اختزال العنف على تقطيع الجثث هو أمر بائس , لأن مايقصد بالعنف هو ارهاب الآخر , وارهاب الآخر يتم بالعديد من الطرق , ونوعيةالطرق تخضع بشكل عام للآلية التي لخصها بيتر أوستينوف بالعيارة التالية , الارهاب هو حرب الضعيف , والحرب هي ارهاب الغني , من يملك جيشا يحارب ليرهب , ومن لايملك جيشا يرهب ليحارب …
لا أستطيع القول ان العنف حكرا على فئة أو طائفة دون الأخرى , وعندما لايمكن اسكات القاشوش بالمدفع , يجري اسكاته بالسكين التي تقطع حباله الصوتية ..من الوريد الى الوريد , والفظائع ليست وحيدة الجانب ..بكلمة مختصرة ..الانسان السوري الذي يعيش في جغرافية الوطن السوري نظريا ينتمي عمليا الى جغرافيات عدة , منها الجغرافية الطائفية , التي تؤمن بنصر طائفة على أخرى , وهذا الايمان هو البرهان على غياب مايسمى العقد الاجتماعي, الذي يصنع كينونة المجتمع , العقد الاجتماعي لايسمح بانتصار فئة شعبية على أخرى انتصارا ساحقا, وانما يسمح فقط بتداولا سلميا للعلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية , التي تتضمن العلاقة مع الدولة أيضا , بل ان الدولة هي العامل الأكثر أهمية في صياغة أشكال التداول , والسهر على سلمية هذه الأشكال .
العنف لايتمثل فقط بالتمثيل بالجثث ولا بالذبح من الوريد الى الوريد , وانما أيضا بتقليع الأظافر ,والاعتقال التعسفي , وسرقة أموال الشعب , واهانة المواطن الذي لايستطيع اصدار اخراج قيد من دائرة النفوس دون رشوى , عنف الدول ضد الشعب يتمثل أيضا بالقضاء على الحريات وتزوير الانتخابات واصدار المادة الثامنة التي تشرع طغيان فئة على أخرى وتؤبد تسلط فئة على أخرى , ثم انها تلغي أي امكانية لاستتباب الديموقراطية وتطورها..والأمثلة التي تبرهن عن عنف الدولة لاتعد ولا تحصى , وبالمقابل فان العنف الشعبي ضد الدولة يتمثل بتخريب مؤسسات الوطن ..ان كان زجاج نافذة في مدرسة حكومية أو سرقة أملاك الشعب أو القاء قنابل القمامة من الطابق العشرين على رؤوس البشر … ناهيكم عن اختراقات القانون ,التي تمثل الممارسة المألوفة ,حيث ان احترام القانون هو الاستثناء , .. لايوجد مجتمعا بدون شيئ من العنف المتبادل …الا أن العنف السوري هو قمة في بدائيته وهمجيته وضراوته .
ارجاع العنف الى المثلثات التآمرية هو تشخيص خاطئ للأمراض التي تعاني منها الفئات السورية (أريد تجنب الكلام عن المجتمع , اذ أن المسمى لايستحق هذا الاسم) , انه نوع من التعتيم الذي لافائدة منه , انه نوع من تبرئة , يجب عقاب مرتكبها ,لارتكابه جنحة التقاعس في بناء العقد الاجتماعي , الذي يرتكز على المساواة والديموقراطية , هنا يجب أولا التنويه الى دور الدولة , التي تريد الآن , بعد العديد من العقود البائسة, أن تصلح وتصبح صالحة , وعليه يجب تقديسها وتقديم الشكر لها ,!!! دون السماح بطرح الأسئلة الضرورية ضمن عرف المحاسبة , ومنها لماذا أفسدت الدولة وأصبحت فاسدة ؟, والغريب في الأمر هو التالي :مهمة الاصلاح منوطة الآن بمن أفسد , وهنا يجب طرح السؤال التالي : لماذا أفسد المصلح ؟, وأرجو رجاء حارا تجنب ذكر آلية التآمر , لأنه أصبح من الصعب تحمل هذه الكلمة , التآمر أتلف بعض البشر وحولهم الى خونة !, فما شأن التآمر مع المتلوف من الجهاز الحاكم ..هل أجبر التآمر عاطف نجيب على القيام بما قام به , وهل أجبر التآمر الخدام ورفعت وجميل ورامي وحمشو وشاليش ومخلوف وغيرهم على التلف الأخلاقي, وهل أجبر التآمر الجميع ..حكومة وشعبا ومجلس شعب على ادخال المادة الثامنة في الدستور, بالتالي القضاء المبرم على الدستورية !.
عودة الى المصلح الذي أفسد , ان كان فساده نتيجة لعدم المعرفة , أي أنه أفسد ليس عن قصد , فان هذا يجعله غير مؤهل للقيام بالاصلاح , وان أفسد هذا عن قصد ولغاية في نفسه(اغتناء ..استرزاق..الخ ) , فمصيره يجب أن يكون أمام القاضي ..وفي كلا الحالتين , يبدو موضوع الاصلاح الذي نرغب به ونشجعه ونؤيده ونعمل من أجله باهت وخاوي من الروح ..من أفسد لايصلح !!
الطائفية موجودة في المشرق منذ اربع عشر قرنا وتداول السلطة كان دائما دموي ,لقد أصبح ارهاق الدم تراث , الدولة فشلت في تقديم العلاج لمرض التراث , والشعب فشل في ممارسة الشجاعة الأخلاقية في الدفاع عن حقوقه ..لأنه لربما لايعرف شيئا عن ماهية حقوقه ..لقد استزلم وخنع ولفق , والآن يدفع ثمنا باهظا لتخاذله …خسر نفسه لعقود عديدة , والآن مهدد بخسارة امه وأبيه ..مهدد بخسارة وطنه , ليصبح لاجئا يقتات من المساعدات ويأكل المعلبات ….لا ألوم الحكومة أكثر من لومي لأكثر من 23 مليون انسان ,يدعون انهم سوريون!!
