أوهام “جغرافيا الخلاص”: لماذا لا يكفي تغيير الخطاب لجذب الاستثمار إلى سورية؟

 

02 نوفمبر 2026
   حين يفرغ المشهد الإقليمي من صخبه، تتجه الأنظار عادةً نحو الاقتصاد بوصفه بوابة إجبارية للخروج من الأزمات. وهذا ما رأيناه بوضوح في الحراك الدبلوماسي الأخير، وصولاً إلى زيارة رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، إلى دمشق، وما رافقها من أحاديث واسعة عن “عصب الجغرافيا”، وبعث الممرات الاستراتيجية، وإعادة إحياء خط كركوك – بانياس، وتحويل سورية إلى شريان للترانزيت والطاقة، تتدفق عبره عروق التجارة من الخليج نحو المتوسط.

لكن، بينما كانت دمشق ترسم خرائط التفاؤل الاستراتيجي، وتراهن على الموقع الجغرافي بوصفه كلمة السر لتجاوز عقود من الحصار والدمار، جاءت تصريحات المبعوث الأميركي توم براك، عبر شاشة “سي أن أن”، لتضع الجميع أمام الحقيقة، معلنةً بوضوح أنّ جذب الاستثمارات الأجنبية إلى سورية يواجه تحديات معقدة، وأن مشاريع الطاقة تحتاج إلى عقد أو عقدين لتؤتي ثمارها، في بيئة تفتقر إلى الأمان المالي والمصرفي، وتنوء تحت وطأة ديون تُقدّر بمئات المليارات.

وبعيداً عن الأرقام الاقتصادية الجافة وتفاصيل المصارف والعقوبات، لم تكن تصريحات براك مجرد قراءة اقتصادية باردة، بل حملت رسالة واضحة ومباشرة، موجهة بلا مساحيق تجميل إلى رأس الهرم في دمشق، وتحديداً إلى أحمد الشرع وشخصيات السلطة الحالية: البراغماتية السياسية وحدها لا تكفي لإقناع شركات مثل “إكسون موبيل” أو “توتال” بضخ مليارات الدولارات في بيئة لم تستقر بعد على هوية سياسية ومؤسسية واضحة.

البراغماتية السياسية وحدها لا تكفي لإقناع شركات مثل “إكسون موبيل” أو “توتال” بضخ مليارات الدولارات في بيئة لم تستقر بعد

تكمن المشكلة هنا في تسويق وهم الاستقلال الاقتصادي السريع، والتصور بأن الحاجة الإقليمية الملحة إلى فتح ممرات بديلة، خصوصاً بعد أزمة مضيق هرمز واضطرابات الخليج، ستجبر العالم على تجاوز شروطه، أو في الرهان على أن العواصم الخليجية قادرة وحدها على تمويل ورشة إعادة الإعمار. غير أنّ تصريحات براك جاءت لتنسف هذه الفرضية، مؤكدةً أن أي تقارب إقليمي يظل معلقاً في الهواء ما لم يمر عبر البوابة الأميركية الغربية، في ظل رفض واشنطن، حتى الآن، السماح بربط سورية بالنظام المصرفي العالمي “سويفت” (SWIFT)، أو تخفيف القيود المفروضة على التكنولوجيا والصادرات.

وهنا تتجلى المعضلة الحقيقية التي تميز مسار السلطة المدنية، إن وُجدت، عن مسار السلطة الحالية في سورية، ذات المرجعية الإسلامية الراديكالية. فلو كانت سلطة مدنية هي التي تولّت الحكم، لربما بدأت من مستوى أعلى من الثقة الأولية لدى الأطراف الدولية والشركات الكبرى، وانتقلت مبكراً إلى مناقشة الجدوى الاقتصادية للمشاريع، وحجم الاستثمارات، والعوائد المتوقعة. أما السلطة الحالية، فعلى الرغم من تبنيها خطاباً براغماتياً وانفتاحها على التعاون الاقتصادي، فإنها تواجه تحدياً إضافياً يتمثل في إقناع العالم بأن هذا التحول ليس مجرد تكتيك سياسي مؤقت، وأن مرجعيتها الفكرية وطبيعتها السياسية لن تشكّلا عائقاً أمام الاستثمارات أو تهديداً لاستقرارها على المدى الطويل. وبذلك، لا يقتصر التحدي أمامها على تقديم الفرص الاقتصادية، بل يمتد إلى بناء الثقة وإثبات القدرة على توفير ضمانات سياسية وقانونية ومؤسسية مستقرة تحمي رؤوس الأموال.

لا يقتصر التحدي أمام دمشق على تقديم الفرص الاقتصادية، بل يمتد إلى بناء الثقة وإثبات القدرة على توفير ضمانات سياسية وقانونية ومؤسسية مستقرة

لا يغامر رأس المال في بيئة تتداخل فيها حسابات المكونات والأجندات، وتغيب عنها الضمانات التشريعية. لذلك، قد يكون الرهان على “سطوة الجغرافيا” وحدها كافياً لتأمين شريان حياة إسعافي، لكنه عاجز تماماً عن بناء اقتصاد مستدام. وما لم تدرك دمشق أن إعادة الإعمار الحقيقية لا تبدأ بمد الأنابيب، بل بالتصحيح الجذري لبنية السلطة، وتفكيك المخاوف الأمنية والدولية، وتقديم ضمانات مؤسسية لا رجعة فيها، فستظل سورية تراوح مكانها في غرفة الإنعاش الاقتصادي، رهينةً لوعود مؤجلة وممرات جغرافية معطّلة لا تجلب سوى سراب التنمية.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *