الإمبراطورية التىّ سقطت في فاتورة الغداء :قراءة نقدية في زلزال الانتخابات النصفية الأمريكية …

 

کاریکاتور) رونمایی از جدیدترین وعده‌های انتخاباتی!    في السياسة الأمريكية ، لا تسقط الإمبراطوريات بالصواريخ ولا بالخطابات عن الحرية والديمقراطية ، بل بسعر شطيرة ، فبعد عقود من التبشير بقيادة العالم ، اكتشف الناخب الأمريكي أن أعظم ثورة يمكن أن يقوم بها هي أن ينظر إلى فاتورة غدائه ويقول : «كفى» ، وهكذا ، بينما كانت واشنطن منهمكة في تصدير الشعارات ، كان المواطن الأمريكي يعدّ الدولارات أمام صندوق الدفع ، ليكتشف أن الإمبراطورية بدأت تنهار من مكان لم يخطر على بال أحد : من مطعم سريع على زاوية شارع ، حيث يقرأ المرء التحول الانتخابي من ثلاث زوايا متداخلة : هشاشة التأطير الحزبي ، وأولوية العصبية على الأيديولوجيا ، وصعود تيار تقدمي يضغط على مركز القرار الأمريكي ، وعلى هذا الخيط تُفهم الحوادث الجزئية لا كعَرَضٍ عابر ، بل كعلامات على تحول أعمق .
لقد خسر الجمهوريون إمبراطوريتهم الاقتصادية ، أو هكذا يبدو المشهد ، لا بسبب خصم خارجي ، بل بسبب خلل داخلي كشفته صناديق الاقتراع ، وما فعلته المرشحة لمجلس الشيوخ ، هالي ستيفنز ، التىّ نافست الفائز في الانتخابات السيناتور عبدول السيد في الحزب الديمقراطي ، حين قررت نقل صوتها وتسخير دعمها وأصوات ناخبيها إلى مرشح الحزب الجمهوري بسبب أصول عبدول السيد الدينية والقومية ، يشير أولًا إلى أن الحزب الديمقراطي ، رغم العقود الطويلة منذ تأسيسه ، والأموال والنفوذ والتاريخ ، فشل في تأطير كوادره السياسية تنظيميًا ، بل كشفت النتائج عن ارتباط هؤلاء بالحزب عبر المصالح فقط ، لكن هذا الأمر ليس جديدًا على مسامع البشرية وتاريخهم ؛ خذ عندك أيها القارئ على سبيل المثال ، فهذه الحادثة تستدعي من الذاكرة واقعة مشابهة في العاصمة اللبنانية بين الفصائل الفلسطينية ، فقد حصلت يوماً ما اشتباكات بين شباب تابعين لعضو اللجنة المركزية لحركة فتح والمفكر والمثقف البارز ماجد أبو شرار ، مع شباب من الجبهة الديمقراطية ، واللافت أن أصول ماجد والجبهتين الشعبية والديمقراطية تعود إلى الشيوعية اليسارية ، إلا أن الأيديولوجيا لم تستطع معالجة الانحيازات المناطقية ، والمضحك في الحكاية أنه عندما سمع شباب الجبهة الشعبية بالاشتباك ، أخذوا بنادقهم والقذائف المحمولة على الأكتاف ، وأطلقوا النار رفقة ضابطهم المسؤول نحو خندق مقاتلين الجبهة الديمقراطية، وعندما سأل أحد المقاتلين الضابط عن تخندقه مع جماعة ماجد وليس مع شباب الديمقراطية ، لأن ببساطة السواء منطقي والمنطق يقول بأن يقف اليساريون مع بعضهم بعضًا ، أجاب بأن ماجدًا خليلي ، أي من مدينة الخليل ، وهو كذلك ، هنا تظهر العصبية أقوى من الأيديولوجيا ، وهو ما يشبه انتقال الولاءات في المشهد الأمريكي حين تتفوق المصالح والهويات الضيقة على الانتماء الحزبي .
إذنً ، ماذا حدث في الولايات المتحدة في الانتخابات النصفية؟ والسؤال المطرح داخلياً وخارجياً ، هو لماذا أظهر الناخب الأمريكي غضبه من الحزب الجمهوري بهذه الطريقة ؟ وهل اقتصر التغير والزحف نحو صناديق الاقتراع على معاقبة الجمهوريين فحسب ، أم أن الانقلاب الذي نشاهده ونراقبه يشير إلى أن التغير حصل داخل الحزب الديمقراطي عبر صعود التيار التقدمي؟ فهذا التيار لم يحقق انتصارًا على الجمهوريين بقدر ما استطاع ، لأول مرة منذ محاولة الرئيس السابق جون كينيدي الرامية إلى مواجهة نفوذ إيباك ومجموعات الضغط الأمريكية ، وبالفعل ، لقد أقصى إيباك إقصاءً لم يسبق له مثيل ، ويبقى الفارق بين التقدميين وإيباك ، بأن تيار التقدميين قادرين على احتضان هموم المواطنين ويسعون إلى جعل أمريكا أولًا وفوق كل اعتبار ، أما إيباك فهمّها الأول والأخير ، هو إيصال اشخاص لكي يمرروا المساعدات لإسرائيل أو قرارات الحرب التىّ تخدمها ، حتى لو كان ذلك على حساب الأطفال والأبرياء في غزة ، وهذا يفسر أيضًا لماذا صوت ناخبون جمهوريون لصالح التيار التقدمي في الحزب الديمقراطي ، بعد أن اكتشفوا ، كما يعتقد هؤلاء ، أن قرار البيت الأبيض ليس في واشنطن بل في تل أبيب وإيباك ، وبسبب جشع الشركات الكبرى ، النفطية أو التكنولوجية أو التسليح ، تضاعفت الأسعار وباتت حياة الأمريكيين أشبه بالجحيم ؛ فنسبة المتعثرين في سداد أجرة البيوت الشهرية أو القروض كبيرة جدًا ، وسعر الشطيرة البسيطة بلغت نحو 15 دولارًا ، ما يعني أن الأغلبية الساحقة من الأمريكيين الذين يضطرون إلى تناول وجبة الغداء أثناء العمل باتوا غير قادرين على فعل ذلك ، وهذا يفسر سبب اختراق معاقل الحزب الجمهوري لصالح مرشحي التيار التقدمي ؛ فولايات مثل تكساس وكانساس وكارولاينا الجنوبية كانت تاريخيًا حمراء ، كما صوتت آيوا وأوهايو وكارولاينا الشمالية وجورجيا وإنديانا ونبراسكا لصالح التيار التقدمي بسبب مخاوف مشتركة بشأن غلاء المعيشة وارتفاع تكاليف الوقود والرسوم الجمركية ، إلى جانب الاستياء من الحرب على إيران ودعم إسرائيل وملف جفيري ابستين الأجرامي وما يحمل من دلالات على الانهيار الاخلاقي ، وعلى الرغم من اختلاف اقتصادات هذه الولايات بين النفط والزراعة والصناعة ، الا أن أظهرت استطلاعات الناخبين بأن نحو 70% منهم يرغبون في أن يفرض الكونغرس الجديد رقابة أقوى على الرئيس وإدارته ، وأن يحاسب المسؤولين عن الفساد وأسباب التى كبدت المواطن كل هذه التكلفة والخسائر المادية .
وفي نهاية المطاف ، إذا أراد المراقب أن يعرف مدى احتدام المعركة الانتخابية ، فليس عليه سوى مراقبة ما حدث في تكساس ؛ فهي المعقل الرئيسي والأهم لرجال الأعمال في جميع الولايات ، ومن يسيطر عليها يهيمن على اقتصاد الولايات والقرار السياسي في البيت الأبيض ، لذلك أنفق إيلون ماسك على حلفائه قرابة مليار دولار حتى لا يخسروا الولاية ، ومع ذلك تكبّد مرشحو الحزب الجمهوري هزيمة انتخابية كبيرة لم تكن في الحسبان ، هنا في تكساس يجتمع النفط وشركات التكرير وصناعة السيارات الكهربائية والصواريخ والأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي ؛ وبالتالي فإن خسارة الولاية ليست خسارة عادية ، بل ثورة قادمة من التشريعات والتنظيمات التىّ تعيد هيكلة الاستثمارات كلها .

لم تكن الخسارة الأمريكية في الانتخابات النصفية مجرد هزيمة حزبية عابرة ، بل تعبيرًا عن زلزال سياسي واجتماعي أعمق ، فالإمبراطورية التىّ ظنت أنها تحكم العالم بالطائرات والشركات والتكنولوجيا اكتشفت أن شعوبها تحكمها فاتورة الغداء ، وأن الناخب المرهق قد يقلب الطاولة على الجميع ، وليست تكساس إلا العنوان الأبرز ؛ فحين تهتز ولاية النفط والذكاء الاصطناعي ، فإن ما يهتز ليس مقعدًا انتخابيًا فحسب ، بل بنية كاملة من المصالح والتحالفات والتشريعات ، ومن يريد فهم أمريكا اليوم فليترك خطابات السيادة جانبًا ، وليقرأ بعناية سعر الشطيرة في زاوية شارع أمريكي … والسلام  

Weniger anzeigen

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *