من أبو ديب الى أبو علي عبر المغالطة!

نبيهة حنا:

بريشة الفنان فاتح المدرس …!

كتب  الأستاذ كمال أبو ديب في  التواصل الاجتماعي  تلخيصا عن انطباعاته  حول المحاور  المذهبية المسيطرة الآن على الحدث السياسي والاجتماعي , ولتجنب    أضرار الاختزال  فقد  ارتأيت نشر ملاحظاته كاملة  قبل التعليق عليها , هنا يجب التنويه على  أن مانشره أبو ديب في  الفيسبوك يمثل الجزء الأول من مقالة طويلة  نشرت في القدس العربي , تعليقي هنا  يخص فقط  ماتم نشره في الفيسبوك  وليس كامل المقال  ,كتب  الأستاذ كمال أبو ديب مايلي :

“بين عام 1911 و2011 اسيقظ الوعي العربي بالذات وبتمايز الهوية العربية عن الذات العثمانية المهيمنة ثم انتكس وكفّنته عباءات الهيمنة من جديد في دثار “إسلام تركي” هذه المرة. وبهذا المعنى فإن القرن العشرين هو “القرن الضائع” في التاريخ العربي. فلقد انكفأ العرب في نهايته إلى ما كانوا عليه في بدايته. ومسحوا زمناً رائعاً من التفتح والجهد لاقتحام العالم المعاصر وتحديث الوجود العربي، وابتكار “حداثة” حقيقية عربية منفتحة على تيارات المعرفة والإبداع والتغيير في العالم الشاسع، ومثرية في الوقت نفسه لتراث عريق من المعرفة والإبداع لم تنضب عروق الحيوية فيه إلا في قرون السيطرة العثمانية وامتصاصها لأنساغ الخصب باسم الدين والخلافة. في 2012 تبدأ عملية اغتصاب جديد للوعي العربي باسم الدين، بل باسم مذهب ديني واحد وحداني، يتكاثر دعاته الآن.وقد قال أحد دعاته في مقالين متتاليين في جريدة “الحياة” حديثا@ إن هذه العملية تعيد رسم الخطوط لتصحح خطأ تاريخياً يتمثل في بروز قوة التيار المذهبي الآخر خلال العقود الماضية. وعبّر الكاتب -الذي لا يعقل أن يكون مقاله نشر في “الحياة” إلا بمباركة رسمية سعودية له- في عنوان مقاله الأول عن طبيعة الصراع الذي يدور في سوريه وعليها. وعنوان المقال “أفول الهلال الشيعي” . هكذا ينقلب الزمان العربي من زمان تنامي الوعي القومي والهوية العربية إلى زمان الوعي السنّي والهوية السنّية لهذه المنطقة الشاسعة من العالم. وجليّ كما قلت في مقالتي “قليلاً من العقل ياسوريه” قبل أشهر ، وكما بدأ كثير من الكتاب يرددون، أن ثمة محوراً يتشكل من دول الخليج، وتقوده قطر والسعودية، وتركيا دخل في تحالف مصيري مع الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا خاصة، لإنجاز المشروع الاسترجاعي وتحقيق انتصار القمر السني على الهلال الشيعي. هكذا نعود بعد قرن كامل إلى عصور الانحطاط العربية والتفاخر بالهويات المذهبية وخوض المعارك الطاحنة التي يذهب ضحيتها الآلاف من البشر من أجل انتصار فئة على فئة ومذهب على مذهب. ولم يعد أحد من الكتاب أو الثوريين أو الحكام الطغاة يخجل من الإعلان بلغة لا التباس فيها عن هويته المذهبية. ولقد لعبت هذه الظاهرة في تقديري دوراً في إذكاء جحيم المعركة الطائفية، لأن استخدام المصطلحات صراحة في الصحافة يمنحها تداولية سريعة إذ يخترق حدود المحرّم ويجعله أقل تحريماً شيئاً فشيئاً إلى أن يكتسب طبيعة الحلال الذي لا تبقى عليه آثار للوصمة أو العار. قبل عام واحد فقط لم يكن سهلاً أن يجد الباحث في لغة الكتاب والصحفيين العرب من يستخدم “السنة” و “الشيعة” أويتحدث عن صراع بين “السنة” و”العلويين” باستثناء حالات تشير إلى العراق خاصة. أما اليوم فإن هذه التعابير تتألق وترصّع مقالات أكثر الكتاب حديثاً عن مسائل مثل الحرية والديمقراطية والوطن العربي إلخ.دون أي تردد أو اعتذار. وإن يدي لترتعد وأنا أطبع هذه الكلمات الواسمة لفئات من وطن أنتمي إليه لم يكن يخطر لي أبداً أن يوماً سيأتي ليجعلهم يميزون أنفسهم بهويات مذهبية على هذا القدر من نفي الانتماء إلى الوطن الواحد والأمة الواحدة التي أنتمي إليها.”

لا أظن على أنه  من الممكن التشكيك  بشيئ من النهضة في العالم العربي قبل انفجار الحرب العالمية الأولى , كما أنه ليس من الممكن التشكيك بوجود علامات استفهام كبيرة حول  الكثير من القضايا التي  لاتدعم فكرة نهضة عربية في  تلك الأزمنة, حقيقة بدأت النهضة بعد  الحملة الفرنسية على مصر  عام ١٧٩٨على يد محمد علي باشا , الوعي ازداد في مختلف الاتجاهات   علمانيا  ودينيا ومتأثرا بشدة  بالمفاهيم الأوروبية  الثوروية , الا أن الحال لم يكن  كذلك   مباشرة قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى  وقبل  اندلاع التمرد  ضد  الحكم العثماني ,  التمرد لم يكن  بقلبه وقالبه عربيا   , وانما  غربيا بشكل رئيسي , فالحركة العربية التمردية  كانت شيئ  والشريف حسين كان شيئا آخر , الشريف حسين لم يكن رجل ثقافة , لقد كان مسلما محافظا  ولم يكن متنورا   وعاش لسنين طويلة في  منفاه الاسطنبولي , وعلاقاته كانت جيدة مع العثماني عبد الحميد الثاني ,والشريف حسين لم يكن شعبويا  , وبتمرده  أو ثورته التي اعلنها عام ١٩١٦  لم تلتحق  مدينة عربية واحدة , والى صفوفه لم ينضم  ضابط عربي واحد من مجموع ٣٠٠  ألف عسكري عربي في الجيش العثماني , وكل الضباط الذين التحقوا بالحسين كانوا   أصلا في معسكرات  الأسر البريطانية في  مصر والهند , انضموا الى الحسين   للتخلص من جحيم  الأسر في المعسكرات , وحتى  أن بعضهم بقي مواليا  للسلطة العثمانية , حارب مع الحسين كمرتزق  وليس كثوري  على الظلم  والاستبداد .

بشكل عام لايمكن التحدث عن وعي ثوري في حركة  ١٩١٦ ,وكلما تعرف الانسان على  مزيد من التفاصيل  ازداد شكه  بما قاله الأستاذ   أبو ديب عن  تمايز الهوية العربية عن  الذات العثمانية  آنذاك , ولا أعرف سببا وجيها  لمغالطة أبو ديب بخصوص  مستوى الوعي الثوري والعروبة والقومية ..الخ  , الذي اندثر في مئة  السنة الأخيرة حسب ادعائه  , لم يوجد مايستحق الذكر  لكي يندثر , والتناقض الغير منتظر من أبوديب يكمن  في توصيفه  للقرن الماضي  بأن “القرن الضائع”  وبتمجيده لبداية هذا القرن  , ثم القول على أن العرب  عادوا من حيث بدأو  , أي عادو  الى  يقظة  الوعي العربي , ولماذا يتباكى أبو ديب على عودة اليقظة ؟

لا  أعرف مايكفي عن الدوافع التي قادت أبو ديب الى  الطعن بحزب العدالة والتنمية التركي  الذي  يحكم منذ   أكثر من عشر سنوات , فأبو ديب  يريد أصلا  الطعن  ” بالاسلام التركي” لربما لأن   هذا الاسلام سني ولأسباب  أخرى  لايتسع المجال لذكرها تفصيليا , الا أنه بالنسبة من  الصعب تجاهل  التقدم الذي حققته تركيا في السنين  العشرة الأخيرة  , لقد ازداد  دخل الفرد التركي  بين عام ٢٠٠٠ وعام٢٠١٠  بمعدل ثلاثة أضعاف (قيمة شرائية)   ,ناهيكم عن  مقدرة تركيا ترويض الاسلام وجعله متقبلا  للديموقراطية ,  ليس بين الدول العربية دولة متفوقة على تركيا في تقدمها الديموقراطي , ويا ليتنا  تحت حكم يشبه  الحكم التركي  , ولو حدث ذلك لكنا بألف خير.

هدف  أبو ديب الأساسي في مقاله  هو اعلان موقف  تجاه المحاور  المذهبية  التي تتشاجر الآن  وقد تتحارب   بالسلاح  مستقبلا , وقد اكتشف  أبو ديب  محورا قوامه الخليج والسعودية وتركيا  اضافة الى الغرب  , مهمة هذا المحور , كما قال  أبو ديب  , استرجاعية  وتحقيق انتصار القمر السني على الهلال الشيعي , وبذلك  اكتشف  أبو ديب عودة الى عصور الانحطاط العربية  والتفاخر بالهويات المذهبية  , ومن متن المقال  يمكن   الاستنتاج  بأن المحور الجديد  كان ردا  على  المحور الشيعي  القائم منذ سنين ..هنا  يجب القول   ..عجبا يا أبو ديب !!!  بما أنك  ضد قيام المحاور المذهبية  ,  فلماذا لم  يزعجك أو يحرجك  قيام المحور الشيعي  قبل سنين , و بمجرد قيام  محور  معاكس  أصبت بالانزعاج  , اني أستنتج هنا على  أنك تحبذ قيام المحور الشيعي  ,وتستنكر  قيام  المحور السني  , مع أن  ظروف قيام المحور السني   ارتكاسية وأكثر برأة من ظروف قيام المحور الشيعي  , فالمحرض على قيام المحور السني كان قيام المحور الشيعي  , والمهمة الاسترجاعية  هي شيعية قبل أن تكون سنية , فلولا قيام المحور الشيعي لما قام المحور السني ..هنا أتعجب من  تجاهل  الأستاذ أبو ديب  لهذه النقطة السببية , وأتعجب اضافة الى ذلك من مقاربة قيام المحور  السني مع العودة  الى  عصر الانحطاط العربي , بينما  لم تنزلق العروبة في عصر الانحطاط بعد قيام المحور الشيعي !!!

يبدو وكأن الأستاذ  أبو ديب متمحور شيعيا  , وله كامل الحق والحرية بذلك , الا  أن موقفه هذا لايستقيم مع   رفض للمحاور بشكل عام  , ومن أبو ديب  كنت  أنتظر وقفة ضد المحاور  وليس وقفة مع محور ضد محور  آخر  , , وقفته هذه  أفقدته  التأهيل  للعمل في مكافحة الطائفية  , فمن  يتمحور  شيعيا  أو سنيا هو طائفي بامتياز, وهذا ينطبق على كاتبة هذه السطور  وعلى  الأستاذ  أبو ديب  وعلى الجميع بشكل عام .

لمح أبو ديب  الى الحكام الطغاة الذين يعلنون  بلغة  لاالتباس بها عن  هويتهم المذهبية  , وليسمح لي الأستاذ  بهذه المناسبة بتذكيره  برئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي  , الذي  أعلنها على الملأ  ..اني شيعي قبل  أن أكون عراقي  , ونعرف جميعا  على أنه عمليا   لايختلف  عن غيره من الطواغيط , الا أنه لم تكن عند غيره  تلك الوقاحة التي  عند المالكي  , أو لم تكن عند غيره تلك الصراحة التي عند المالكي  , على  أي حال   تمثل هذه العبارة  فائض كلامي  أي  ثرثرة لاقيمة لها , ومن  اين  القيمة لعبارة تقيأها  مخلوق هو بحد ذاته فائض بشري  أي قمامة .

لا أستطيع فهم  أو تفهم موقف  أبو ديب الرافض للكلام الصريح  حتى وان لم يكن مريح , لا أفهم ولا   أستطيع تفهم ترويجه   لتسمية الأشياء ليس باسمها الصحيح , ترويجه للتزوير  وعدم  اختراق المحرم  هو ترويج ذو سمة ديكتاتورية, ولماذا الحديث عن  واقعة الطائفية  حرام ومحرم ؟ , فالأسد منع  الكلام الصريح عن الطائفية  , الا أنه مارسها بأقبح أشكالها ,السبب الرئيس للانسداد العربي وللخروج من التاريخ  كان  ولا زال  تلك السياسة  الديكتاتورية الغبية  التي قتلت العقل والفكر  بمحرماتها وممنوعاتها .. أيها المواطن البائس انك عميل ومتآمر   اذا طالبت بالاتفاق مع اسرائيل ,  الا أن  سجانك ومعذبك سيادة الديكتاتور  يفاوض اسرائيل  بهدف الاتفاق معها والاعتراف بها  ..ارض مقابل سلام !, طبعا مايحق للديكتاتور لايحق لغيره ..انه ديكتاتور !! وليس مواطن  أو انسان عادي , انه الله بكسم  أسد .

  يد  أبو ديب  ترتعد  (وليعذرني  معلم اللغة ابو ديب ..أريد التنويه بكل تواضع  على أن مفردة  “ترتعش”  أكثر تناسبا في توصيف  يده ,فاليد  ترتعش ولا ترتعد , عذرا مرة  أخرى)عند طباعته لعبارات واسمة لفئات في وطن ينتمي  أبو ديب اليه ,لطالما تستخدم يداك  القلم  وليس البندقية, فلا خوف على يداك ولا عليك , وليس من المنتاظر  سقوط  آية تقول  تبت يدا  أبو ديب  وتب , أخاف عليك وعلى يداك فقط  عندما  تتحول الى هووي وطائفي ومحوري , للأسف  يمكن لمن قرأ مقالتك  الادعاء  بأن  أبو ديب قد  تحول, من حيث لايريد  أو لايدري,, الى أبو علي , هل هذا تنوير ؟؟ أو  أنه تعتير بامتياز ؟؟

من أبو ديب الى أبو علي عبر المغالطة!” comment for

  1. حاولت التعرف على المقال الكامل لكمال أبو ديب في القدس العربي , ونجحت في محاولتي , الا أني صدمت بالسمة التفككية للمقال الطويل , انه متألف من عدة أجزاء لاصلة في مابينها , مانشره أبو ديب في الفيسبوك هو المقال المهتم بالقضية السورية , ثم هناك جزء مهتم بالحضارة العربية وجزء مهتم بالاسلام التركي , أبو ديب لاينصح بتقليد الاسلام التركي من ناحية , ومن ناحية أخرى يشخص عند العرب العقم المطلق حضاريا , وهنا يوقعنا أبو ديب في مأزق كبير .. عقم لاينجب أولادا ورفض للتبني , ونريد أولادا فما هو الحل ؟؟
    لايقدم أبو ديب حلا واعدا بالنجاح , عاد أبو ديب الى العاقر محاولا حثها على الانجاب , الا أن العاقر لاتنجب , وبذلك وقع أبو ديب في متاهة العدمية ,ونصائحه العدمية مصابة بمصاب الأمة العربية ,,العقم !!.
    قرأة المقال تظهر خاصة الانسداد عند أبو ديب , يشعر تجاه التجربة التركية الاسلامية بنوع من القرف aversion , الا أنه يعترف بنجاح التجربة التركية , التي على العرب عدم تقليدها , لماذا ؟
    تحذير أبو ديب من تقليد التجربة التركية بقي ضبابيا , فالتجربة التركية تجربة أجنبية , هنا وقع أستاذ أوكفورد في مطب شبيه بمطب الاستشراق .. ثم ان مصدر هذه التجربة هو صلب الاسلام , ولماذا يتنكر أبو ديب للاسلام وصلبه بما يخص التجربة التركية , مع أنه كال للاسلام وصلبه في نفس المقال أعظم المديح مهاجما الاستشراق ومؤكدا سمو وعلو الحضارة العربية .
    للأسف لايمكن التعلم ايجابيا من مقالة المعلم المليئة باستعراض لمحاضراته والتنويه الى علاقته بادوار سعيد وجامعة كولومبيا , فادوار سعيد بقي شابا نضرا ديناميكيا لأنه توفي في سن مبكر , يبدو وكأن استاذنا أبو ديب قد شاخ جدا ببلوغه أرزل العمر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *