نبيهة حنا :
الاحتلال العسكري أمر معروف جدا تاريخيا , والمعروف عن الاحتلال أيضا سعيه لتتغيير خصائص الشعوب التي يسيطر عليها , لقد احتل عرب الجزيرة بلاد الشام , وتحت هذا الاحتلال تغير العديد من خصائص شعوب بلاد الشام , لغويا حلت العربية محل الآرامية , ودينيا حل الاسلام محل المسيحية , اضافة الى تطور العادات والتقاليد باتجاه بدوي ,الآن وبعد ١٤٠٠ يتكلم الناس العربية ودين معظم الناس أصبح الاسلام , لاتقتصر تطورات من هذا النوع على بلاد الشام , لقد حدث شبيه لذلك في شمال أفريقيا , النجاح في تدجين شعوب المستعمرات كان متباينا ., لقد كان النجاح حليف مساعي التعريب والأسلمة في بلاد الشام وشمال أفريقيا , هذا النجاح قابله الفشل في اسبانيا وبلاد فارس , هذه الممارسات كانت دائما مرفوضة ومكروهة , لذلك لم يعترف مستعمر بممارستها صراحة , أما في العصر الحالي فانها ممنوعة , وحتى استخدتم مفردة “فتح” ممنوع أيضا منذ أكثر من مئة عام من قبل قبل عصبة الأمم .
اختلف الناس في تقييمهم للحدث , فالسوري الذي يعتبر تاريخ سوريا وحضارتها هي الأصل وكل ماتعرضت له سوريا من احتلالات هو طارئ مرفوض , حتى ولو دام الاحتلال عدة قرون , لقد زال الاحتلال العربي لاسبانيا بعد حوالي ثمانية قرون , وتمكن الشعب الاسباني من تنظيف البلاد من بقايا العسكر العربي ومن بقايا التراث العربي , الوضع السوري مختلف , هناك من يستهجن هذا التدخل في موضوع الدين واللغة والطبائع ويعتبره اجراما بحق الشعوب السورية , خاصة بالنظر لما عرف عن قسرية هذا التدخل, ففي بلاد الشام كان الانسان على درجة عالية من التقدم والتطور النسبي ومقارنة مع بدو الجزيرة الحجازية , تقدم وتطور هذا الانسان لايشعره بالحاجة لاستبدال لغته بلغة الصحراء , التي لم يكتب بها شيئ في ذلك الحين , أما الانتماء الديني المسيحي فقد كان مترسخا ومنتشرا , ولماذا يغيير المسيحي دينه الى دين آخر لم يكن قد كتب عنه كتاب ؟, والمجاهدون والمبشرون بالدين الجديد أتوا بالسيف وليس بغصن الزيتون , والعديد منهم كان مخضرما ومجرما اضافة الى ذلك , ثم كانت هناك المذابح والمجازر , ومن يتأمل في أفعالهم خلال ١٤٠٠ سنة لايستطيع تصور سلميتهم بعد الاحتلال مباشرة , وحتى في هذا العصر وفي السنين الأخيرة وبالرغم من تقدم البشرية والقوانين الدولية فاق توحشهم ودمويتهم كل وصف أو تصور , فكيف يمكن تصور أفعالهم قبل ١٤٠٠ سنة ؟.
تتواجد سوريا الآن تحت عدة احتلالات , منها التركي ومنها الايراني ومنها الروسي , ومنها الداخلي عن طريق الفصائل والكتائب وغيرهم , وبالرغم من الاختلاف الكبير في طبائع المحتل, نشاهد تطورات شبيهة بتطورات الماضي السحيق , لقد فرضت لغة المحتل في المناطق التي يسيطر عليها , وبالتالي يعتبر ذلك اغتصابا لاستقلال البلاد ومحاولة لاطالة زمن الاحتلال عن طريق تجنيس الشعب بجنسية المحتل , اضافة الى اللغة …هناك من يمارس تغيير المذهب الديني بممارسة التشييع , وفئة السنة (داعش) لاتختلف في هذا الخصوص عن فئة الشيعة الا من حيث تباين القوة العسكرية الضرورية من أجل التمكن من فرض هذا المذهب أو ذاك .
لقد اعتبرنا تغيير خواص الانسان السوري لغويا ودينيا قبل ١٤٠٠ سنة استلابا ثقافيا كامل المعالم وانتهاكا صارخا لحقوق الشعوب وحقوق الانسان , وتشويها لهوية البشر وهدرا لكرامة الناس وترسيخا لبقاء المستعمر أطول فترة ممكنة وحتى الى الأبد , ثم انه افراغ للهوية السورية من مضامينها مهما كانت هذه المضامين , ولا نرى أي فرق جوهري بين ماحدث قبل ١٤٠٠ سنة وما يحدث اليوم , فالفاعل مختلف أما الفعل فواحد , لقد احتلت اللغة العربية مكان اللغة الآرامية وتوضدت خلال ١٤٠٠ سنة في هذه البلاد , لذا ننظر اليها عمليا كلغة شعب في هذه البلاد, التشفي والانتقام منها ليس ذو فائدة ولا يريده عاقل ممارسته .
يمكن أو يجب تسمية السطو على معالم انسان الشعوب الخاضعة للاحتلال , بالنسبة للغة احتلالا لغويا, وبالنسبة للدين احتلالا دينيا , وبالنسبة للبدوية احتلالا بدويا .. وبالنسبة لغنائم الحرب احتلالا اقتصاديا , وبالنسبة للجواري والسبايا احتلالا منحطا , وكل هذه الاحتلالات موازية للاحتلال العسكري في كارثيته , الغزوة الاسلامية كانت عبارة عن احتلال العقول الى جانب احتلال المعاقل , والغزوات الجديدة عبارة عن احتلال المعاقل وجزئيا احتلال العقول خاصة من قبل المحتل الايراني , التاريخ يعيد نفسه , وما حدث قبل ١٤٠٠ يحدث اليوم, وكأنه قد تم حذف الزمن !
Post Views: 469