذا المخلوق المستيقظ حديثا, المستيقظ تحول الى غريب في هذه الدنيا , ومن أهم معالم غربته كانت غرابة أفكاره.
ااستمرت غربة الانسان وتغريبه عن طريق الاستعمار الداخلي , ليس بالغاء الزمن فقط , وليس بالتحنيط والثليج فقط , وانما بادارة عقارب الساعة الى الوراء , البعث اراد احياء الماضوية , وعن احياء الماضوية عن طريق الأصولية الدينية فحدث ولا حرج … اليكتاتوريات المتألهة ارضيا وحدت الناس قسرا وشكليا وظاهريا , ومن أجل الوحدة والتوحد والتوحيد الكاذب كان الغاء الفكر الآخر ضروري , وهكذا حظيت البلاد بذلك القائد الخالد , وبتعاليمه وآرائه ومواقفه المتقدمة على تعاليم موسىى والمسيح ومحمد وعابد الجابري وجورج طرابيشي وأدونيس وأركون والعفيف الأخضر وصاق جلال العظم والآلاف غيرهم , هنا أتى التحرير ليس على يد الحلفاء العسكر وانما على يد الحليف الكومبيوتر وعلى يد منصات التواصل الاجتماعي , التي ضمنت للفكر حريته وحرية انتقاله وانتشاره , الفكر الحر هو السيد الآن ولا مجال لقمعه أو استعباده .
لم تعد هناك مشكلة مع القمع الفكري الخارجي , هناك مشكلة مع التعامل مع الحرية الجديدة , حيث لا وجود لتلك الخبرة في ممارسة هذه الحرية , ولا يزال هناك بفعل الاعتياد حنين لاشعوري لزمن المنع والقمع والاقصاء وحذف الغير , وكل ذلك قابل للتفهم , ولا يمكن توقع غير ذلك , فالتعامل مع الحرية يتطلب العديد من الامكانيات والمهارات التي لالزوم لها في زمن االديكتاتوريات , لابد من التعلم خاصة من الأخطاء , ومن لايرى ضرورة للتعلم لأنه متعلم ومعلم وعالم فسيبقى جاهلا ومستعبدا لنفسه وغير قادر على الاسنفادة من الحرية المتاحة , انه من قوم أولئك الذين يذرفون الدموع بغزارة على الحرية , الا أنهم يريقون دم هذه الحرية بغزارة أيضا .
Post Views: 845