مروان صباح:
5-11-2026
من المثير للسخرية أن الإنسان ، الذي أمضى قروناً في اختراع وسائل الراحة وتشييد الحضارات وتطوير أدوات السيطرة ، لم ينجح حتى الآن في اكتشاف المسافة المثالية التىّ تسمح له بالاقتراب من الآخرين دون أن يتأذى منهم ! فهو يهرب من البرد بحثاً عن النار ، ثم يخشى الاحتراق عندما يقترب منها ، ويهرب من وحشة الوحدة إلى أحضان الآخرين ، قبل أن يكتشف أن لكل واحد منهم أشواكه الخاصة ، وكأن أعظم معضلات البشرية ليست في كيفية الوصول إلى الدفء ، بل في كيفية الاستمتاع به دون دفع ثمنه احتراقاً ، هذه المفارقة تختصرها استعارة الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور المعروفة بـ«معضلة القنافذ» ، ففي ليلة شديدة البرودة ، تقترب مجموعة من القنافذ بعضها من بعض طلباً للدفء ، لكن أشواكها تتسبب في إيذائها ، فتضطر إلى الابتعاد ، قبل أن تدفعها قسوة البرد إلى الاقتراب مجدداً ، وتستمر هذه الحركة المتناقضة إلى أن تدرك أن النجاة لا تكمن في الالتصاق الكامل ولا في العزلة المطلقة ، وإنما في العثور على مسافة تسمح بالتدفئة دون التعرض للوخز .لكن السؤال الذي تطرحه هذه الاستعارة يتجاوز حدود السلوك الفردي : لماذا يصر الإنسان على إعادة التجربة ذاتها ، رغم معرفته المسبقة بأن الاقتراب قد يحمل في طياته الألم ؟ ولماذا يكرر التاريخ صراعاته ، وكأن البشرية لم تتعلم من حروبها وانكساراتها أن الحاجة إلى الآخر لا تعني بالضرورة القدرة على التعايش معه؟ ، لعل الإجابة تكمن في طبيعة الإنسان نفسه ؛ فهو لا يستطيع مواجهة وحشة وجوده منفرداً ، ويحتاج إلى الحب والصحبة والانتماء والاعتراف ، غير أن هذه الحاجة قد تتحول ، عندما تغيب الحكمة ، إلى رغبة في الامتلاك والسيطرة ، فتختلط المودة بالتبعية ، والثقة بالرقابة ، والتقارب بإلغاء الخصوصية ، عندها يصبح الآخر ، الذي كان يفترض أن يكون مصدراً للأمان ، سبباً إضافياً للقلق والاستنزاف ، ومن هنا ، لا تكمن المشكلة في الاقتراب بحد ذاته ، بل في العجز عن إدراك الحدود التىّ تجعل العلاقات قابلة للاستمرار ، فالعلاقة الناضجة لا تشترط ذوبان أحد الطرفين في الآخر ، وإنما تقوم على التوازن بين الحميمية والاستقلال ، وبين المشاركة واحترام الخصوصية ، وإذا كان التقارب العاطفي في العلاقات الزوجية يحتاج إلى قدر من الالتصاق الوجداني ، فإن تحويل القرب إلى امتلاك في العلاقات الاجتماعية والسياسية لا ينتج سوى الاختناق والصراع .
وهذا ما يمنح استعارة شوبنهاور دلالة تتجاوز المجال النفسي إلى بنية العلاقات السياسية ؛ فالدول والأحزاب والتيارات كثيراً ما تتقارب تحت ضغط الأخطار أو تقاطع المصالح ، لكنها سرعان ما تتبادل الأشواك عندما تتغير موازين القوة ، فالتحالفات لا تعني بالضرورة تطابق الرؤى ، والشراكة لا تمنح أحد أطرافها حق الهيمنة على الآخرين ، ومع ذلك ، يتصرف بعض الفاعلين السياسيين وكأن الاتفاق المؤقت صك ملكية دائمة ، وكأن الاختلاف في المصالح خيانة تستوجب العقاب ، لا حقيقة تفرضها طبيعة العمل السياسي .
ولعل هذا المشهد يستحضر العالم الملحمي في رواية «أغنية الجليد والنار» (A Song of Ice and Fire) للكاتب الأمريكي جورج ر. ر. مارتن ؛ ذلك العالم الذي تتشابك فيه التحالفات والمصالح والخيانة ، وتظل فيه النجاة رهينة موازين القوة وتقلبات الولاء ، فالجليد والنار ، في هذا السياق ، يتجاوزان صورتهما الطبيعية ليصبحا رمزين لعالم تتصارع فيه إرادة البقاء مع شهوة السلطة ، وتتحول فيه الصداقة أحياناً إلى هدنة مؤقتة ، والتحالف إلى حساب مؤجل ، وكأن بعض العلاقات السياسية لا تقوم على الثقة بقدر ما تقوم على انتظار اللحظة التىّ يصبح فيها التخلي عن الحليف أكثر فائدة من البقاء معه ، وإذا كانت القنافذ تجرح بعضها بأشواكها الطبيعية ، فإن الإنسان يمتلك أشواكاً أكثر تعقيداً وأشد فتكاً ؛ من الغيرة والحسد والنرجسية إلى حب السيطرة واحتكار الحقيقة والخوف من فقدان المكانة ، والمفارقة أنه كثيراً ما يطالب الآخرين بتقبّل عيوبه ، بينما يتعامل مع عيوبهم باعتبارها اعتداءً شخصياً عليه ، وهنا تتحول العلاقات إلى اختبارات مستمرة للصبر ، وتصبح المسافة التىّ كان ينبغي أن تحميها ضرورة لا غنى عنها .
في المحصلة ، ليست الحكمة في أن نبتعد عن الآخرين كي نتجنب أشواكهم ، ولا في أن نقترب منهم حتى نفقد استقلالنا ، بل في أن ندرك أن التعايش لا يعني الامتلاك ، وأن المحبة لا تلغي الحدود ، وأن التحالف لا يستوجب التبعية ، فالمسافة الحكيمة ليست بروداً عاطفياً ولا قطيعة اجتماعية ، وإنما شرط من شروط استمرار العلاقات الإنسانية والسياسية دون أن تلتهم تناقضاتها أطرافها .
وربما تكمن مأساة الإنسان في أنه لا يزال يبحث عن النار هرباً من الجليد ، ثم يحمل إلى جوارها كل أشواكه ، متوقعاً أن ينعم بالدفء دون أن يؤذي أحداً أو يتأذى منه ، وهكذا تتكرر الحكاية بأسماء مختلفة ، وتتبدل الممالك والتحالفات والوجوه ، بينما تبقى الطبيعة البشرية أسيرة معضلتها القديمة : نخشى وحشة البرد ، لكننا كثيراً ما نجعل من نبحث عندهم عن الدفء سبباً لاحتراقنا …والسلام
Weniger anzeigen
