الدولة بين أخلاق السياسة وأخلاق الفرد !

عثمان لي :

        لم  تعرف الحياة البشرية بشكل عام أكثر من الدفاع المستميت عن سيطرة الأخلاق على السياسية بدأ من أفلاطون وحتى لوك وكانت , لم يقتنع المدافعون عن سيطرة الأخلاق على السياسة بفكرة وجود ناظم للقضايا الخاصة وهو الأخلاق , وناظم للقضايا العامة وهي السياسة ,  تنطلق  الأخلاق   من الفرد ,وتأتي   السياسة  من الخارج وتدمج الفرد في “خصوصية” عامة , انهزام مفهوم سيطرة الأخلاق على السياسة جاء في القرن السابع عشر , ومنذ القرن السابع عشر وحتى الآن تحولت السياسة الى الأهم اجتماعيا , والأخلاق والدين الى الأهم شخصيا.

 للسياسة عمق اجتماعي , يقابله عمق شخصي للدين والأخلاق , لكل من الأخلاق والسياسة مصادر وماهيات مختلفة , منهجيا  يمكن القول بأن السياسة هي فاعل جماعي وهي التي تصنع أخلاقها الخاصة بها , وما تدني المستوى الأخلاقي الجماعي في شعوبنا الا انعكاسا لتدني المستوى السياسي , الأخلاق الفردية ليست ضمانا  لممارسة   سياسة ناجحة    فاعلة وفعالة,  انها    شيئ لايخص  السياسة بالدرجة الأولى .

 لايمكن تطبيق القواعد الأخلاقية المتداولة بين الأفراد على العلاقات بين الدول والشعوب , فالمعايير الأخلاقية   الفردية مختلفة    من   أفراد    شعب لأفراد شعب  لآخر, ولا   يمكن  الزام  أفراد شعب  بالمعايير الأخلاقيةلأفراد شعب   آخر   الا   في  حالات   الهيمنة الثقافية والاستعباد   ,بالنسبة   لأخلاق   السياسة هناك   معايير  دولية وتوافقات  دولية على احترام قواعد الأخلاق السياسية مثل   الالتزام  بالسلم ورفض الحرب, بالرغم  من  ذلك    هناك   في   بعض  المناطق    خروقات   وخلافات  تقود   الى ممارسة   اعتداء   دولة   على  دولة  أخرى   في  اطار الأخلاق   السياسية   ,  التي   يمكن   ترجمتها    بعبارة” مصالح     الدولة ”  التي  تتضارب   مع  مصالح   دولة أخرى ,  تتجاوز  أهمية  المصلحة   أهمية   منظومات   الأخلاق او  بالأحرى   تمثل المصلحة العليا  للدولة  ترجمة   شبه  حرفية  لأخلاق  السياسة ,أو  أن    السياسة  تخضع     لأحكام المصلحة العليا , على السياسة مراعاة الظروف التي تفرضها   المصلحة     العليا التي تمثل “الهدف” من صنع السياسة ,  , لا يعرف التاريخ سياسة تعمل خارج نطاق   المصلحة الذاتية قديما وحديثا ,   من   المألوف   في   التاريخ  أن   يستجدي   الضعيف  الحماية من   الأخلاق , عادة   بدون   التمييز   بين    الشكل    الفردي  وبين   الشكل   الاجتماعي   السياسي من   هذه   الأخلاق  ,  لايعرف  التاريخ     ضعيفا  التزم بالأخلاق    الفردية    في  السياسة    عندما   قويت شوكته   , وأبرز   الأمثلة   عن   ذلك   كانت   تصرفات   العرب في   السلم  وفي الحرب   تجاه   الغير وتجاه  بعضهم  البعض .

باختصاريمكن   القول  ان   احكام  السياسة   الخارجيةوالداخلية    تخضع بالدرجة  الأولى   الى   منظومة   أخلاق    خاصة   بها ,ومن   انتاج   أوضاع   سوسيولوجية    خاصة  ومنطق    خاص   , ولا توجد دولة لم تقم بتبرير حروبها أمام الضمير العالمي   بشكل معبر   عن  أخلاقها    السياسية,  التي   تعبر نا لوضع القوانين والإجراءات الملائمة للوصول إلى الأهداف المتوخاة تستخدم مجموعة من الوسائل الشرعية وغير الشرعية، فإلى جانب الشرعية والإقناع هناك القوة والعنف والحيلة والكذب… والاستعمال الواسع لمثل هذه الطرق اللاأخلاقية لم ترفضه الشعوب سواء القديمة أو الحديثة، وأكثر من ذلك فحتى الديمقراطيات الغربية التي تعتبر نفسها نموذج القيم والقانون تقبل بهذه الطرق وتلجأ إليها بالاعتماد على مراعاة المصالح الخاصة بالدولة , التي تعمل خارج القواعد والقوانين العامة. إن التصرف اللاأخلاقي للدول ثابت من الثوابت، سواء في السلم أو الحرب، ذلك أن مصالح الدولة غالبا ما يتم الدفاع عنها بالطرق المرفوضة من طرف الأخلاق الفردية.

الأخلاق مسألة خصوصية تنطلق من الفرد، أما القيم التي تحدد أخلاق مجموعة فهي جماعية ، الأولى مطلقة ولا تقبل أي خرق أو انتهاك، في حين تعد الأخلاق الجماعية نسبية ومتغيرة. أما السياسة فهي نظام مفروض من خارج الفرد على مجموع الأفراد, للسياسة عمق وبعد جماعي منتج لقواعد اجتماعية مرتكزة على ضمائر فردية ,الطابع الجماعي   للسياسة يعطيها فعالية اجتماعية لا يمكن للأخلاق الفردية اعطائها, قرار الحرب هو قرار حكومة منتخبة من الأكثرية (هذا في حال الديموقراطيات ), وفي هذه الحالة تقف أخلاق الفرد أزاء حالة الحرب أما مؤيدة أو معارضة ,هنا لايمكن للحكومة اتخاذ قرار يعتمد على أخلاق الفرد المتباينة وحتى المتناقضة , لذا تتنصل السياسة من الأخلاق الفردية وتعتمد على المصلحة العامة والعليا في اتخاذ القرار , مقارنة مع الديكتاتوريات يمكن القول على أن الديكتاتورية اكثر تأثرا بالأخلاق الفردية من الديموقراطية , ففي الديكتاتورية هناك مصلحة عليا تتمثل بمصلحة الديكتاتور , وقرار الحرب هنا ليس “سياسي” وانما شخصي “أخلاقي” , وليس لقرار الحرب هنا عمق وبعد جماعي وانما بعد وعمق شخصي , صحة أو خطأ قرار الحرب يعتمد أخلاقيات الديكتاتور الفرد , ولما كانت أخلاقيات الديكتاتور في معظم الحالات أو في كل الحالات سيئة , لذلك سيكون قرار الحرب سيئ .
هناك فروق كبيرة بين بين أخلاق “القناعة ” وبين أخلاق” المسؤولية , والسياسة “مسؤولية” بالدرجة الأولى , لا يمكن للسياسي تبرير فشله بمبرر الأخلاق ولا نجاحاته بسبب الأخلاق .

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *