بين صلاح جديد الماركسي ومروان حديد الأصولي تناقض , لايزال قائما حتى الآن .فعندما جاء غورو الى الشرق عام1919, اراد تحرير الطوائف من الطائفية العثمانية . لذا تأسست دولة مسيحية في لبنان ودولة علوية ودولة أرمنية (في قيليقيا) لم تبصر النور, ثم دولة درزية ..الخ الدستور الأول من عام 1928 كان علماني بحت , وفي هذا الدستور لاتوجد كلمة تشير الى دين معين ,والمادة الثانية من هذا الدستور شددت على “الوحدة السورية” (سورية , لبنان ,الأردن وفلسطين) , التي رفضها المفوض السامي , وعدلها مؤخرا مشيبرا الى وضع الانتداب , قانون 1930 كاتن من صنع سوري , وذلك بدون جبل الدروز وجبل العلويين . استمر الوضع كذلك حتى عام 1943, حيث انضم جبل العلويين وجبل الدروز الى الدولة السورية بمساعدة بريطانية , لقد كانوا يريدون الانضمام الى الوحدة السورية , الا أنهم كانوا يخافون من استمرار الاضطهاد الذي مارسته السنة التركية , ومخاوف جبل الدروز وجبل العلويين كانت محقة ..لم يكن تعامل رجال الكتلة الوطنية مع الأقليات جيد , حيث تم اقصاء الأقليات عن الحراك السياسي, وذلك بقصد زائف , هو تدعيم الوحدة الوطنية , التي تعرضت الى هزة قوية عام 1936 , ومن نتائج هذه الهزة كان احتلال لواء اسكندرون من قبل تركيا , بحجة الدفاع عن الاأتراك هناك .
بالواقع جرى اضطهاد للأقليات الدينية في ظل دستور علماني ..العلوي أو الكردي أو الدرزي لم يكن مساويا للدمشقي السني , الدستور , مهما كان,لايستطيع على المدى القريب أو المتوسط أن يكون بديلا عن التربية والثقافة , التي هي طائفية لأنها دينية ,ولايمكن الغاء الطائفية , الا بالغاءالانتماء الديني كمكون للانتماءالوطني . انطلاقا من الوضع الطائفي , ولدت منظمة الاخوان المسلمين في الأربعينات ..مروجة الرجوع الى الخلافة العثمانية , لابل الرجوع الى القرون الوسطى , ومن ضمن التطورات الطائفية في هذه السنين , جاء دستور عام 1950, وفيه بعض المعالم الاخونجية ..منها مادة تقول على ان دين الدولة هو الاسلام , هذه المادة بقيت بالرغم من الاعتراض المسيحي , والاخوان دافعوا عن هذه المادة بشرلسة ..زعيمهم مصطفى السباعي قال ان الاسلام هو قومية ..هو دولة ..والعلمانية شر وكفر مبين . بعد نقاش مستفيض , استقر الرأي على حل وسط أرضى الاخوان , دين رئيس الدولة هو الاسلام والفقه الاسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع وحرية الاعتقاد مصونة , وكيف يمكن التحدث عن حرية الاعتقاد المصونة , في حين يلغي الدستور مبدأ المساواة بين الأديان ..لماذا يجب أن يكون دين رئيس الدولة الاسلام ؟؟؟ ان ذلك اقصاء للآخر وانتهاك لمبدأ المواطنة , كما أن تحديد الفقه على أنه المصدر الرئيسي للتشريع هو انتهاك للديموقراطية , هناك مجلس نيابي يقر مايشاء , ولا يجوز تلقين هذا المجلس بأي تشاريع أو قوانين..لقد خرب الاخوان الدستور وحولوه الى زبالة طائفية منذ عام 1950 , والمجلس التأسيس الغير منتخب حول الدستور الى زبالة سياسية عن طريق تحويل نفسه الى مجلس نيابي . بعد العديد من النكسات ..على يد الانقلابيين كالشيشكلي وغيره , استمرت الروح الطائفية العنصرية بتخريب الوطن ..واستمرت محاولات الانقاذ الموازية , في البدأ اعلنوها تناقض سياسي بين اليمين واليسار ,ثم قلبوها الى تناقض بين الريف والمدينة , ثم حولوها الى طائفية بين العلويين والدروز والاسماعليين , ثم الى عشائرية بين صلاح جديد وحافظ الأسد , وأخيرا الى عائلية بين أفراد عائلة الأسد,والآن نحن في مرحلة مابعد العائلية …هل ستكون تقليدا للمرحلة الأولى بين اليمين واليسار ..؟ لا أدري .
بعد عام 1963 تجدد أو استمر الصراع مع الاخوان , وكره الاخوان للأسد أنطلق من عقلية سقيمة , الاخوان لايعتبرون الأسد مسلم , وبالتالي يتناقض وضعه كرئيس للجمهورية مع المادة الثالثة من الدستور, التي تنص على أن دين رئيس الجمهورية الاسلام .
عام 1973 طرح الرئيس الأسد دستوره الجديد , الذي اراد به استبدال المادة الثالثة بعبارة “رئيس الجمهورية عربي سوري”, وشدد على كون سورية دولة علمانية , وغير ذلك من المواد التي تضمن الحرية الدينية والمساواة , غضب الاخوان وحدث ماحدث عام 1973 , واضطرالرئيس الأسد الى التراجع , وأعاد المادة الثالثة , والمواد الأخرى بقيت , والرئيس رفض تحديد انتماء رئيس الجمهورية بأنه “سني ” ..استمر النزاع حتى عام 1982 وواقعة حماه .
من الملاحظ على أن شبح الاخوان وتأثيرهم على مجريات الأمور كان متواجدا دائما بشدة ..تراجع الرئيس الأسد بما يخص المادة الثالثة كان من ضمن انتصاراتهم , ثم تحول الرئيس الأسد الى الرئيس الورع , كان من انتصاراتهم , الرئيس الورع بنى المساجد ومارس حفظ القرآن , وسلك مسلكا دينيا موازيا لمسلكية الاخوان , قاصدا الالتفاف عليهم , وبذلك حقق لهم مايريدون ,الاخوان أرادوا تربية دينية , وكان لهم مايريدون …والرئيس تحول من نقيض الا مواز , هدفه كان اقناعهم على أنه بالواقع ورع وتقي ومؤمن …ولم يفلح , كما أن الرئيس الحالي سوف لن يفلح في ارضاء التيار الديني عن طريق تقديم التنازلات , التي تمثل التوجه الاصلاحي الحالي ..فضائية دينية ..معاهد فقه , اعادة المنقبات الى مراكزهم ..عدم الحديث عن المادة الثالثة ..اعادة البت بأمور الأحوال الشخصية الى الجامع والكنيسة ..تحديد الحريات ضمن المنطق والمنطلق الديني , الذي يعتبر الكثير من هذه الحريات على أنه “كفر” , الى ماهناك من تغيرات رجعية , وما يقال على انه اصلاح , انما هو تجاذب بين عنصرية وطائفية المادة الثامنة السياسي , وبين عنصرية وطائفية المادة الثالثة الديني , قانون الأحزاب وقانون الاعلام وغير ذلك حبر على ورق في ظل المادة الثامنة والمادة الثالثة ..
