مها بيطار , سمير صادق :
لا فروق بنيوية كبيرة بين الشعوب الناطقة بالعربية , ولا فروق كبيرة بين ديكتاتورياتها , وبالتالي لافروق تذكر بين الحلول لمشاكلها , أقرب الدول العربية الى بعضها البعض كانت العراق وسوريا , اذ هناك انظمة جمهورية (شكليا), ثم كان هناك البعث والتوريث , ثم الطائفية , والصراعات الفئوية , التي انحدرت من المستوى القومي الى المستوى المذهبي الشخصي العائلي العشائري , كما أنه لافرق كبير بين الوضع الدولي بالنسبة للعراق وسوريا من حيث العقوبات , التي انهكت الشعب العراقي لسنين , وتنهك الشعب السوري الى جانب الانهاكات الأخرى منذ سنين , كل ذلك تكلل في العراق بالاحتلال عام 2003 واسقاط نظام صدام , والاحتلال الأجنبي أصبح واقعا سوريا, المستقبل معتم وداكن السواد , وسوريا في طريقها لتصبح خراب, أو بالأحرى أصبحت خربة!
سوريا تعاني , كأي دولة خضعت للديكتاتورية المزمنة من فقدان قيم وامتلاك قيما أخرى , وما فقدته سوريا بشكل رئيسي كانت قيم “المواطنة”, وما كسبته كان قيم شوهت وجه المجتمع السوري وممارساته , ما خسرت سورياكان دين المواطنة المدني , وما كسبته كان الانتماءات الفئوية الطائفية, التي تكللت بالمجازر ذات الخلفية المذهبية , كما حدث مؤخرا في الساحل , كاستمرار لما حدث في نصف القرن الماضي ولما حدث طوال القرون الأربع عشر الأخيرة .
ترتكز الدولة بشكل رئيسي على المواطنة , التي تقوم على أساس ائتلاف مجموعة بشرية متعددة الأطياف دينيا وعرقيا وقوميا الخ , ثم دمج كل ذلك في كيان سياسي وجغرافي واحد , وبذلك يستحق كيانا من هذا النوع تسميته دولة ,الدولة السورية فقدت هذه المقومات , وذلك لانها انحدرت من مستوى الجامع لكل الفئات , الى مستوى المفرق لكل الفئات عن بعضها البعض , لم تعد هناك من طريقة لتعامل الفئات مع بعضها البعض الا طريقة “السيطرة” والهيمنة , أي ان فئة يجب أن “تسيطر” على فئة أو فئات أخرى , ثم ان السلطة جددت نمطا قديما , هو نمط التقسيم الطائفي للمجتمع بين مؤمن وبين كافر او مشرك الخ , تقسيم حجر وكلس فئاته , وجعل من الحروب بين هذه الفئات أي الحروب الأهلية أمرا لامناص منه , فالحروب الأهلية تصبح حتمية عندما تتقلص خيارات المواطن الى خيارين ..اما قاتل أو مقتول في خلافات مستمرة !!!,لا يريد احد أن يكون مقتولا , لذا تحول الجميع الى قتلة !.
لاتوجد دوافع لتقبل وطنا تحول الى موطن , فالفرق بين الوطن والموطن , هو كالفرق بين البيت والفندق , علاقة الانسان ببيته مختلفة عن علاقته بفندقه , وفي ظل الديكتاتوريات يتحول الوطن الى موطن (في أحسن الأحوال) , وتصبح علاقة الانسان بالوطن هشة وسطحية تقتصر على تبادل بعض المصالح مثلا امكانية السكن ولربما العمل , لذلك تسمى تلك الحالة ” مساكنة” محدودة زمنيا بدون عمق مصيري ,لاوجود بها للمصير المشترك بين المساكن اي المواطن المزيف وبين الموطن اي الوطن المزيف , فلكل مصيره ومستقبله ,الديكتاتوريات تدمر أولا مفهوم المصير المشترك بين المواطن والوطن , فالمواطن لايريد مصيرا مشتركا مع الديكتاتور , الذي يختذل الوطن بشخصه أو بحزبه أو عائلته أو جماعته أو عشيرته , هنا يقع الانسان في حالة الاغتراب.
يمثل اختذال الوطن بالعشيرة أو بالحزب شكلا أرقى من اختذال الوطن بالشخص , عمليا نرى في سوريا آخطر واعتى اشكال الاختذال , حيث يتم حديثا اختذال الوطن بالدين , ويتم تعريف المواطن بأنه خادم للدين قبل الوطن , اي أن الدين تحول الى وطن , اي بالنسبة لمن لاينتمي لهذا الدين تحول الوطن الى موطن , خدمة الدين قبل خدمة الوطن الجغرافي حولت هذا الوطن الى موطن اي الى مايشبه الفندق للسكن او المساكنة , يمثل هذا التطور تجريد المواطن من الوطنية , وبالتالي تحويله الى مخلوق من المرتبة الثانية وما فوق , كما انه يمثل الغاء المساواة في الحقوق والواجبات ,وهل يتساوى المؤمن مع الكافر !, اي شرعنة العنصرية الدينية !, التي تنتهك مفهوم المواطنة , وبالتالي فتح الباب على مصراعيه أمام اغتيال الحريات والحقوق الأساسية للانسان وللتعصب والكراهية وزعزعة السلم الأهلي وما يعقب كل ذلك من تعريض البلاد للحروب الأهلية , وما يتبع ذلك من شرذمة وتقسيم وانهيار الوطن ثم استقراره في الخراب او في قاع الانحطاط , كل ذلك خبرته سوريا وخبره الشعب السوري خاصة في الشهور والسنين الماضية .
لقد كان من الممكن تجنب تلك النهاية التعيسة للدولة السورية , لو تمكنت سوريا من التحول الى دولة مدنية ديموقراطية ملتزمة بالعدالة الاجتماعية والمساواة واحترام الحريات, البعث وما انبثق عنه من أسدية تستمر الآن بالجولانية , لم يدركوا اي جانب من جوانب فن بناء “الدولة “ , فمن عاش ١٤٤٠ سنة كمستعمرة تحت هيمنة بدوية حجازية او اناضولية في منتهى التأخر, لايستطيع بناء “دولة”ولايستطيع ادارة او تطوير هذه الدولة , لذلك قررت عصبة الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الأولى وبعد اقامة “دولا” في هذه المنطقة وضع سوريا تحت الانتداب , وذلك لكي يتم تحضير وتأهيل هذه الشعوب للاستقلال والحكم الذاتي , الذي فشل فشلا ذريعا ,لربما بسبب قصر فترة الانتداب ,لاعجب في هذه الحالة من أن يحن العديد من السوريين الى فترة الانتداب , التي كانت واقعيا من افضل الفترات التي عاشها السوريون بعد اعلان قيام الدولة السورية بعد الحرب العالمية الأولى , من كان يدرك ذلك عام ١٩٤٦؟؟؟؟؟
